مجرى النيل: يا سلام على ده تحويل! … بقلم: منى عبد الفتاح

كيف لا

 

moaney (moaney15@yahoo.com)

 إن شئت أن تفرد مساحة من التأمل  المحزون حتى تستطيع تحويل التراجيديا إلى كوميديا سوداء على طريقة تحويل مرارات الشعوب إلى نكات سياسية فتأمل تصريحات مديري الإدارات الحيوية والاستراتيجية مثل إدارة المياه بوزارة الري والموارد المائية.وسأهديك بهذه المناسبة أغنية أم كلثوم التي كتب كلماتها عبد الوهاب محمد ولحنها رياض السنباطي ويقول مطلعها :حولنا  مجرى النيل يا سلام على ده تحويل ، حيكون تحويل لحياتنا مش بس لنهر النيل .الأغنية بُثت في 1965م أي بعدما شهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر والزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف  في عام 1964 احتفالاً ضخماً بمناسبة انتهاء المرحلة الأولى من بناء السد العالي بأسوان .

 أخذ التحويل  شكلين ففي الجزء الشمالي من السد عند تكوّن بحيرة ناصر  كانت وعود الرخاء والتنمية وخلود النهر وفي الجزء الجنوبي عند نقطة تكوّن بحيرة النوبة وما جاورها تم تهجير الآلاف  من سكان النوبة من قراهم التي غرقت تحت البحيرة الممتدة شمالاً وجنوباً.

  بينما كان مدير إدارة مياه النيل في وزارة الري والموارد المائية ينفى من مكتبه أن تكون هناك أية نية حقيقية لتغيير مجرى النيل أو حجز المياه عن السودان ومصر ، وأثناء تقليله من أهمية التحركات الإسرائيلية في منطقة حوض النيل، كان هناك خبير أمريكي متخصص في علم البيئة والتاريخ الطبيعي يتحدث عن مياه النيل ولكن بشكل مختلف .لم يتجرأ الباحث وينفي النوايا التي لا يملك دليلاً على صحتها أو سبباً لنفيها، وإنما أعلن بشواهد التاريخ وبراهين التجربة العلمية أن ما تم من تحويل لمجرى النيل أي قبل 45 عاماً وقيام السد العالي تسبب في العديد من الأضرار للأراضي الزراعية على طول نهر النيل، كما تسبب في الإضرار بالثروة السمكية والتجمعات السكانية وخصوصاً في منطقة النوبة.

 لم يكتف كريس ماسر عالم البيئة والتاريخ الطبيعي باستعراض  الأضرار الاقتصادية لقيام السد وإنما تحدث عن أثر السد في إحداث نوع من التحول الاجتماعي والثقافي وأثره كذلك على التجمعات السكانية الهادئة مما اضطر أهل النوبة إلى الرحيل بعيداً عن ضفاف النيل الذي كان  يروي محاصيلهم.

  بين بحوث عالم البيئة الأمريكي وهذه المتاهة الوجودية للسياسات المائية التي لا تحسن استغلال ما ينزل من السماء ولا تشكر على نعمة المتفجر في الأرض ، نتساءل عن مدى اهتمام وزارة الري والموارد المائية بدراسات صراع المياه وأزمة الحقوق في دول حوض النيل. وكذلك نستجدي البحث من أجل الإفصاح عن منطق يبرر عدم وجود اتفاقيات للتقسيم العادل والمنصف لحقوق المياه بين دول الحوض ومقنع للأجيال الحالية والقادمة ، ثم نحاول معرفة سر التسليم بآخر تلك الاتفاقيات الموقعة بين مصر والسودان عام 1959 والتي أسفرت عما أسفرت عنه واستندت على وصول ما يقدر بـ 84 مليار متر مكعب عند أسوان، خُصص حوالي 55.5 مليار متر مكعب منها أي الثلثين لمصر، و18.5 مليار متر مكعب أي الثلث للسودان.

 نحن الآن في فصل الأمطار في الهضبة الأثيوبية والربوع السودانية معاً، ونرى فيما يرى اليائس ألا إفادة من نعمة السماء بل تواصل مرير في  تراجيديا مسلسل مفاجآت الخريف المعاد سنوياً حيث تنتظر الوزارة معنا إيجاد طريقة لحل قضية المياه والكهرباء.

 يصرح المسؤولون وما تزال الشمس تغيب وتشرق على نهر النيل ،في جريانه بين ضفافه وانقباضه عبر سدوده ثم انبساطه . لكن لجريانه طعم لا يبلى فقد خلد منظره وسكنت قصيدته أفئدتنا بأن تكون كما قال إدريس جماع "كل الحياة ربيعٌ مشرقٌ نضرٌ في جانبيه وكل العمر ريعانُ".

عن صحيفة "الأحداث"

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً