معركةُ شيكان: تشريحٌ عسكريٌّ لإبادةِ حملةِ هكس باشا
قراءةٌ على منهج الرائد الطيّار عصمت حسن زلفو
د. الرشيد خليفة
مَن صاحبُ «شيكان»؟ ولا تخلطوه بأخيه
صاحبُ أرصنِ تحليلٍ عربيٍّ لمعركة شيكان ضابطٌ سودانيٌّ من سلاح الطيران برتبة رائد، اسمه عصمت حسن زلفو؛ لم يكن مؤرّخًا أكاديميًّا ولا أستاذَ تاريخٍ في جامعة، ومع ذلك ترك سِفرين متلازمين هما اليوم مرجعُ المعركتين الفاصلتين في تاريخ المهدية العسكري: «شيكان: تحليل عسكريّ لحملة الجنرال هكس» [2]، و«كرري: تحليل عسكريّ لمعركة أم درمان» [3].
وقبل الدخول في المعركة، يحسن رفعُ التباسٍ يقع فيه كثيرون: فعصمت زلفو غيرُ شقيقه الطيّار ايضاً ملازم أول عبد اللطيف زلفو. كان عبد اللطيف من روّاد الطيران السودانيّ الأوائل، قضى نحبه في تصادم طائرتين عند استعراض عسكري فوق سماء جوبا سنة 1957 في حادثةٍ ذهب فيها أربعة من روّاد السلاح دفعةً واحدة، حتى تناقلت الإذاعةُ المصرية والصحفُ الخبرَ بنبرةٍ استخفافيّةٍ قالت إنّ «السودان فقد نصف أسطوله الجوي» [1]. وتخليدًا لذكراه حمل أحدُ شوارع الخرطوم المعروفة اسم «شارع الطيّار زلفو» نسبةً إلى الأخِ الشهيد لا إلى المؤلّف. أمّا عصمت فبقي بعد أخيه ليصير مؤرّخَ المعركتين.
الضابطُ الذي قرأ المعركةَ بعين الأركان
سلاحُ زلفو الأوّل تكوينُه العسكريّ نفسه: فهو يقرأ المعركة كما يقرأ ضابطُ الأركان خريطةً، بالمسافة والتوقيت والتشكيل وخطوط الإمداد، لا كما يقرؤها الواعظُ الذي يكتفي بأنّ «الأرض ابتلعت جيش الغزاة». ولمّا عزم على تأليف «كرري» ابتعثته القيادةُ العامّة للقوّات المسلّحة إلى بريطانيا، فأمضى في دُور الوثائق البريطانية، أوراق الحربية وتقارير مخابرات الجنرال ونجت غير المنشورة، ما لم يُمضِه سودانيٌّ قبله، وعاد بترسانةٍ من الوثائق الأصلية قرأها في ضوء شهادات مَن بقي حيًّا من رجال الأنصار [3]. وهذا المنهج نفسه، وثيقةُ العدوّ تُقرأ في ضوء رواية أهل البلد، هو الذي طبّقه على شيكان.
مؤلَّفه الآخر ومناسبةُ التكليف
«كرري» (1973) هو الأشهر والأكمل من الكتابين [3]، وهو الذي فتح لزلفو باب الشهرة حتى تُرجم إلى الإنجليزية. وأمّا مناسبةُ تكليفه بالكتابة عن كرري فكانت، بحسب صفحات تقديم الكتاب، غير ممهورة، في سياق زيارةٍ تفقدية للرئيس الأسبق جعفر نميري لفرع التدريب عند الامتحان لدخول كلية الأركان حرب السودانية، حين أُثير سؤالٌ عن المعركة ولمست القيادةُ حاجةً إلى تحليلٍ عسكريٍّ سودانيٍّ رصينٍ يردّ الرواية إلى أهلها، فأُسنِدت المهمّة إلى زلفو.
لماذا كردفان؟
لم تكن كردفان إقليمًا هامشيًّا يسهل التفريط فيه، بل كانت جوهرةَ الغرب وأغنى مديريّاته: عاصمتُها الأبيّض «عروسُ الرمال» سوقٌ كبرى للصمغ العربيّ والتجارة، وملتقى دروبِ القوافل في قلب السودان الغربيّ، ومَعبرٌ إلى النيل ومنه إلى الخرطوم. ولذلك حسبت حكومةُ الخرطوم أنّ سقوط كردفان لا يعني خسارةَ إقليمٍ فحسب، بل فقدانَ مصدرِ دخلٍ رئيسٍ، وفتحَ الطريق إلى العاصمة، وإغراءَ بقيّةِ الأقاليم بالثورة [5][6].
أمّا هرمُ الحكم يومئذٍ فقد أُعيد تركيبه خصّيصًا لمواجهة المهدي: عزلت الحكومةُ المصرية، بضغطٍ بريطانيّ، الحكمدارَ عبد القادر باشا، وعيّنت مكانه علاء الدين باشا حكمدارًا لعموم السودان، وأرسلت نحو ثلاثة عشر ألفًا من فلول جيش عرابي، الذين أُطلقوا تواََ من السجون للخدمة في السودان، تحت قيادة رئيس الأركان الجنرال وليام هكس. فكان علاء الدين باشا، الحكمدار، نائبًا لقائد الحملة، وسار معها بنفسه حتى قُتل في شيكان [5][7]. وأمّا مديرُ كردفان نفسه فكان اللواء محمد سعيد باشا، الذي أحكم تحصين الأبيّض وصدّ هجوم المهدي الكبير عليها في سبتمبر 1882، ثمّ لم يُسلِّمها إلّا بعد حصارٍ خانقٍ وجوعٍ قاتل في يناير 1883.
وتبريرُ المدير، حسب المستقر في الروايات، للتشبّث بالإقليم كان في جوهره تبريرًا استراتيجيًّا لا عاطفيًّا: أنّ كردفان مفتاحُ السودان النيليّ، وأنّ تركها للمهدي يعني تسليمَه أغنى الأقاليم وأقربَ الطرق إلى الخرطوم، فضلًا عمّا في تسليمها من ضربةٍ لهيبة الدولة تُغري الجميع بالانفضاض. ولهذا دافع محمد سعيد عن الأبيّض حتى آخر رمق، ولهذا نفسه أصرّت الخرطوم بعد سقوط الأبيض على إرسال هكس لاستعادتها، فكانت شيكان.
القبائلُ السودانية وولاؤها للمهدي
لم تكن ثورةُ المهدي جيشًا نظاميًّا، بل تحالفَ قبائلَ التفّ حول دعوةٍ دينيّةٍ صاعدة. وكان عمودُها الفقريّ في هذه المرحلة قبائلَ الغرب، البقارة، وعلى رأسهم التعايشة قبيلةُ الخليفة عبد الله، إلى جانب قبائل كردفان التي بايعت المهدي أفواجًا (كالجوامعة وغيرهم)، وقبائل النيل الأبيض، ثمّ انضمّ أعيانُ كردفان وكبارُ تجّارها ووجهائها، كإلياس باشا أم برير، بعد أن مالت كفّةُ المهدي [5][7]. وكان ولاؤهم للإمام محمد أحمد ولاءً عقديًّا في المقام الأوّل: رأوا فيه المهديَّ المنتظَر لا مجرّد زعيمٍ سياسيّ، فقاتلوا قتالَ المؤمن المحتسِب لا قتالَ المجنَّد المُساق.
وهنا مكمنُ التفوّق المعنويّ الذي رصده المؤرّخون: جيشٌ يقاتل عن عقيدةٍ ونصرٍ متلاحق، في مواجهة جيشٍ مصريٍّ سِيقَ إلى كردفان بالسلاسل، مثقلٍ بضبّاطٍ أجانب، ولا يثق بجنده ولا جندُه يثقون به. غير أنّ زلفو وأمثاله يحذّرون من رومانسيّةٍ تُسقِط هذا الولاء على كلّ مراحل الثورة المهدية بالتساوي؛ فالقبائل التي حملت الثورةَ حتى سقوط الخرطوم ليست بالضرورة هي التي استأثرت بالنفوذ في دولة الخليفة عبد الله بعد 1885، وتلك قصّةٌ أخرى.
ترتيبُ الرايات وأمرائها يوم شيكان
نظّم المهديُّ جموعَه على رايةٍ عليا للإمامة تظلّل الجميع، وتحتها ثلاثُ راياتٍ رئيسةٍ وُزِّعت على الأقاليم: الرايةُ الزرقاء لأهل الغرب (قاعدة البقارة)، والرايةُ الخضراء لقبائل النيل الأبيض، والرايةُ الحمراء لقبائل شمال السودان وأهل الجزيرة، وقد قادها يوم شيكان الأميرُ عبد الرحمن ود النجومي، فسدّت منفذًا ضيّقًا بجوار الغابة. أمّا رأسُ الحربة الخفيّ فكان قوّةَ الكمين بقيادة الأمير حمدان أبو عنجة، التي كمنت تحت شجر الغابة حتى إذا دفع هكس طلائعَ استكشافه نحوها أبادتها عند الشجرة الشهيرة، ثمّ انطبقت الرايات الثلاث على مربّعات هكس الثلاثة انطباقَ الكمّاشة [5][6]. وقد رتّبنا الرايات بالألوان والأقاليم كما استقرّ في المصادر، على أنّ كشوفات «أيُّ أميرٍ على أيّ راية» تتفاوت قليلًا بين المصادر، فمن أراد التدقيق فليُقابِل بين نصوصها.
استراتيجيّةُ المهدي، هل قاد بنفسه؟ وهل كانت له راية؟
استراتيجيّةُ المهدي في شيكان تلخّصها ثلاثُ كلمات: الاستدراج، والاستنزاف، والإحاطة. رفض القائد محمد أحمد المهدي أن يقاتل الجنرال هكس في العراء على شروط هكس، فجرّه إلى غابةٍ يختارها هو، بعد أن أنهكه في الطريق بحرب المياه والاشتباكات الخاطفة، ثمّ أطبق عليه من كلّ جهة. وقد أدار المهديُّ المعركة إدارةً كاملة — صلّى بالناس، وحرّض، ووزّع الأمراء على مواقعهم، وأعطى إشارةَ الهجوم — لكنّه لم ينزل مقاتلًا في الصفّ الأمامي؛ فتلك مهمّةُ الأمراء و«أمراء الأمراء» الذين يتقدّمون للموت نيابةً. وكانت له رايتُه العليا، رايةُ الإمامة، رمزًا للقيادة الجامعة، بينما تولّى الخلفاءُ والأمراءُ الرايات الميدانيّة الثلاث. وهذا التوزيع بالذات، عقلٌ يخطّط في المركز وأذرعٌ تنفّذ في الأطراف، هو ما أعجب زلفو ووصفه بأنّه فنُّ حربٍ مكتمل.
المسرحُ والقوّة، جيشٌ يجرُّ خرابَه خلفه
في خريف 1883 خرجت حملةُ العقيد وليام هكس (هكس باشا) من الدُّويم على النيل الأبيض متّجهةً غربًا نحو الأبيّض [4]. وقبل عدّ رجالها ومدافعها، ينبغي فهمُ معدنِ عمودها الفقريّ؛ فقد كان جلُّ مشاتها من «فلول جيش عرابي»: أي بقايا الجيش المصريّ الذي قاد به أحمد عرابي الثورةَ العرابيّة (1879–1882) على الخديوي توفيق والنفوذ الأوروبيّ، فسحقتها بريطانيا في التلّ الكبير سنة 1882 واحتلّت مصر، وتفكّك الجيشُ وسُجن كثيرٌ من رجاله. أرادت الحكومةُ الخديويّة أن تتخلّص من هؤلاء الذين لا تثق بهم، فأطلقتهم من سجونهم ونفَتهم عمليًّا إلى حرب السودان تحت إمرة ضبّاطٍ أوروبيّين غرباء — جنودٌ مهزومون مُكرَهون لا رغبةَ لهم في القتال [5]. وهذا بعينه معنى قولنا إنّهم «سِيقوا بالسلاسل»، وهو العلّةُ التي لا تُصلحها كثرةُ العتاد، وبها استحقّ الجيشُ وصفَ تشرشل له بأنّه من أسوأ الجيوش التي زحفت إلى حربٍ قطّ [8].
أمّا تكوينُ الحملة بالتفصيل، وإن تفاوتت الأرقامُ قليلًا بين المصادر، فكان على هذا النحو: قيادةٌ عليا للعقيد هكس قائدًا عامًّا، ومعه الحكمدار علاء الدين صديق باشا نائبًا للقائد والسلطةَ المدنيّة العليا؛ ونحو ثلاثة عشر أوروبيًّا بين ضبّاطٍ ومراسلين، منهم المراسل إدموند أودونوفان (ديلي نيوز) والرسّام فرانك فيزتلي (إلستريتد لندن نيوز)، ونجا مراسلُ التايمز فرانك باور وحده لأنّه أُعيد مريضًا بالزحار، وهو من أمراض المعدة المعدية وشائع وسط الجيوش العطشى لقلة النظافة، في اليوم الثالث. وأمّا القوّةُ المقاتلة فبين سبعة آلافٍ وثمانيةِ آلافٍ وثلاثِمئةٍ من المشاة النظاميين المصريين (جلُّهم فلول عرابي) مسلَّحين بالبنادق، منظَّمين في آلاياتٍ (أفواج) — مثالُها الآلاي الثالث بنحو ألفين وستّمئة جنديٍّ بقيادة إبراهيم حيدر بك الذي قُتل في شيكان؛ يعضدهم نحو ألفٍ من خيّالة الباشبوزق غير النظاميّة (وبعضُ المصادر يرفعهم إلى ألفين)، ونحو مئةٍ من غير النظاميين القبليّين — وهم عربان موالون أُلحقوا بالرتل أدلاء وكشّافة وخيّالة مساعدة، خدموا للأجروبدافع التنافس القبلي ومصلحة وجهائهم المرتبطين ببقاء الدولة، لا حباََ في الحكم التركي-المصري ولا كراهية دينية خالصة لدعوة المهدي. وتسند هؤلاء مدفعيّةٌ بين أربعةَ عشرَ وستّةَ عشرَ مدفعًا من طراز كروب (جبليّةً وميدانية)، وستّةُ رشّاشات نوردنفلت. ووراء الجيش كلِّه قطارُ إمدادٍ هائلٌ من خمسةِ آلافٍ إلى ستّةِ آلاف جملٍ ودابّة، يحمل مؤَنًا تكفي خمسين يومًا، يرافقه نحو ألفَي تابعٍ من تبّاع المعسكر [4][5]. فالإجمالي زهاءُ عشرة آلاف مقاتل، خرجوا من الخرطوم في التاسع من سبتمبر 1883، وتركوا النيلَ عند الدُّويم في العاشر، وساروا نحو مئتَي ميلٍ في العطش.
لكنّ هذا «الثِّقل» بالذات كان مقتلَ الحملة: جيشٌ نظاميٌّ يمشي مثقلًا بعتاده وقطارِ جماله عبر فيافي كردفان شبه الخالية من الماء، عمودُه الفقريُّ رجالٌ مهزومون لا قلبَ لهم في المعركة، بقيادةٍ مزدوجةٍ متنازعةٍ بين هكس والحكمدار علاء الدين باشا، وبأدلّاءَ لا يُؤمَن جانبُهم. لقد كان الجيش يحمل هزيمتَه في حقائب إمداده قبل أن يرى عدوًّا.
المعركةُ التي رُبِحت قبل إطلاق رصاصة
هنا الدرسُ الأوّل عند زلفو: أنّ شيكان حُسِمت على خطّ المسير لا في ساحة الوغى. فرتل الجيش (Marching Column ) ، هو الجيش في حركة المسير أي في طابور طويل من الجنود والدواب والعتاد والإمداد يتحرك متتابعاََ في الطريق. أما المربع فهو تشكيل الجيش في وضع القتال الدفاعي المغلق. فبينما كان الأمير أبو قرجه يلاحق مؤخّرةَ الحملة باشتباكاتٍ خاطفةٍ تُنهِك ولا تُقرِّر، كان السلاح الأمضى هو الماء — أو انعدامه. ردمَ الأنصارُ الآبار وسيطروا على موارد المياه في طريق الحملة، حتى اضطرّوها إلى تغيير مسارها والانحراف صوب أرضٍ لا تريدها [2]. كان المهديُّ يصوغُ أرضَ المعركة، ويختار توقيتَها، ويستنزف خصمَه معنويًّا وبدنيًّا قبل أن يشتبك؛ فوصل جيشُ هكس إلى شيكان منهكًا ظمآنَ خائرَ العزيمة، يلقي في الطريق أحمالَه ودوابَّه النافقة. وهذا هو «الخيال العسكريّ» الذي أعجب زلفو: إدارةُ المعركة بالجغرافيا والمناخ واللوجستيّات، لا بالبنادق وحدها.
الأدلّاءُ والغابةُ، الفخُّ يُطبَق
ثمّ جاء دورُ الخديعة والأرض. فقد قاد الأدلّاءُ، بين خيانةٍ وظمأٍ وارتباك، رتلَ هكس إلى غابة شيكان الكثيفة بمنطقة كازقيل (كشقيل)، نحو 52 كيلومترً، قرابةَ اثنين وثلاثين ميلًا، جنوبيَّ الأبيّض، حيث تتشابك أشجارُ الكِتر والشوك في سترٍ مثاليٍّ للكمين [4]. دخل الجيشُ الغابةَ في تشكيل المربّعات القتاليّة — ثلاثةِ مربّعاتٍ يتقدّمها مربّعُ المقدّمة ويحمي الآخران قطارَ الإمداد — وهو المربّعُ التقليديُّ الذي يجعل نيرانَ المشاة النظاميّة جدارًا لا يُخترَق في العراء. لكنّ الغابة مزّقت التشكيل ومنعت الوحدات من حفظ نظامها، فتحوّلت الميزةُ إلى مقتلة، وصار الجدارُ الناريُّ ركامًا من رجالٍ محشورين بين الأشجار.
الإحاطةُ الدائريّة والإبادة
عند الضحى من الخامس من نوفمبر 1883 انقضّ نحو أربعين ألفًا من الأنصار من مكامنهم في وقتٍ واحد، محيطين بالرَّتل من كلّ جهةٍ في إحاطةٍ دائريّةٍ من اتّجاهين — وهو التكتيك الذي أبدى المؤرّخون العسكريّون الغربيّون إعجابهم به رغم أنّ أصحابه لم يتلقَّوا تدريبًا نظاميًّا. انهارت المربّعاتُ الواحد تلو الآخر، وأخذت النيرانُ المصريّة تحصد أصحابها في التلاحم أكثر مما تحصد عدوّها، وفي زمنٍ وجيزٍ أُبيد جيشٌ كاملٌ بعتاده ورجاله. لم ينجُ منه إلا بضع مئات، وسقط هكس في آخر مَن سقط — تروي الذاكرة الشعبية أنّه لقي حتفه عند شجرة تبلديٍّ وهو يقاتل بمسدّسه إلى آخر طلقة. أمّا خسائرُ الأنصار فكانت زهيدةً بمقاييس النصر الساحق (نحو مئتَي شهيد)، وغنموا ترسانةً حديثةً كاملةً صارت عتادَ الثورة.
والخلاصةُ العسكريّة التي يصرّ عليها زلفو بسيطةٌ وقاسية: النارُ الحديثة لا تساوي شيئًا بلا مكانٍ وزمنٍ لاستعمالها؛ فإذا حُرِمَ الجيشُ النظاميُّ المسافةَ والرؤيةَ والتشكيل، صارت بندقيّتُه هراوةً ومدفعُه حديدةً ثقيلة. لقد جمع المهديُّ العددَ الغالب في النقطة الحاسمة، على أرضٍ من اختياره، في لحظةٍ من توقيته — وهذا هو تعريفُ فنّ الحرب.
تداعياتُ المعركة في الأمد القصير
لم تكن شيكان نصراََ موضعياََ، بل زلزالاََ. ففي أسابيعَ قليلةٍ تبدّل موقفُ السودان كلّه: أُبيدت أكبرُ حملةٍ أرسلتها مصر، ولم يبقَ لها في السودان قوّةٌ نظاميّةٌ تُذكَر؛ وانتقلت إلى المهديّ ترسانةٌ حديثةٌ كاملةٌ من البنادق والمدافع والذخائر حوّلت أنصارَه من حملةِ سيوفٍ ورماحٍ إلى جيشٍ ناريّ؛ وارتفعت هيبتُه ارتفاعًا هائلًا حتى غدا انتصارُه في نظر أتباعه برهانًا قاطعًا على مهدويّته، وتقاطرت إليه الوفودُ من الحجاز والهند وتونس والمغرب [5]. وفي الشرق اشتعلت جبهةُ عثمان دقنة على ساحل البحر الأحمر يحاصر حاميات سنكات وطوكر ويهدّد سواكن، فتشتّتت جهودُ الحكومة. أمّا في لندن فقد أحدث الخبرُ صدمةً سياسيّةً كبرى دفعت بريطانيا إلى مراجعة وجودها في السودان من أساسه.
ما دوّنه المؤرّخون والساسةُ من الضفّتين
سُجِّلت شيكان في ذاكرة الطرفين بعباراتٍ لا تُنسى. ففي مجلس العموم البريطانيّ قال اللورد إدموند فيتزموريس، وقد صعقت بريطانيا هولُ الكارثة، إنّ العالم لم يشهد فناءً كاملًا لجيشٍ كهذا منذ أن أغرق البحرُ الأحمر جندَ فرعون [9]. وكان ونستون تشرشل أقسى في «حرب النهر»، إذ وصف قوّةَ هكس بأنّها من أسوأ الجيوش التي زحفت إلى حربٍ قطّ [8]، وهو الحكمُ نفسه الذي همس به هكس عن جنده في برقيّاته الخاصّة، كما تكشف رسائله التي نشرها الأرشيف البريطاني [4]. ونقلت الصحافةُ البريطانية المعاصرةُ مطلعَ 1884 روايةَ أحد الناجين من أسرى هكس عن مسيرةٍ متواصلةٍ في العطش انتهت بهجومٍ ماحق.
وعلى الضفّة السودانية دوّن المؤرّخون الأوائل تفاصيلها بعينِ أهلها: نعوم شقير في «تاريخ السودان» [6]، وعبد المحمود أبو شامة في «من أبا إلى تسلهاي» الذي فصّل الهرمَ القياديّ للحملة وحربَها الدعائيّة [7]، ثمّ جاء زلفو ليعيد تركيبَ المعركة عسكريًّا بالمسافة والتوقيت. وبين الروايتين، رواية المنتصر ورواية المهزوم، تكتمل صورةُ يومٍ واحدٍ غيّر مجرى تاريخ السودان.
شيكان والطريقُ إلى الخرطوم في أقلّ من عامين
خيطٌ واحدٌ يربط غابةَ شيكان بأسوار الخرطوم. فإبادةُ حملة هكس دمّرت القوّةَ العسكرية المصرية في السودان دفعةً واحدة، وأقنعت الحكومةَ البريطانية بأنّ الإقليم غيرُ قابلٍ للدفاع، فتبنّت سياسةَ الإخلاء، وأرسلت الجنرال غردون إلى الخرطوم (وصلها في فبراير 1884) لينظّم انسحابَ الحاميات المصرية. لكنّ المهديّ، وقد صار سيّدَ الموقف بعد شيكان، أطبق على العاصمة حصارًا محكمًا امتدّ شهورًا، حتى سقطت الخرطوم في السادس والعشرين من يناير 1885 وقُتل غردون على سلالم سرايته. أي إنّ ما بين إبادة جيش هكس وسقوط الخرطوم لم يتجاوز خمسةَ عشرَ شهرًا — أقلَّ من عامين. لم تكن شيكان إذًا مجرّد معركةٍ رابحة، بل كانت الشرارةَ التي أشعلت سلسلةً انتهت بأعظم انتصارات المهديّة على الإطلاق: تحريرَ الخرطوم وإنهاءَ الحكم التركيّ-المصريّ في السودان.
خلاصة
تبقى شيكان، في تحليل زلفو، مثالًا نموذجيًّا على أنّ العبقريّة العسكرية ليست في كثرة السلاح، بل في مطابقته للأرض والزمن والعدوّ. جيشٌ حديثُ العتاد أُبيد بلا رصاصةٍ تكاد تُذكَر، لأنّه سِيقَ إلى مكانٍ يلغي عتادَه، في زمنٍ اختاره خصمُه، على يد قائدٍ صاغ المعركةَ قبل أن تبدأ. ومن أراد أن يفهم كيف «ابتلعت الأرضُ» جيشًا كاملًا في ضحى يومٍ واحد، فليقرأها كما قرأها زلفو: لا كرامةً بلا فاعل، بل أرضًا ومدىً وماءً وقرارًا.
المراجع
[1] شوقي بدري، «أمهاتنا فرساننا»، صحيفة سودانايل الإلكترونية، 2014 (يوثّق أخوّة عصمت للطيّار عبد اللطيف زلفو وحادثة تصادم الطائرتين 1957).
[2] عصمت حسن زلفو، شيكان: تحليل عسكريّ لحملة الجنرال هكس، كرري للطباعة والنشر، السودان، 1984.
[3] عصمت حسن زلفو، كرري: تحليل عسكريّ لمعركة أم درمان، جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1973.
[4] M. W. Daly (ed.), The Road to Shaykan: Letters of General William Hicks Pasha, Centre for Middle Eastern and Islamic Studies, University of Durham, 1983.
[5] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898, Clarendon Press, Oxford, 1958.
[6] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، دار الجيل، بيروت، 1981.
[7] عبد المحمود أبو شامة، من أبا إلى تسلهاي: حروب حياة المهدي (تقديم: د. الحبر نور الدائم)، المطبعة العسكرية، الخرطوم، ١٩٨٧.
[8] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, Longmans, Green & Co., London, 1899.
[9] Hansard, House of Commons Debates — remarks of Lord Edmond Fitzmaurice on the Hicks expedition, 1883–1884.
rkhalifa747@gmail.com
