مسيرة ختام يناير وخاتمة الحكم البغيض .. بقلم: د. جعفر عباس

 

*لا أعرف ولا أريد أن أعرف الشخصيات التي يتألف منها تجمع المهنيين الذي يقود انتفاضة ديسمبر الباسلة ولكن لهم مني فائق التقدير والاحترام، لأنهم تسلموا شعلة أكتوبر من جبهة الهيئات، وراية ابريل من التجمع النقابي، وقرروا طوعا خوض المخاطر ليضيئوا لشعبنا طريقا جديدا يخرجه من الغياهب الكالحة التي حشرتهم فيها عصابة يونيو 1989، ولكن بأساليب نضالية جديدة تنسجم وروح العصر*

وعدت مجددا فخورا بالانتماء الى جامعة الخرطوم التي اعتبرتها تلك العصابة منذ يومها الأول عدوها الأول ف”شلّعت” كل شيء فيها، وحرصت على وجه الخصوص على مسح داخليات البركس من ذاكرة الأجيال الجديدة، لأنها كانت بؤرة ثورة أكتوبر 1964، ولم يكن مستغربا أن يهدموا داخلية الدندر التي كان يقيم فيها شهيد أكتوبر الأول أحمد القرشي طه ابن قرية القراصة في النيل الأبيض
غمرتني سعادة عارمة وأنا أرى أساتذة جامعتي البواسل يعلنون تضامنهم مع شباب ثورة ديسمبر ويطالبون برحيل الكابوس الجاثم على النفوس لقرابة 30 سنة، وكم صفق قلبي لتلك الأستاذة الجامعية الشابة التي وقفت أمام الحشود في المبنى الرئيسي للجامعة وقالت: الآن أيها الطلاب الشباب، وبعد أن أشعلتم هذه الثورة أنتم الأساتذة ونحن الطلاب
كان الخميس خاتمة يناير مبشرا بختام عهد حكومة بمواطنيها باطشة ولثروات البلاد “لاطشة”، فقد شهدت العاصمة وحدها في ذلك اليوم الأغر أكثر من خمسين تظاهرة، وكم كان شارحا للصدر أن نرى سكان قرى صغيرة في مختلف أنحاء السودان تعلن انضمامها للمسيرة الظافرة الرافضة للخنوع والجوع والقهر والفقر
أزجيت التحية مرارا للمرأة السودانية، وصوتها يعلو فوق أصوات الرجال هتافا وزغاريدا، ولن أوفيها حقها مهما كتبت، لأن قاموس اللغة يبدو فقيرا أمام بسالتهن وجسارتهن، كما أنني أتمنى كل مرة لو استطيع أن أكون طائر صلاح أحمد إبراهيم ومحمد وردي المهاجر، لأطير بسراع وما أضيع زمن/ وأواصل الليل بالصباح/ تحت المطر وسط الرياح/ لأقول سلام على نيل بلادنا/ وشباب بلادنا. وأصافح كل يد مرفوعة “هاي فايف”، ثم أعرج على مستشفياتنا لأشد على أيدي أطباء بلادي الأماجد فردا فردا، فهم الذين ثبتوا على الدوام في خندق الشعب، ولما جاءت ساعة الحارة، خرجوا للساحات يضمدون الجراح ويستحثون الهمم، فلهم ترتفع والطواقي والطِرح والعمم احتراما
وخصصت الأطباء بالتحية دون سائر شرائح الشعب التي تساهم بالعرق والدم والفكر للإبقاء على نار الانتفاضة متأججة، لأن دورهم محسوس في الهبة الديسمبرية، ولأننا نحتاج إليهم في ساحات النزال وشبابنا يواجه الرصاص والغاز بعيون مفتوحة وصدور مكشوفة
على كل حال لا شكر لأحد على واجب، وياما هناك أشخاص رائعون يسهمون في الفعل الثوري بممارسات تبدو طريفة ولطيفة، في حين أن مرماها ومغزاها عميق: عندك العرسان الذين حولوا ليالي الزفاف الى فعل ثوري، وعندك ضاربات الدلوكة اللواتي نظمن شعارات الانتفاضة أغنيات حماسية خفيفة، وعندك الطفل الذي يهتف: التلدة ما بتتل بكتل ستات الزول، وتلك الصغيرة المسكينة التي هتفت: أي كوز نبوسو بوس فجعلت أمها تصرخ: تبري يا بت أمي/ وابن السنتين الذي صورته أمه وهو يبكي مطالبا بفتح باب الشارع: عاوز تطلع ليه يا ولد؟ … ماشي المزاهرة.
مع كل فجر جديد تتفتح زهرات الابداع التي خنقها الكيزان أعداء الفرح والجمال، الذين جعلوا حتى أفراحنا رهن تصديقات بوليسية، واعتقد أنه من واجب كل ثوري أن يرصد الاشراقات التي صاحبت انتفاضة ديسمبر بما في ذلك من طرائف ونكات ولو كانت مفبركة لأن غايتها توصيل رسائل إيجابية معينة (كتلك التي تقول إن شاب الكلاكلة حفروا المجاري العميقة في شوارع الحي لمنع مركبات الأمن من دخوله فصاح فيهم أحدهم: يا جماعة دي ما غزوة الخندق .. وما قيل عن ان شباب مايو في الحاج يوسف خرجوا الى الشوارع مسلحين بالسيخ والعصي فصاح فيهم رجل أمن مرعوب من مسافة آمنة: يا جماعة ما قلتو سلمية)
هذه نقلة مهمة في تاريخ السودان وشبابنا عازم على القضاء على آخر انقلاب عسكري في تاريخ الوطن، وليت بعض نشطاء الداخل ينشئون موقعا واحدا على النت لتوثيق كل ما يتصل بثورة الشباب الديسمبري بالتفصيل بمسمى “يوميات ثورة ديسمبر”، كما اقترح صديقي وزميلي الصحفي الأمين الرصين، فوزي بشرى، كي لا يتحول شهداؤنا إلى مجرد أرقام وكي يكتب التاريخ الجديد من يصنعونه

د.جعفر عباس

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً