درس الشاعر والناقد محمد عبد الحي (1944 أغسطس 1989) الأدب في جامعة الخرطوم وتخرج فيها عام 1967. نال درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة ليدز عام 1970، ثم درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد عام 1973. عمل أستاذاً بجامعة الخرطوم، ثم رئيساً لشعبة اللغة الإنجليزية ثم رئيساً لشعبة الترجمة، ثم مديراً عاماً لمصلحة الثقافة عام 1976.
أصدر ست مجموعات شعرية، منها: «العودة إلى سنار» 1973، «السمندل يغني» 1977، «حديقة الورد الأخيرة» 1984، وصدرت له الأعمال الشعرية الكاملة بالقاهرة 1999، وله مسرحية شعرية بعنوان: رؤيا الملك – الخرطوم 1973. إضافة إلى العديد من الدراسات النقدية والثقافية التي نشرت في صحف ومجلات بارزة في السودان ولبنان ومصر وسوريا وقطر وغيرها. أصدر له مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي منذ فترة أطروحته للدكتوراه، تحت عنوان «تجليات الشعر الإنجليزي والأميركي في الشعر العربي الرومانسي» بترجمة من عائشة موسى- زوجته.
يعتبر عبد الحي من أقطاب تيار« الغابة والصحراء» وقصيدته المطولة- التي أعاد كتابتها سبع مرات- «العودة إلى سنار» 1966 اعتبرت بمثابة مانفستو أو بيان لتوجه ذلك التيار الذي قرأ الهوية السودانيّة بوصفها حصيلة التقاء بين الثقافتين الأفريقية والعربية (بحيث ترمز الغابة للقارة السمراء وتحيل الصحراء إلى الفضاء العربي).
فيما يلي مختارات شذرية من نصوص ومقالات وحوارات للشاعر الذي تمر ذكرى رحيله الـ(32) هذا اليوم ( 23 أغسطس)
يد الله
الشاعر الذي يعيش في عصرنا الحديث يعرف أن رحلته أصعب من رحلة الإنسان في عصور النبوة حيث كانت يد الله تتدخل مباشرة لتطهير الأرض من طغيان الدرن.
***
روحية
سويعات الهزة الشعرية قد تتخطى كل ما قد يستنه الناقد من قوانين وأعراف.. كل قصيدة جديدة هي إضاءة روحية وفكرية جديدة.
***
الشاعر
الشاعر ليس نبياً، إنما هو إنسان معلق بين الخير والشر، بين الحمأ المسنون والنور المُتقى، الأنبياء غسلت الملائكة أفئدتهم من دنس هو في أصل التاريخ.
***
مفهوم
لا يوجد شعر حر إطلاقاً، لأنه لا يوجد فن حر إطلاقاً، أو قل إنها حرية صعبة المنال، لا تدرك إلا بالمثابرة وأخذ النفس بالشدة وزجرها عن الهوى الفني وغير الفني..
***
عدم
«الرومانتيكية» مغلقة، إلهامها من داخلها، وحيويتها تتغذى من نفسها، فهي في النهاية: ذات عدميَّة.
***
حبكة
قصيدة سنار ليست وثيقة ثقافية.. ليست مانيفستو. لا أدعو فيها إلى شيء، لا أخلق فيها شيئاً.. إنما اكتشف حبكة هي موجودة هنالك، أنها كشف تجلى، وليست خلقاً إلا بهذا المعنى.
عودة
حين أبحرنا إلى سنار عبر الليل. كانت شجرة التاريخ تهتز بريح قادم من جزر الموتى، وكان الكروان المرجاني يغني في غصون الشوك صوتاً كان غنّاه على شرفة ترهاقا قديماً وأنحدرنا خلف سور الغاب والصحراء كانت نبع خيل ها هي البوابة الأولى: أعدنا؟ كيف لا؟
***
حال
الشعر فقر، والفقر إشراق، والإشراق معرفة لا تُدرك إلا بين النطع والسيف.
***
رفقة
هنا أنا والموتُ جالسانْ في حَافة الزمانْ وبيننا المائدةُ الخضراءْ والنردُ والخَمرةُ والدُّخانْ، من مثلنا هذا المساءْ؟
***
هوية
العربي يعيش في الصحراء يتبع مساقط الغيث، ويستقرئ البرق والرياح، ويهزه احتفاء الأرض بالحياة المتفتحة فيها حين يصيبها المطر، ويروعه هرير السيل حين تضج به الوديان، ويجرف شجر الصحراء وحيوانها وجلاميدها ورسومها المهجورة قبل أن ينحسر فيرتعش الرمل بالزهر البري، يغمر الهواء بأريجه وتبتهج الطيور كأنها سكرى بتجدد الطبيعة وهياج الخصب.
***
معرفة
هل يجدي أن نعرف؟ لن يعشق أجملَ من في الغابة ويتوجه بالأسماء ويرثيه غير ملاكٍ من خارج هذي الأيام الصخابة!
***
عبث
أعتقد أننا جيل الشعراء الذي لم يقرح أجفانهم نقع الشعراء الذين زحموا الساحة في الخمسينيات والستينيات (القرن الماضي) وتعاضلوا وتعاركوا حول مفهوم «الحداثة» ومن أكثر حداثة؟ ومن أول من كتب شعراً حراً قبل صاحبته أو أخيه.. إلخ هذه السفاسف أقول إننا في مناخ أصفى ولا يهمنا كثيراً من كتب شعراً حراً (…) فإلصاق كلمة «حر» بالشعر ضرب من العبث والفوضى.
***
سقيا
إذا كان هناك ما يمكن أن يسمى رمزاً رئيسياً في تراث الشعر العربي القديم، فهو رمز الأرض الميتة تنتظر المطر، وإذا كانت هناك صورة متصلة للشاعر العربي القديم فهي صورته يستسقى الغمام.
***
أنا
هل أنا غير حصاة تتبلور فوق جمر الأغنية؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر : التجاني يوسف بشير: السفر الأول.. الآثار النثرية الكاملة1978* مجلة حوار – فبراير 1966 * مجلة البيان نوفمبر 1973 * مجلة مواقف سبتمبر 1971، وأبريل 1973 * مجلة الدوحة يوليو 1979 * مجلة شعر يونيو 1969 * مجلة الناقد سبتمبر 1988 * مجلة المعرفة / أكتوبر 1979
essamgaseem3@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم