محمد المكي إبراهيم.. “بعضُ زنجيّة.. وبعضُ عربيّة”

بقلم: هشام الحلو
حين نتأمل التجربة الشعرية للأستاذ محمد المكي إبراهيم، فنحن لا نقف أمام مجرد ترف لغوي أو نظم بلاغي، بل نحن بصدد “مشروع كياني” أعاد صياغة الوجدان السوداني في لحظة تاريخية فارقة. لقد مثّل “ود المكي” حجر الزاوية في تيار “الغابة والصحراء”؛ ذلك الحراك الثقافي الذي لم يكن مجرد مدرسة أدبية، بل كان محاولة جادة وشجاعة للإجابة عن سؤال الهوية المأزوم: من نحن؟
لقد أجاب المكي إبراهيم بعبقريته الفذة، صاهراً المتناقضات في بوتقة القصيدة، ليخرج لنا بخلطة سحرية تجلت بوضوح في ديوانه الفاروق “بعض الرحيق أنا.. والبرتقالة أنتِ” الذي صدر عام 1972م. هذا الإصدار لم يكن مجرد إضافة للمكتبة العربية، بل اعتبره النقاد “أيقونة” الديوان التي فككت “منفستو” وعقيدة تيار الغابة والصحراء، محولةً الشعار السياسي إلى نبض شعري حي حين قال:
“يا وردةً باللّونِ مسقيّهْ
يا مجدولةً من شعر أغنيّهْ
يا مملوءة الساقيْنِ أطفالاً خلاسيين
يا بعضَ عربيهْ
وبعضَ زنجيّهْ
وبعضَ أقوالي أمام اللهْ!”
هذه المقولة لم تكن شعاراً سياسياً عابراً، بل كانت رؤية فلسفية استبصرت مبكراً ضرورة التصالح مع الذات المتعددة، وهي الرؤية التي انسربت في نسيج شعره، فجاءت قصيدته “هجينة” الجمال، تجمع بين رصانة الحرف العربي وجسارة الروح الأفريقية. ويمثل هذا الديوان علامة فارقة في مسيرة الحداثة الشعرية السودانية، ففيه ارتقى محمد المكي إبراهيم باللغة إلى مصاف “السهل الممتنع”، حيث تخلصت القصيدة من أثقال المباشرة والخطابية لتغوص في عوالم الرمزية الشفيفة.
إن المتأمل في عنوان الديوان يلحظ ثنائية الحلول والاتحاد، التي توحي بعلاقة عضوية لا تنفصم بين “الذات” و”الموضوع” (أو الشاعر والوطن/الحبيبة)؛ فـ “الرحيق” لا قوام له إلا بالـ “برتقالة”، وهو امتزاج صوفي يعكس ذوبان الشاعر في تفاصيل الأرض والإنسان. وقد اتسمت تجربة المكي بنحت لغوي فريد؛ فهي لغة “أرستقراطية” في بنائها، لكنها “ديمقراطية” في ملامستها للوجدان، حيث طوع المفردة الجزلة لخدمة المعنى الإنساني الرقيق، مما جعل قصائده قابلة للقراءة على مستويات متعددة.
وتكمن عبقرية المكي إبراهيم في قدرته الفائقة على أن يكون “معاصراً” و”تراثياً” في آن واحد، فقد جارى بإنتاجه فحول الشعراء العرب، محققاً “وقع الحافر على الحافر” من حيث المتانة اللغوية، لكنه ظل سودانياً خالصاً في مناخات قصيدته وأخيلتها. ولم تكن تجربته الشعرية منفصلة عن الحلم الوطني؛ فقصائده “الأكتوبرية” التي تغنى بها الشعب، كانت الوجه الآخر لقصائده الرومانسية والرمزية. هذا التوازن الدقيق بين “الشاعر المناضل” و”الشاعر الفنان” هو ما منح تجربته هذه الصفة الموسوعية والخلود.
إن تجربة محمد المكي إبراهيم تظل مدرسة مفتوحة للأجيال؛ مدرسة تعلم “أدب الاختلاف” و”جماليات التنوع”. لقد ترك لنا خارطة طريق لغوية وفكرية تؤكد أن الشعر الحقيقي هو الذي يسكن في المسافة الفاصلة بين رمال الصحراء وظلال الغابة، محولاً هذا “الشتات” إلى لوحة فنية باذخة الجمال.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

عبد العزيز بركة ساكن: امرأة من كمبو كديس

بقلم: هشام الحلوتُعد مجموعة “امرأة من كمبو كديس”، التي أطلت في فضاءات الأدب السوداني في …