مـبـادرة من أجـل فولكر بيـرتـس .. بقلـم: عمـر العمر


إذا دعا الأمين العام للأمم المتحدة نفسه إلى شرعنة إنقلاب البرهان فمن المنطقي توقع سعي ممثل رئيس المنظمة الدولية في السودان من أجل خدمة توجهات من يمثله. لذلك لا تتطلب المسألة حصافة فاحصة لكشف مآلات أونهايات مسعى فولكربيرتس. فرأس الدبلوماسية العالمية طلب من السودانيين قبول الإنقلاب أمرا واقعاً قبل الذهاب إلى إنتخابات مبكرة. ذلك موقفٌ ينتهك علناً قرار مجلس الأمن الدولي المرقوم 2524 المكرّس في خدمة إنجاز التحول الديمقراطي في السودان. كما هويصادم تماماً إرادة غالبية الشعب.

*** *** ***
بما أن الممثل الأممي أكد أفتقاره إلى مشروع يضعه على طاولة البحث إنما يرغب فقط في سماع آراء الفرقاء السودانيين فإن هذه الخطوة تذهب فقط في سياق محاولات الإنقلابيين المحمومة بالغاز والنار من أجل تبريد توقّد الثورة إن لم تنجح في قمع الثوار تلك خطوة أولية على درب تفريغ زخم الثورة من مضامينه الوطنية .
فما الجديد في ما يزعم هذا الممثل الأممي؟ أراء كل الفرقاء في الشان العام الراهن معلنة في وضوحٍ لا لبس فيه جميعها بلغت مسامع كل عواصم صنع القرار وأروقة الدبلوماسية والصحافة الدولية. فهل يود بيرتس سماعها ملحّنة!
غالبية المسارعين إلى قبول طرح الموفد الدولي حتى قبل توضيحاته الصحافية هم من يستهدفون تبريد الشارع الملتهب بحنجر الشباب ودمائهم الذكية وأرواحهم الصاعدة. ربما لا يعلم عديد من المتابعين عن رسائل من العسكر إلى قليل من الفاعلين السياسيين يلتمسون منهم بذل جهد لدى بؤر المقاومة الشبابية بغية تسكين التظاهر إبان فترة التشاور غير المؤطرة زمانيا!
*** *** ***

لمّا ليس في جعبة بيرتس جديدا فهاهي فكرةٌ هي حتماً أهدى من طرح الممثل الأممي. نعم الحوار أقصر الطرق إلى الإستقرار المنشود لكن لن تنتهي مشورات بيرتس مع الفرقاء لما يفضي إلى بلوغ تلك الغاية النبيلة فالأكثر نفعا من إهدار الوقت وأزهاق الأرواح خروج جميع الساسة الجوالين إبان الفترة الفائتة من المرحلة الإنتقالية من على خشبة المشهد السياسي .ذلك ليس عقاباً بل موقفٌ يفصح عن جرأتهم على تحمل المسؤولية التاريخية تجاه الفشل الفاضح فيما يرتبط برهانات الجماهير على لحظة التغيير الثوري أو تحميلهم تلك المسؤولية.. المعني بهذا الخروج كل السياسيين المساهمين في اخفاق تحقيق غايات اثورة رغم وضوح بيانانها وجلاء وهجها. تلك خطايا يتحمل وزرها كل من ساهم في عملية التفاوض، أوشغل منصباً أو تحمل مسؤلية تفويض أو تكليف في موقع رسمي أو شعبي خلال الفترة المنقضية من المرحلة الإنتقالية. كلهم يتحملون أعباء التعثر والإرتباك والقعود الفاضح أزاء ثورة شعبية سخية البذل والفداء. كلهم لم يدركوا حكمة نهرو عندما قال الثورة تمشي بقدم طولها فرسخ
*** *** ***

كل هؤلاء المحبطون لا يملكون من الرؤى ما يؤهلهم للمساهمة بطروحات أو أفكارمن شأنها تفكيك عقد الأزمة. لذلك يصبح خروجهم الجماعي أقصر الطرق وأغزر المساهمات في سياق البحث عن المخارج العاجلة المشرّفة من تلاقيف الإرتباك الخانق. نجاح الموفد الأممي الباهر – إن كان له من ذلك نصيب – يتجسد في إيجاد مخرج عاجل آمن من المشهد السياسي أمام الجنرالات أصحاب الباعات والسكاكين الطويلة في تخليق الأزمات الراهنة. هذه أولوية ،النجاح فيها بحجم مبنى المنظمة الدولية في نيويورك.
*** *** ***

وحدهم شباب المقاومة البواسل يحتكرون حق البقاء المطلق على خشبة المسرح من اجل التفاكر في شأن صياغة المستقبل المرتجى للثورة والشعب والوطن.
هؤلاء هم أصحاب القضية الجوهرية في حركة التقدم . هم جنود الثورة الديمقراطية. هم يسقون شجرة الأمل الوارف في وطن خصب بدمائهم وعطشهم .حتما من يملك تلك القوة ، الحماسة والإرادة على كتابة هذه الملحمة مثيرة الإفتنان على صعيد المعمورة بأسرها يملك حقاً من الوعي ما يفرض به خياراته النيّرة المستقبلية لوطن الحرية والسلام والعدالة. هذا شباب عابر للولاءات الضيقة والرؤى الذاتية قصيرة المدى والعمر، يسمو فوق المساومات على المبادئ والمصالح الوطنية العليا. هذا توصيف مشفوع بديمومة النضال الشرس المطرز بالمهج في وجه آليات القمع المتوحش بلا وازع وطني أو ضمير إنساني.
*** *** ***

إذا أرادت الأمم المتحدة كتابة فصل مشرق في تاريخها عبر السودان فليستمع موفدها فقط إلى قيادات حركة الشارع الملتهب. حتى لا تكون المسألة منطلقة من رؤية” حرب الأجيال” فلا أحد يدين كل الأجيال المساهمة في حركة النضال الجماهيري العريض مثلما لا يقلل من دور الشباب الفاعل فيها. هناك العديد ممن تتفاوت أعمارهم يساهمون بقدر جزيل في إذكاء وهج الثورة . هناك مثلهم يقدحون أذهانهم على درب نشر الوعي. هناك كذلك فئة يتسم بذلهم بالتجرد إلا من الإنتماء لحركة البناء والتقدم. فما من أحدٍ ينكر لمثل أؤلئك بذلهم أوحقوقهم . كما في تحويل القضية إلى رفع شأن جيل على جيل زرع الغام على قارعة الوطن. فالشباب مرحلة بيولوجية ذات سمات مميزه لكنها ليست دائمة.من ثم فمن غير المنطقي منح شباب الثورة امتيازات لاتمنحهم إيها سنن الحياة وطبيعة البشر.
*** *** ***
مع ذلك فشباب الثورة هم أحق من غيرهم بالبت في رسم صور المستقبل . وهم أقدر من غيرهم في تشكيل بناء المخارج العاجلة والآمنة من أتون المعترك الراهن .من مصلحة الساسة الجوالين على خشبة السرح تفويض شباب الثورة بحق إنتقاء من يرونه جديراً في البقاء في لجة الأضواء والأحداث ممن أثبتوا في المرحلة المرتبكة المنقضية قدراتهم على الثبات والحفاظ على قيم الثورة والشعب وساهموا في إبقاء جذوة الوعي والثورة. هذه مسألة بالغة الجوهرية بغية إفساح المجال أمام تفاعل الأجيال وإضفاء الخبرة على الجرأة. ذلك الإستحقاق لا يمنعنا من مساءلة الأجيال السابقة عن خلو سجلهم من روح العمل الجماعي غلى سكة البناء الوطني. ذلك كتاب ينطق بكثير من اللغو في شأن الإستعانة بالإئمة والسماء على بعضهم البعض بغية الإستفراد بالسلطة أو الثروة أو الإثنتين معاً. شباب الثورة يتميزون على سابقيهم بعدم تكريس طاقاتهم للإقتال فيما بينهم اوبالإنشغال بالماضي إنما يكرسون جهودهم من أجل بناء الغد الجميل.

aloomar@gmail.com
/////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات