د. أسامة خليفة- أكاديمي
نبعت فكرة هذا المقال من نقاش (إسفيري)، جمع نخبة من المهتمين بالشأن التربوي في السودان، حيث تبادل المشاركون الرؤى حول واقع المعلمين في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة التي تعصف بالبلاد، وما خلفته من نزوح داخلي ولجوء إلى دول الجوار، إلى جانب تداعيات اقتصادية خانقة أثقلت كاهل الأسرة السودانية ومؤسسات الدولة على حد سواء. وقد كان نقاشاً مثمراً، إذ طرحت فيه أفكار يمكن أن تشكل نقطة انطلاق حقيقية لمعالجة قضايا التعليم في زمن الأزمات، إن وجد من يتبناها.
تفاجأت حين اكتشفت أن أستاذنا البروفيسور أحمد جمعة صديق، الذي يُعتبر واحداً من أبرز الأكاديميين السودانيين المكرسين حياتهم لقضايا التعليم، قد سبقني إلى طرح فكرة متقاربة، مما يؤشر إلى وجود وعي أكاديمي ناضج بضرورة إعادة هندسة المنظومة التربوية في البلاد. التحية والتقدير للبروفيسور أحمد جمعة على إسهاماته النيرة في هذا المضمار.
بشكل عام، تواجه الأنظمة التعليمية في الدول النامية والإفريقية، ومن بينها السودان، تحديات بالغة التعقيد لا تقف عند حدود نقص التمويل الحكومي، بل تمتد إلى أزمات بنيوية واجتماعية أعمق، يأتي في مقدمتها تعطُّل العملية التعليمية بسبب النزاعات المسلحة والحروب التي تمثل العامل الرئيسي في النزوح واللجوء.
وبناءً على هذه الخلفية، يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري: هل يمكن الاستمرار في الرهان على الإنفاق الحكومي وحده لإنقاذ المؤسسة التعليمية في ظل النزاعات المسلحة والتوترات السياسية؟
بتتبُّع الواقع، نجد أن الميزانيات التي تخصصها الحكومة للتعليم في أحسن الظروف، ناهيك عن ظروف النزاعات، لا تكفي لسد احتياجات التعليم الأساسية وتهيئة البيئة التعليمية الملائمة، وفي أغلب الأحيان تكون عاجزة تماما عن تحمل أعباء التأسيس والصيانة والتطوير. وهو ما يفرض نمطاً وتحولاً عملياً وجذرياً في الفلسفة التربوية والاقتصادية التي تحكم إدارة قطاع التعليم في السودان. ومن هنا تنبع فكرة المدرسة المنتجة التي طرحها البروفيسور أحمد جمعة في سلسلة مقالاته المنشورة.
في هذا السياق، يجب الانتباه إلى أن “التعليم الحديث” في المجتمعات ذات الدخل المحدود لا يعني تبني أو استنساخ نماذج دول أخرى تتمتع بظروف اقتصادية مستقرة، خاصة تلك التي تنعم بقدر من الاستقرار السياسي والاقتصادي، بل هو التعليم المرن والمستدام المصمم وفق خصوصية البيئة المحلية، والقادر على توليد موارده الذاتية. وعليه، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من مفهوم “المدرسة المستهلكة” للدعم الحكومي إلى نموذج “المدرسة المنتجة والمستدامة ذاتياً” (Sustainable and Productive School)، التي لا تقتصر وظيفتها على التعليم فحسب، بل تمتد لتتحول إلى مركز تنموي يشع على المجتمع المحيط، يدعم طلابه ومعلميه، ويسهم في رفد الاقتصاد المحلي بقيمة مضافة، وذلك من خلال استثمار المساحات المدرسية المهدرة.
بإلقاء نظرة مجردة على المدارس الحكومية في الخرطوم والولايات، نلاحظ وجود مساحات شاسعة غير مستغلة، بعضها يتحول إلى مرتع للبؤر الصحية أو غيرها من مظاهر الإهمال. وترك هذه المساحات دون استثمار يمثل هدراً اقتصادياً كبيراً، في حين يمكن تحويلها إلى مصادر داعمة للبيئة التعليمية والكوادر البشرية، وذلك من خلال أفكار عملية ونوعية نستعرض أبرزها:
أولاً: المزارع المدرسية والإنتاج الحيواني الخفيف
يمكن تحويل المساحات الخلفية في المدارس إلى وحدات لإنتاج الخضروات والمحاصيل سريعة النمو، أو إقامة مناحل عسل ووحدات دواجن مصغرة، بالتعاون مع لجان الأحياء. هذه المشاريع لا تدر دخلاً فحسب، بل تتحول أيضاً إلى “مختبرات علمية” حية يكتسب فيها التلاميذ مهارات إنتاجية عبر التطبيق المباشر، مما يعزز الارتباط بين المعرفة النظرية والممارسة العملية.
ثانياً: تأجير الملاعب الرياضية
تمثل الملاعب المدرسية مورداً غير مستغل بالشكل الأمثل. فمن الممكن تجهيزها لاستقبال الأنشطة الرياضية بعد ساعات الدوام المدرسي، كالفترة المسائية، وعطل نهاية الأسبوع، والإجازات الصيفية، ليتم تأجيرها للفرق الرياضية المحلية أو الأندية، على أن تظل متاحة للطلاب خلال الفترة الصباحية.
ثالثاً: إنشاء محلات تجارية خدمية
يمكن تخصيص مساحات معزولة داخل المدرسة والتي تطل على الشوارع العامة لإقامة محلات تجارية صغيرة، كمكتبات لبيع الكتب والقرطاسية، أو مقاصف صحية، بحيث تلبي احتياجات الطلاب والمعلمين، وتدر عائداً يعود بالنفع على المدرسة.
غير أن نجاح واستدامة هذه الأفكار يظل مرهوناً بوجود نظام حوكمة صارم يضمن عدم انحراف المدرسة عن رسالتها التربوية الأساسية نحو الربحية المحضة. ويتطلب ذلك تفعيل نموذج “المجلس المدرسي المجتمعي” (School Community Board)، الذي يضم في عضويته إدارة المدرسة، وأولياء الأمور، ليكون مسؤولاً عن إدارة صندوق مالي مستقل يتمتع بأعلى معايير الشفافية والنزاهة.
كما ينبغي أن تُوجه العوائد المالية بشكل منضبط لخدمة العملية التعليمية حصراً، في المجالات التالية:
تطوير البيئة التعليمية: صيانة وتحسين الفصول الدراسية، والمرافق الأخرى داخل المدرسة، والمقاعد، وتوفير بيئة جاذبة للتعلم.
دعم الكادر التعليمي: توفير سلع غذائية مدعومة، وحوافز مادية ومكافآت مجزية للمعلمين، لضمان استقرارهم الوظيفي، والحد من الغياب، وتعزيز ولائهم المهني للمدرسة.
دعم التلاميذ المحتاجين: كفالة الوجبة المدرسية، وتوفير المستلزمات الدراسية والحقيبة المدرسية لأبناء الأسر محدودة الدخل، بما يحد من ظاهرة التسرب الدراسي.
ختاماً، نؤكد على أن إيجاد حلول عملية لتطوير التعليم في ظل الأزمات الراهنة لا ينبغي أن يكون مرهوناً بالدعم الحكومي التقليدي فحسب، بل علينا التفكير في بدائل عملية تقلل من آثار الأزمات السياسية وتساهم في ضمان استمرارية العملية التعليمية.
د. أسامة خليفة- أكاديمي
abuduaa74@yahoo.com
