أخبار عاجلة

“متلازمة الفلنقنزم”

الصادق حمدين

قَومٌ إِذا مَسَّ النِعالُ وُجوهَهُم … شَكَتِ النِعالُ بِأَيِّ ذَنبٍ تُصفَعُ

ان الذين تُطلق عليهم صفة “الفلنقايات”، بلا أدنى شك يعانون من تدني مزمن في تقدير الذات، والمبالغة في اذلالها وتحقيرها، والشعور بالدونية، والتمادي في الحط والتقليل من كرامتهم الآدمية، وفات على هؤلاء الفلاقنة منزوعي العقل والعزة وكرامة النفس إن معادلات الطبيعة قد خلقت البشر متساويين، والفارق الطبقي لا علاقة له بالانكسار والخضوع.

كان عليهم ان يدركوا ان صغير قوم هو كبير آخرين في ذات الوقت، وفي سبيل تحسين شروط ذلتهم وفلقنتهم تمادوا كثيرا وألفوا الانحناء حتى تقوست ظهورهم، وأصبحوا مطية لكل من يرمي لهم عظم. وفاتهم إدراك حكمة تقول: من يعطي يمكنه أن يمنع، وأن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح. وليت كانت هذه “الفلنقنزم” في نطاق “الزبونية السياسية” التي تعني في سياقها تبادل المنافع، بل انها أصبحت علاقة تبعية مّذلّة.

في كل زمان يتجدّد مشهد واحد، وإن تبدّلت وجوهه: سلطة نخبوية مركزية تُحكم قبضتها، لا بقوتها وحدها، بل بمن يلوذون بها من هوامش الأطراف، ويستمدّون من ظلّها معنىً زائفاً لوجودهم. هناك، عند تخوم الكرامة، يقف من تخلّوا عنها طوعاً واختياراً، لا عجزاً وخواراً، بل اعتياداً؛ حتى غدت إنسانيتهم المهدرة في أعينهم عبئاً لا يحتمل للحرية معنى.

هؤلاء لا يكتفون بالصمت على القهر، بل يصوغون له لغة تبرّره، ويحيكون له سرديات تمنحه ملامح المشروعية. ينحنون طويلاً حتى تستقيم في أذهانهم هيئة الانحناء ويتوه عندهم معنى “منتصب القامة أمشي”. يطيلون المكوث عند أعتاب القوة حتى يخيل إليهم أن عتبة السلطان مقام مقدس. وحين يشتدّ بطش المتسلّط عليهم عنفاً ولفظاً، لا يرونه إلا حزماً، ولا يسمعون في صليل القيود وثقل السلال والأغلال إلا نشيداً مألوفاً تعودت عليه آذانهم.

المفارقة الفادحة أنّهم لا يُساقون دوماً بالعصا والسوط، بل يُقادون بوهم قطعة صغيرة من “جاتوه” السلطة، وبفتات توهم الامتياز، وبتهور صبياني يُلبسونه ثوب الحكمة والفهلوة في تناقض سلوكي فاضح. وهكذا تتحوّل العلاقة مع الظالم من صراع تناحري إلى تواطؤ مقيت، ومن رفض وتمرد ممهور بالدماء إلى تكيّف وتماهي مع الذّلة والانكسار، حتى يصبح الدفاع عن القيود والسلاسل فعلاً يومياً لا يستدعي تبريراً.

المأساة ليست في وجود سلطة ظالمة، فالتاريخ مليء بنماذجها، بل في تشكّل وعي مريض بثقافة الذلّ والاستكانة، يرى في الخضوع طريقاً للنجاة، وفي التماهي مع القاهر وسيلة للبقاء. إنه وعيٌ يرتدّ على نفسه، فيحمي ما يقوّضه، ويدافع عمّا ينتقص من كرامته، ويُعيد إنتاج الحلقة المفرغة التي تسحقه. فهذه التبعية ليست حتمية، بل خيار يُتَّخذ. أما “الفلقنة” فليست صفة أصيلة في الإنسان، بل حالة طارئة يهيّئ لها الطرف المُهين شروطها، مستغلًا ضعف الطرف الآخر عبر تغذية أوهامه الصغيرة وإيهامه بإمكانية تحققها.

إن كسر هذه الحلقة الجهنمية المهلكة لا يبدأ من مواجهة أو الثورة والتمرد على النخبوي المهيمن بالسلاح، بل من مراجعة النفس أولاً؛ من لحظة يدرك فيها الإنسان أن كرامته ليست ترفاً مؤجلا، ولا ورقة قابلة للمساومة والتنازل، بل شرط وجوده الأول. عندها فقط، يتهاوى البناء الذي قام على التبرير، وينكشف أن ما كان يُظنّ قدراً لم يكن سوى عادة “فلقنة” مزمنة طال أمدها ويجب ان تذهب إلى مزابل التاريخ دون عودة .

إن وصف فئة محددة بالفلنقايات، في هذا السياق، لا يُقصد به الانتماء العرقي أو الاجتماعي أو الجغرافي، ولا يُراد به المعنى العنصري البغيض كتصنيف إنساني درج ضعاف النفوس بدمغ الآخرين به، بل القصد منه في هذا السياق استعمال مجازي نقدي لظاهرة التبعية العمياء وتبرير القهر بل التماهي معه؛ وهي ظاهرة قد تظهر في أي مجتمع، وعند أي فرد، متى اختلّ الوعي واختلّت موازين الكرامة عندهم وباعوا مجتمعاتهم بثمن زهيد من أجل سلطة لا تساوي ثمن الكرسي الذي يجلسون عليه.

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

أيها الكوز المتوهم: ألبس “قدر جلابيتك”

الصادق حمدين على خشبة مسرح تراجيديا السياسة السودانية المفتوح، لا تحتاج إلى كثير جهد لتتابع …