مبدأ استقلال القضاء بين النظرية والتطبيق .. بقلم: د. ماهر إبراهيم عبيد

يعتبر مبدأ استقلال القضاء من المبادي المسلم بها في العصر الحديث ولم تخلو غالبية دساتير العالم ومواثيق حقوق الإنسان من ايراد النصوص التي تؤكد على مبدأ استقلال القضاء كالنص { أن السلطة القضائية مستقلة} أو أن { القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون } بل أن بعض الدساتير كالدستور الفرنسي لعام 1958 نص صراحة على ضمان استقلال القضاء اذ تنص المادة 64 منه {على أن يكون رئيس الجمهورية هو الضامن لاستقلالية السلطة القضائية} والواقع أن استقلال القضاء لم يعد مسألة تخص دساتير الدول فحسب بل أصبح معياراً دولياً فعلي سبيل المثال ينص الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في العام 1948م في المادة العاشرة {لكل إنسان الحق بكامل المساواة في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة عند تقرير حقوقه وواجباته وأي اتهام جنائي يوجه ضده} وفضلاً عن ذلك فقد اعتمد مجلس الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاقبة المجرمين عام 1985م عدد من المبادي القانونية التي تكفل استقلال القضاء والمعروفة باسم المبادي الأساسية لاستقلال القضاء وهي عبارة عن عشرون مبدأ عام واجبة التطبيق بغض النظر عن النظام السياسي أو القانوني السائد، ويرتكز هذا المبدأ على مبدأ الفصل بين السلطات الذي أضحي المحور الرئيسي لعملية تنظيم السلطات في الدولة الديمقراطية الحديثة كما يعد هذا المبدأ من أهم الضمانات للحقوق والحريات ويعتبر مبدأ استقلال القضاء حصناً للحريات وحارساً للحقوق فاستقلال القضاء أصبح جزءاً من الضمير الإنساني بحيث لم يعد من المقبول إنكاره بل وغدا تعميق هذا المبدأ وترسيخه أمراً حتمياً لتأمين العدالة وكفالة الحقوق وصون الحريات وحماية المواطن في مواجهة السلطة العامة وهذا يفترض أن يكون القضاة متحررين من أي تدخل بوعد أو وعيد، بترغيب أو ترهيب، غير متأثرين في قضائهم إلا بكلمة القانون العادل فالقانون يتجرد من كل قيمة إذا لم يقم على حمايته قضاء محايد ومستقل ويصبح هو والعدم سواء ويقول في هذا الفقيه[شارل ديباش] {إن استقلال القضاء يقتضي إبعاد القاضي عن كل الضغوط الخارجية حال ممارسته للوظيفة القضائية} وقد وردت عدة تعريفات لاستقلال القضاء منها يقصد باستقلال القضاء أن لا يخضع القضاة والمحاكم في الدولة لسلطان أي جهة أخري، وأن يكون عملهم خالصاً لإقرار الحق والعدل، خاضعاً لما يمليه الشرع أو القانون والضمير دون أي اعتبار آخر، وأن تكون الأحكام والقرارات الصادرة منهم نافذة غير ممكن التعديل أو الإلغاء أو التعليق عليها من قبل أي جهة، كما عرفت منظمة العفو الدولية استقلال القضاء {أن يصدر الحكم في أي قضية مطروحة أمامها في إطار من الحيدة وعلى أساس الوقائع وطبقاً لأحكام القانون دون أي تدخل أو ضغوط أو تأثير غير مناسب من أي سلطة حكومية أو غير حكومية، كما أن الاستقلالية تعني أن يكون المعيار في اختيار الأشخاص الذين يتولون مناصب القضاء هو خبرتهم القانونية} ومفهوم استقلال القضاء أوسع من مفهوم استقلال السلطة القضائية، فالعلاقة بينهما هي علاقة الجزء بالكل وبتعبير آخر أن استقلال القضاء يتضمن مظهرين هما الاستقلال الفردي للقضاة والاستقلال المؤسسي للسلطة القضائية، وذلك لأن استقلال السلطة القضائية يعني تحررها من تعسف السلطتين التنفيذية والتشريعية أما استقلال القاضي فهو تحرره من التأثيرات مهما كان مصدرها وهو يعني كذلك تجرد القاضي ونزاهته وعدم انصياعه لأي تأثير سوي العدالة المستمدة من نصوص القانون وضميره، ومن ناحية أخري هناك اختلاف بين مفهوم استقلال القضاء وحيدة القاضي عبرت عنه المحكمة الدستورية العليا في مصر في أحد قرارتها المهمة في العام 1996 حيث ذكرت{ أن استقلال القضاء يرجع الى التحرر من تدخل السلطات الأخرى في الشؤون القضائية، في حين أن حيدة القضاة تتعلق بقدرة القاضي نفسه على القضاء في أي دعوى دون أي تحيز شخصي ضد أي طرف من أطراف الدعوي….ولا تعني الحيدة مجرد خلو القاضي من التعصب أو التحيز الشخصي، بل أيضاً استبعاد أية اعتبارات ذات صلة منه مثل أرائه السياسية أو الدينية، اذ يتوقع كل متقاض أن تسمع دعواه بإنصاف وبالكامل وأن تحقق له العدالة}
ويعني استقلال القضاء واحداً من مظهرين الأول استقلال القضاء بصفته سلطة من سلطات الدولة الثلاث تقف علي قدم المساواة مع كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية وهذا المظهر هو الذي يعطي استقلال القضاء معناه الحقيقي لأن إنكار وصف السلطة على القضاء يجرده من استقلاله وأما المظهر الثاني استقلال القضاة كأفراد أثناء اضطلاعهم بمهام وظائفهم بحيث يمارس القاضي واجبه دون تأثير أو تدخل من أية جهة كانت فلا يخضع إلا لحكم القانون والضمير فإذا لم يكن القضاء مستقلاً فإنه لن يستطيع أن يمارس سلطته في الرقابة سوء على تصرفات السلطة التنفيذية أو التشريعية بشكل فعال، وبالتالي فإنه لن يستطيع حماية مسار الحقوق والحريات الفردية في المجتمع فهذه الحقوق والحريات تغدو لا قيمة لها دون وجود قضاء مستقل يعطيها معانيها المحددة في ضوء النصوص القانونية ومقاصد صائغيها.
وقد تم التعبير عن ولاية القضاء في الدساتير والقوانين بمصطلحات مختلفة وهذا هو سبب الاختلاف في تعريف القضاء وعدم وجود تعريف مانع جامع متفق عليه بين فقهاء القانون العام والخاص على السواء وإن كان معظم فقهاء القانون الخاص قد ذهب إلى أن ولاية القضاء تعني اختصاص المحاكم بالفصل في المنازعات ولكن ثار الخلاف حول ما إذا كان مصطلح ولاية القضاء مرادفاً لمصطلح الاختصاص أم أنهما متغايران غير مترادفين ، انقسم الفقه الدستوري في هذا الأمر إلى اتجاهين يذهب الاتجاه الأول إلى أن لفظ الاختصاص لفظ عام معناه الولاية القضائية الممنوحة لمحكمة من المحاكم في أن تنظر وتحكم في قضية ما فتكون المحكمة مختصة إذا كانت لها هذه الولاية وغير مختصة إذا لم تكن لها ولاية‘
وذهب الاتجاه الثاني إلى أن الاختصاص معناه السلطة التي خولها المشرع هيئة من الهيئات القضائية للفصل في المنازعات، لذلك فقواعد الاختصاص تبين المنازعات التي تدخل في سلطة المحكمة أي تبين نصيب كل محكمة من ولاية القضاء، ومضمون هذا الاتجاه هو اعتبار أن الاصطلاحين مترادفين بمعنى واحد فالاختصاص والولاية هما مفهوم واحد وإن كان يرى البعض ضرورة التفرقة بين فكرة الاختصاص وفكرة الولاية وقد ذهب رأي حديث في تعريف ولاية القضاء بأنه يقصد بها الوظيفة القضائية وما تمنحه من سلطات أو هي مجموع الاختصاصات المسندة لكافة المحاكم في الدولة.
ومن جهة أخرى فإن النظامين القانونيين في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة يعبران عن ولاية القضاء بالاختصاص Jurisdiction فيرى بعض الفقهاء أن الاختصاص يقصد به الخصومات والمنازعات التي ترفع للمحاكم للفصل فيها أما دستور الولايات المتحدة الأمريكية فقد عبر عن ولاية القضاء بمعنيين مختلفين فقد نص في صدر المادة الثالثة على ولاية القضاء بالهيئة التي تتولى الفصل في المنازعات أي عبر عنها بولاية القضاء العضوية حيث نصت تلك المادة على أن السلطة القضائية في الولايات المتحدة مخولة لمحكمة عليا واحدة وفي تلك المحاكم الدنيا التي ينشئها الكونجرس وينظمها من وقت إلى آخر، وعبرت المادة الثالثة نفسها في فقرتيها الثانية والثالثة عن الولاية القضائية بالوظيفة القضائية أي باختصاصات الولاية الموضوعية حيث نصت على أن تمتد السلطة القضائية على القضايا عدا المحاكمة عن طريق الاتهام والتي يتولاها مجلس الشيوخ في القضايا التي تتعلق بمحاكمة رئيس الدولة والقضاة والوزراء وكبار رجال الإدارة الأمريكية وقد استخدم القضاء الأمريكي نفس الاصطلاح للتعبير عن الوظيفة القضائية بقوله إن السلطة القضائية هي المحاكم التي تتولى الفصل في الخصومات والمنازعات وإعلان الأحكام فيها لكي تكون نافذة بين الخصوم الذين أقاموا الدعوى أمامها ويتبين من العرض السابق أن النظم الدستورية عرفت الولاية القضائية مرة بالهيئة التي تتولى الفصل في المنازعات ثم عرفتها مرة أخرى بالاختصاصات التي تمارسها تلك الهيئة. وهنالك تعريف شامل لولاية القضاء أورده المشرع الدستوري المصري في المواد 165، 167 من دستور1971م المعدل في 2011م والتي تنص على (السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وفقاً القانون) وتنص المادة الأخرى على أن (يحدد القانون الهيئات القضائية واختصاصاتها وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط وإجراءات تعيين أعضائها ونقلهم، فنجد أن تعريف المشرع الدستوري المصري شامل لولاية القضاء العضوية والموضوعية فخلاصة تعريف الولاية القضائية هي هيئة تتطلب في عضويتها شروطاً خاصة وتشكل بطريقة معينة وتمارس وظيفتها وفقاً لإجراءات محددة.

شروط تولية القضاء
إن الشروط الواجب توفرها فيمن يلي القضاء بالإضافة إلى أنها تحدد صلاحيته لذلك المنصب فإنها تعتبر من العوامل الموضوعية التي تقيد سلطة التعيين في عدم تحكمها في اختيار من تشاء خاصة إذا كانت هذه الجهة غير قضائية الأمر الذي يؤدي إلى المساس باستقلال القضاء إلا أن شروط اختيار القضاة تختلف بحسب نظرة النظام القانوني الذي تتبعه الدولة للمنصب القضائي فنجد أن دول النظام القاري Continental system تعتبر القضاء مهنة ولذلك يشترط فيمن يرشح لهذا المنصب في هذه الدول أن تتوافر فيه شروط الموظف العام التي تنص عليها عادة قوانين الخدمة المدنية بينما نجد في بلاد الشريعة العامة Common Law وفي مقدمتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة أن النظرة إلى منصب القضاء مختلفة فينظر له على أنه مكافأة ينعم بها على ذلك الشخص الذي تمرس في العمل القانوني في المحاكم في مهنة المحاماة فترة طويلة حتى صقلته التجربة، وقد بلغت أهمية الشروط الواجب توفرها في شخصية القاضي حد القول بأن المنصب القضائي يجب أن يسعى للإنسان لا أن يسعى إليه الإنسان وقد نبه إلى أهمية شخصية القاضي وتأهيله أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية جورج واشنطن وهو يرى أنه لا يكفي أن يكون رئيس المحكمة العليا رجل قانون فحسب، بل يجب أن يكون رجل سياسي ورجل إداري وقائد عظيم، وذهب رأي آخر إلى أن نوعية العدالة تعتمد بدرجة أكبر على صفات الرجال الذين يطبقون القانون أكثر من اعتمادها على مضمون القانون الذي يطبقونه، وتحدث بروفسيور كار عن الشروط التي يجب توافرها في شخصية القاضي وربط بين شخصيته وبين الرقابة القضائية على دستورية القوانين ويرى أن لسلوك القاضي وأخلاقه و معدنه ، ثم خبرته القانونية والقضائية أهمية عظيمة على التحكم في وجهة نظره وهو على منصة القضاء ولذلك فقد جمعت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية خبرات ومؤهلات مختلفة فقد جمعت بين قضاة أحرزوا نجاحاً في المجالات المالية أمثال ماسويس وفولر وبتلر، وروبرت وجمعت كذلك قضاة كانوا أساتذة للقانون في أرقى الجامعات مثل فرانكفورتر ودوجلاس وأستون ثم ضمت قضاة تمرسوا في العمل القضائي من أدنى المحاكم إلى أعلاها أمثال كاردوز وهولمز وقضاة عركوا الحياة السياسية أمثال بلاك ويختم بروفسور كار بقوله (إن الحقيقة أن قضاتنا العظماء من عهد مارشال وتاني وحتى عهد هولمز وبرانديز قد نالوا سمعة وشهرة لأنهم نجحوا في مزج تخصصاتهم الأكاديمية المختلفة وقدراتهم المهنية مع تجاربهم وخبراتهم القانونية.
ويتبين من ذلك أن المؤهل العلمي لا يشترط أن يكون بالضرورة مؤهلاً قانونياً وإن كان ينبغي أن يكون كذلك ولذلك لا يشترط أن تكون الخبرة قانونية أو قضائية. فقد تكون خبرة مالية أو دبلوماسية أو حتى العمل التنفيذي أو التشريعي أو السياسي أو التدريس في كليات الحقوق أما عامل السن والذي له أثر على قرارات القاضي كما يقول البروفسور أونج كان في المتوسط ما بين 40 – 45 سنة حسب الإحصائيات التي قام بها منذ تأسيس المحكمة العليا الأمريكية. في السودان نص على شروط تولية القضاء قانون الهيئة القضائية لسنة 1986م في عدد من المواد وتتمثل شروط تولية القضاء وفقاً للمادة 23 من قانون الهيئة القضائية1986_ وهو نص مشابه للمادة(38) من قانون السلطة القضائية المصري رقم 46 لسنة 1972م)_ في الآتي:
1/ يجب فيمن يتولى القضاء أن يكون سودانياً كامل الأهلية، ووفقاً لهذا النص لا يجوز تولية القضاء للأجانب وذلك لأن القضاء مظهر من مظاهر سيادة الدولة ولا يجوز أن تسمح الدولة في تولي سلطتها إلا لمن تمتع بجنسيتها، كذلك يجب فيمن يتولى القضاء وفقا لهذا النص أن يكون كامل الأهلية والمقصود بكمال الأهلية هو ممارسة الحقوق المدنية، ولكن لا يكفي أن يكون الشخص كامل الأهلية فقط بل يجب أن يكون على درجة من الذكاء والفطنة ويمكن التحقق من ذلك عن طريق الاختبارات التي يخضع فيها القاضي لتطبيقات عملية كما هو الحال في النظام المصري حيث يعمل معاوناً في النيابة ومن خلال التفتيش على عمله وتقييمه من كل الوجوه يمكن تعيينه بعد ذلك في القضاء، وهذا خلاف ما كان عليه الوضع في السودان حيث كان يعين الخريج من كلية القانون مباشرة في القضاء دون أن يمارس أي تدريب عملي.
ولكن يجب قبل تعيين الشخص في السلطة القضائية أن يمارس تدريباً عملياً على أعمال كتبة المحاكم والشرطة ويجلس مع القضاة لسماع الإجراءات العملية وحتى صدور الأحكام في القضايا المدنية والجنائية والأحوال الشخصية وبعد ذلك يتم تعيينه وإعطاؤه سلطة الفصل في الدعاوي ولكن في تاريخ لاحق تمت إضافة بعض الشروط للتعيين في السلطة القضائية ومن ضمنها شرط الخبرة حيث أصبح يشترط لاستيعاب الشخص في وظيفة مساعد قضائي أن يكون لديه خبرة عملية سابقة 4 سنوات.
2/ المؤهل العلمي: كذلك من ضمن شروط تولي القضاء في السودان المؤهل العلمي ووفقاً لهذا الشرط يجب أن يكون المترشح لمنصب القضاء حاصلاً على درجة في القانون من جامعة معترف بها في السودان وذلك مع عدم الإخلال بأي شرط آخر ينص عليه أي قانون في السودان بشأن تولي القضاء كقانون تنظيم مهنة القانون لسنة 1966م الذي يشترط لممارسة المهن القانونية أن يجلس الشخص لامتحان تنظيم مهنة القانون ويجتاز الامتحان وقد جاء تفسير المهن القانونية في المادة 3 من هذا القانون بقولها( يقصد بالمهن القانونية العمل في القضاء أو المحاماة ووزارة العدل والقضاء العسكري أو في أي مرفق آخر يستلزم تقديم الاستشارة القانونية).
وقد جاءت المادة 10 من قانون تنظيم مهنة القانون لسنة 1966م تحت عنوان تقييد الاشتغال بالمحاماة أو العمل في الهيئة القضائية أو القضاء العسكري أو كمستشار قانوني وتنص هذه المادة على الآتي:
1. (لا يعتبر من يطلب رخصة بموجب قانون المحاماة لسنة 1983م للاشتغال بمهنة المحاماة أمام المحاكم المدنية والجنائية بعد نفاذ هذا القانون أنه حائز على مؤهلات بالمعنى الوارد في ذلك القانون إلا إذا اجتاز الامتحان المشار إليه في المادة 7 من قانون تنظيم مهنة القانون لسنة 1966م.)
2. لا يعد مقدم الطلب لائقاً للتعيين في الخدمة المستديمة بالمعاش كعضو في الهيئة القضائية أو القضاء العسكري أو كمستشار قانوني بوزارة العدل أو في أي وزارة أو مصلحة حكومية اتحادية أو مؤسسة شبه حكومية اتحادية أو مستشار قانوني في الوزارة الولائية للإدارة والشؤون القانونية والتنسيق أو أي وزارة ولائية أخرى أو مصلحة حكومية ولائية أو مؤسسة شبه حكومية ولائية إلا إذا اجتاز الامتحانات التي يتطلبها هذا القانون، وفقاً لهذه المادة لا يجوز للشخص أن يعمل بأي من المهن القانونية إلا بعد أن يجتاز امتحان تنظيم مهنة القانون الذي نص عليه القانون المذكور في المادة 7 منه.
3/ أن يكون حسن الأخلاق محمود السيرة: وهذا الشرط أساسي وضروري ويجب أن يتوفر فيمن يلي القضاء وذلك لأن القاضي هو الأمين على حقوق الناس وهو الذي يرد الحق المغصوب إلى صاحبه لذلك يجب أن تتوافر فيه الأخلاق الحميدة حتى يطمئن المتقاضين إلى حكمه وعدله.
4/ ألا يكون قد صدر حكم من محكمة مختصة أو من مجلس محاسبة في أمر مخل بالشرف أو الأمانة حتى لو صدر قرار بالعفو عنه. وهذا الشرط أيضاً تم وضعه للتأكد من نزاهة الشخص المرشح للهيئة القضائية.
5/ ألا يقل عمره عن ثلاثة وعشرين سنة إذا كان التعيين في وظيفة مساعد قضائي وعن خمس وعشرين سنة ، إذا كان التعيين في المحاكم الجزئية وعن ثلاثين سنة إذا كان التعيين في المحاكم العامة، وعن خمس وثلاثين سنة إذا كان التعيين في محاكم الاستئناف وعن أربعين سنة إذا كان التعيين في المحكمة العليا ، ما نصت عليه المادة 23 من شروط يمثل الشروط العامة للتعيين في الهيئة القضائية بالإضافة إلى ذلك نص قانون الهيئة القضائية لسنة 1986م على شروط خاصة للتعيين لكل درجة من درجات القضاء من وظيفة مساعد قضائي إلى درجة قاضي المحكمة العليا وذلك في المواد 24، 25، 26، 27، 28، 29 منه .

إسناد ولاية القضاء
لكي يكون القاضي مستقلاً في أداء واجبه يجب أن يشعر بأنه ليس مديناً لشخص معين ولا إلى جهة معينة في اختياره لمنصب القضاء وأنه حصل عليه بكفاءته وأهليته دون أن يكون لأحد فضل عليه في ذلك، لذلك اجتهد فقهاء القانون الدستوري والعلوم السياسية في البحث عن وسيلة مثلى لاختيار القاضي بحيث يكون مستقلاً أتم الاستقلال، عن الجهة التي اختارته وقد إستير جهدهم على طريقتين لاختيار القضاة طريقة التعيين ثم طريقة الانتخاب وسوف نتناول هاتين الطريقتين لإسناد السلطة القضائية تفصيلاً.

أولاً: طريقة الانتخاب:
هذه الطريقة تعني اختيار القضاة عن طريق جمهور الناخبين مباشرة أو غير مباشرة ويزكي هذه الطريقة في أنها تتماشى مع مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، فكما أنه يختار رجال السلطة التشريعية يختار رجال السلطة القضائية وتتفق هذه الطريقة أيضاً في إسناد السلطة القضائية مع مبدأ الفصل بين السلطات ومع استقلال السلطة القضائية من تدخل وتغول السلطتين التشريعية والتنفيذية كما تؤدي هذه الطريقة إلى اهتمام الشعب بالقضاء، وزيادة الصلة بين الشعب والمحاكم وطريقة الانتخاب متبعة في بعض الولايات الأمريكية، وفي سويسرا ولكنها متبعة بصورة أساسية في دول الكتلة الاشتراكية، وقد نص الدستور الأمريكي في المادة الثانية على طريقة إسناد السلطة القضائية لقضاة الولايات عن طريق الاقتراع العام المباشر من الشعب في ست وثلاثين ولاية، وعلى الرغم من محاسن طريقة الانتخاب لإسناد السلطة القضائية إلا أنها تنطوي على كثير من العيوب تجهض كل تلك المحاسن وتقضي على استقلال القضاء ومن أهم تلك العيوب:
1/ تدخل العوامل السياسية :من الثابت أن الانتخابات العامة تنظمها وتمارسها الأحزاب السياسية وأن القاضي لا يضمن فوزه في تلك الانتخابات ما لم يجد الدعم والتأييد من حزب سياسي معين ومن ثم فإن ترشيح القاضي يتم عن طريق الهيئات السياسية للحزب وأن فوزه يتوقف على اختيار جمهور ذلك الحزب له ولذا فإن القاضي يشعر بأنه مدين لذلك الحزب وجماهيره ويكون متعاطفاً مع وجهات نظره مما يفقده حياده الذي هو أهم سمات استقلاله وبالرغم من الطابع الديمقراطي الظاهري لهذه الطريقة فإنها أسوأ الطرق نظراً لخضوع القضاة للأحزاب السياسية.
2/ سوء الاختيار: والثابت كذلك أن انتخاب القاضي لا يقوم على كفاءته العلمية وخبرته القضائية وسلوكه وهي الصفات الواجب توفرها فيمن يرشح لمنصب القضاء ولكنه يقوم على الرغبة الشعبية والصداقات والعلاقات والقرابة وبذلك قد يصل إلى منصب القضاء رجال ضعفاء غير مؤهلين علماً وخلقاً وذلك لعدم تقدير الناخبين للمؤهلات والمزايا التي يتعين توفرها في القاضي.
3/ توقيت المنصب: إن الانتخاب مهما كانت مدته يعتبر مؤقتاً لأنه بعد انتهاء فترة الانتخاب قد لا يعاد انتخاب القاضي مرة أخرى وهذا يتعارض مع مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل ويجعل النظام القضائي يفتقر إلى الخبرة والتجربة لأن فترة الانتخاب غير كافية لأن يكتسب فيها الخبرة والتجربة اللازمتين لتدعيم المنصب القضائي ولهذه الأسباب وغيرها لم تأخذ كثير من النظم القانونية بطريقة اختيار القضاة عن طريق الانتخاب.

ثانياً: طريقة التعيين:
وجوهر هذه الطريقة أن تقوم جهة معينة في الدولة بتعيين القضاة فقد تكون تلك الجهة السلطة التشريعية وقد تكون السلطة التنفيذية وقد تكون مشاركة بين السلطة التنفيذية والتشريعية وقد تكون مشاركة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية وإن كان اختيار القضاة عن طريق السلطة التنفيذية أكثر الطرق انتشاراً.
رغم ما يعاب على هذه الطريقة الأخيرة في أنها تخالف مبدأ الفصل بين السلطات وتخضع السلطة القضائية للحكومة مما يعرض استقلال السلطة القضائية إلى خطر فعلي ويرى[ الدكتور سليمان الطماوي] أن تعيين القضاة بواسطة السلطة التنفيذية لا يتعارض مع استقلال القضاء لأن القانون يحدد الطرق التي يتعين على السلطة التنفيذية أن تراعيها وهي تعين القضاة بالشروط والمؤهلات التي يجب توافرها في المرشحين لمنصب القضاء، ومثال للدول التي تأخذ بتعيين القضاة المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، فيتم تعيين قضاة المحاكم العليا وقضاة المحاكم الجزئية وقضاة محاكم الأقاليم الجنائية وقضاة الصلح بقرار يصدر من قاضي القضاة في بريطانيا وهنا يتم التعيين بواسطة السلطة القضائية نفسها وهذه أضمن طريقة لاستقلال السلطة القضائية ولكن يتم تعيين رئيس محكمة الاستئناف ولوردات الاستئناف المعاونون ورئيس دائرة مجلس الملك الخاص من قبل رئيس الوزراء وفي هذه الحالة يتم التعيين من قبل السلطة التنفيذية ، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد نص الدستور الأمريكي في المادة الثانية على أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو الذي يتولى تعيين قضاة المحاكم الاتحادية بناء على مشورة وموافقة مجلس الشيوخ، وتأخذ بلجيكا في تعيين السلطة القضائية بنظام وسط يمزج بين الانتخاب والتعيين، فرئيس الدولة يقوم باختيار قضاة محكمة النقض ومحاكم الاستئناف ورؤساء ووكلاء المحاكم الابتدائية لكن هذا الاختيار يتم من بين قائمتين للمرشحين تقوم الهيئة القضائية التي يراد تعيين القضاة بها بإعداد أولها وتعد الثانية الهيئات المنتخبة وهي مجلس الأعيان، عند تعيين قضاة محكمة النقض ومجلس المديرية عند تعيين قضاة محاكم الاستئناف ورؤساء ووكلاء المحاكم الابتدائية، أما في ألمانيا فهناك طريقة مختلفة تماماً حيث يتم تعيين القضاة عن طريق الهيئة التشريعية التي تقوم بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية عن طريق انتخابهم بواسطة مجلس النواب والاتحاد لمدة اثني عشر عاماً مع جواز انتخابهم مرة أخرى، وطريقة التعيين هي الطريقة المثلى لاختيار أعضاء السلطة القضائية وذلك لأن هذا الأسلوب يحقق ميزة حسن الاختيار باعتبار أن رجال السلطة التي تعين القضاة أقدر من الناخبين على التعرف على الكفاءات المؤهلة والصالحة لتشغل وظائف القضاة ويعاب على هذا النظام خشية خضوع القضاة للسلطة التي تولت تعيينهم بما يؤثر على استقلالهم وحيادهم من ناحية، والتخوف من أن تتعرض عملية التعيين لمؤثرات سلطة التعيين ويكون للاعتبارات السياسية والأهواء الحزبية دخل كبير ودفعاً لهذه الخشية تنص التشريعات التي تأخذ بهذا الأسلوب على تقييد حق السلطة التنفيذية بقيود تحول دون تسلطها أو استبدادها وذلك بالنص على ضرورة توافر شروط موضوعية دقيقة يجب توافرها فيمن يعينون في مناصب القضاء، بما يحد من احتمال تحكم سلطة التعيين، في السودان نص قانون الهيئة القضائية على كيفية إسناد السلطة القضائية في المادة 22 بقوله (يعين رئيس الجمهورية رئيس القضاء ونوابه وقضاة المحكمة العليا وقضاة الاستئناف وقضاة المحاكم العامة والقضاة الجزئيين ويعفيهم من مناصبهم) ولكن وفقاً لدستور السودان الانتقالي الملغي لسنة 2005م، تم إنشاء مفوضية للخدمة القضائية تتولى تعيين القضاة بناء على توصية من رئيس الجمهورية وفق للمادة (130) الفقرة (1) التي تنص على (.مع مراعاة الكفاءة والنزاهة والمصداقية يعين رئيس الجمهورية وفقاً للمادة 58 (2) (ج) من هذا الدستور متى كان ذلك منطبقاً, وبناءً على توصية المفوضية القومية للخدمة القضائية، كل من رئيس القضاء لجمهورية السودان ونوابه وقضاة المحكمة القومية العُليا وكل قضاة السودان.) وقد ألغت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لعام 2019م مفوضية الخدمة القضائية التي نص عليها دستور 2005م الملغي واستعاضت عنها بمجلس القضاء العالي الذي يتولى سلطاتها واختصاصاتها حسب نص المادة 29 من الوثيقة التي تنص على{ ينشأ مجلس القضاء العالي ليحل محل المفوضية القومية للخدمة القضائية ويتولى مهامها، ويحدد القانون تشكيله واختصاصاته وسلطاته} وفي تقديري أن هذا الوضع يلائم استقلال القضاء في أن تعطي السلطة في اختيار القضاة للقضاة أنفسهم علاوة على ذلك فقد نصت المادة 30 الفقرة الثانية من الوثيقة بصورة واضحة لا لبس فيها على استقلال السلطة القضائية من الناحية الإدارية والمالية بقولها: {تكون السلطة القضائية مستقلة عن مجلس السيادة والمجلس التشريعي الانتقالي والسلطة التنفيذية ويكون لها الاستقلال المالي والإداري اللازم}

emam.maher@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً