مليونية 30 ديسمبر: التحدي وتجاوز القمع  .. بقلم: تاج السر عثمان  


1
    انطلقت مليونية 30 ديسمبر هادرة في العاصمة ومدن السودان ، رغم إغلاق الجسور بالحاويات وقطع الانترنت والاتصالات ، وإغلاق شارع المطار وشارع النيل والمك نمر ، وحملات الاعتقالات الواسعة الاستباقية قبل وبعد الموكب ، والقمع الوحشي بالبمبان والرصاص المطاطي و الحي ” كما حدث في مواكب ام درمان. الخ”، ومدافع الدوشكا ، والقنابل الصوتية ، واقتحام البيوت واعتقال المتظاهرين وضربها بالبمبان ، ورش الثوار بالماء الزرقاء ” ماء الظربون الضار بالصحة” واقتحام المساجد و ضرب من بداخلها مما أدي لحرقها ” كما حدث في مسجد ابوبكر الصديق” ، ومنع الاسعافات من نقل المصابين للمستشفيات ، مما أدي لاصابات واستشهاد أكثر من 3 أشخاص من أم درمان حتى كتابة هذه السطور، اضافة للاعتقالات الواسعة وضرب المعتقلين وتعذيبهم.
 رغم ذلك فقد كسر الثوار حاجز الطوق الأمني  في صمود وبسالة ،واقتربوا من القصر للمرة الثالثة، مما يعني أن الاغلاق بالحاويات لا معني له ، غير تعطيل الحركة وهلع الانقلابيين من سقوطهم الذي اصبح وشيكا، مع دخول شهر يناير وجداول التصعيد المعلنة حتى نهايته ، ومع ذكري استقلال السودان بتحقيق السيادة الوطنية وتحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي الذي تمثله قوات الدعم السريع قوات البرهان وجيوش حركات سلام جوبا ومليشيات المؤتمر الوطني ، التي تنهب ثروات البلاد ، وتصدر المرتزقة لحرب اليمن، وتوسيع المقاومة للانقلاب الدموي ، ورفض التبعية للمحاور الاقليمية والعالمية بهدف نهب ثروات السودان، وإقامة القواعد العسكرية علي ميناء بورتسودان.
 جاءت المواكب هادرة  التي شملت علي سبيل المثال لا الحصر : الخرطوم ، الأبيض ، الدمازين، بورتسودان ، كسلا ، القضارف ، سنار ،مدني ، الدويم ، كوستي ، الضعين ، ميالا ، زالنجي ، الفاشر ، الجنينة ، ، البرقيق، رفاعة ، المناقل ، النهود ، عطبرة ، حلفا الجديدة، . الخ، وكانت مواكب الأقاليم حاشدة لا تقل عن مواكب ولاية الخرطوم، أكدت تلك المواكب أن شعب السودان لن يُحكم بواسطة قوات مليشيات الاحتلال الأجنبي ، كما في الشعار ” يابرهان ثكناتك أولي ، ما في مليشيا بتحكم دولة ” ، ” لن تحكمونا”.
2
    كما جاءت مليونية 30 ديسمبر تحديا صارخا وغاضبا لاجراءات الانقلاب الدموي لأمر الطوارئ الذي اصدره البرهان رقم(3) الذي أعاد سلطات القبض ، ومنح القوات النظامية التفتيش والرقابة علي المنشآت ، والحجز علي الأموال وغيره ، حظر وتنظيم حركة الأشخاص لجهاز المخابرات الوطني ، وتمتع القوات بالحصانة، هذا فضلا عن حملة الاعتقالات الواسعة التي قامت بها قوات الانقلاب في العاصمة والأقاليم لقيادات لجان المقاومة ونشطاء المعارضة ” كما في أمبدة، الحاج يوسف ، وجبرة . الخ”، وجرائم الاغتصاب ، واعتقال وتعذيب الأطفال ” مثل الطفل مصطفي جودت” والتي وجدت استنكارا واسعا محليا وعالميا مع المطالبة بمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم ضد الانسانية والحرب، اضافة لاستنكار القمع الوحشي للمواكب السلمية ، مما أدي لاستشهاد (48) شخص ، واصابة أكثر من 600 شخص ، اضافة لحملة الاعتقالات الواسعة، وحلاقة رؤوس الشباب في عملية ضد الانسانية ، والتعذيب الوحشي لهم كما اوضحت الصور والفبديوهات، ورش المتظاهرين بمياه ” الظربون” الضار بالصحة والبيئة، واستخدام قنابل القرنيت ، الاعتداء علي الأطباء ، ومنع علاج المصابين واقتحام المستشفيات، وقطع الانترنت والاتصالات لحجب تلك الجرائم ضد الانسانية ، واغلاق الكباري بالحاويات ، التي عكست هلعا كبيرا وسط الانقلاب ، اضافة لحملات النضليل والأكاذيب  للتعتيم علي تلك الجرائم ، التي تستوجب تقديم قادة الانقلاب والمشاركين معهم للمحكمة الجنائية الدولية ، اضافة لجرائم مجزرة فض اعتصام القيادة العامة وغيرها ، وجرائم الابادة الجماعية في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ، وتسليم البشير ومن معه للمحكمة الجنائية الدولية..
   جاءت المليونية في ظروف تفاقمت فيها الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ، وارتفاع الأسعار بعد الزيادات في أسعار الوقود ، وإغلاق الميناء الذي زاد من تكاليف النقل ، وأدي لارتفاع الأسعار ، وتضرر الصناعة منه، اضافة لفقدان سمعة الميناء، وتحول أغلب أعمال التجارة عن طريق مصر، وتوقف المساعدات والمنح مما يعني المزيد من الضرائب وارتفاع اسعار السلع ،  وشح وندرة الدقيق ، اضافة لما رشح حول رفع الدعم عن الدقيق والكهرباء.
  كما جاءت في ظروف اتسعت فيها أشكال وتنوع المقاومة الجماهيرية كما في : المواكب الليلية والاحتفالات والمخاطبات في المدن والأحياء ، والوقفات الاحتجاجية للأطباء والمحامين ضد الانتهاكات، وانطلاق المواكب الدعائية قبل مليونية 30 ديسمبر ، اضراب العاملين ببنك الخرطوم مطالبين برفع الأجور، وعودة المفصولين تعسفيا الي العمل، ، والوقفة الاحتجاجية للصحفيين رفضا للانقلاب واتفاق حمدوك- البرهان ، والوقفة الاحتجاجية لمبادرة استعادة نقابة المهندسين الأربعاء 29 ديسمبر، واستمرار اضراب اساتذة جامعة الخرطوم لتحسين الهيكل الراتبي، ومطالبة لجنة المعلمين برفع الحد الأدني للاجور (24) الف جنية ،  واضراب تجمع الصاغة والمعدنين وتجار الذهب استنكارا لمطالبة شركة المعادن  بالف جنية عن كل جرام ذهب،. الخ من المقامة الجماهيرية ، مما يتطلب مواصلة الحراك الجماهيري المطلبي جنبا لجنب مع حراك لجان المقاومة في الأحياء، ورفض التدهور الاقتصادي ، وضد فرض المزيد من الضرائب والمزيد من الزيادات في السلع.
   ولا بديل غير الترتيبات الأمنية بحل قوات الدعم السريع وجيوش الحركات ، وقيام الجيش القومي المهني ، ووضع الدولة يدها علي كل شركات الجيش والأمن والدعم السريع والشرطة ، وتخفيض منصرفات الأمن والدفاع، وتحسين الأوضاع المعيشية ، وزيادة الانفاق علي التعليم والصحة والدواء ، والتنمية ، وخدمات المياه والكهرباء ، وتحسين البيئة التي تدهورت، وتوفير الحماية للمعدنين ومناطقهم من المواد الضارة بالبيئة ( السيانيد والزئبق.” ، وسلامة المعدنين من انهيار المناجم ، كما حدث أخيرا في منجم بداني في جنوب غرب كردفان الذي أدي لمصرع أكثر من (38) شخص من عمال المنجم ، علما بأن الذين يعملون في التعدين التقليدي أكثر من مليون شخص ، يتنجون 80% من إنتاج الذهب في السودان ، رغم ذلك يتم تهريب أكثر من 70 % من ذهب السودان!!..
 اضافة لوقف تدهور الأوضاع الأمنية في دارفور كما في الهجوم علي مقر اليوناميد في الفاشر ونهبه ، وشكوي النازحين في غرب دارفور من طلب حكومة غرب دارفور مليار جنية شهريا مقابل الأمن!! الذي هو مسؤولية الحكومة وحاكم دارفور، مما يؤكد فشل اتفاق جوبا في تحقيق السلام وحفظ الأمن في دارفور .
3
  هذا اضافة لتفاقم الأزمة داخل الانقلاب الدموي وعزلته ، وتلويح رئيس الوزراء حمدوك بالاستقالة ، وتلقيه اتصالات دولية واقليمية لاستمراره كما في : رسالة الأمين العام للأمم المتحدة ، وفيلتمان المبعوث الأمريكي للقرن الافريقي ، وزير الخارجية السعودي ، الخ.
 اضافة للتدخل الدولي الكثيف لانقاذ الانقلاب من مصيره المحتوم كما في زيارة مدير الاستخبارات المصري للسودان ، واتصال وزير الخارجية السعودي الذي أكد علي أمن واستقرار السودان  لحماية مصالحها ، ومنع أي تحول ديمقراطي في السودان يؤثر علي المنطقة، ودعم الانقلاب العسكري ، بما في ذلك احتمال عمل انقلاب قصر آخر يستبدل حميدتي والبرهان بعسكريين آخرين يحافظون علي مصالحهم في نهب ثروات البلاد ( ذهب ، بترول، ماشية محاصيل نقدية،  نهب الأراضي ،الخ)، واستمرار احتلال حلايب وشلاتين وابورماد من قبل مصر ، وضمان استمرار ارسال المرتزقة لحرب اليمن. الخ.، وتشكيل حكومة شراكة جديدة بين المكون المدني والعسكري يحافظ علي مصالحهما ، والتي بدأت ملامحها في خريطة الطريق التي قدمها حزب الأمة  التي تهدف حسب التصريح الصحفي الصادر من حزب الأمة بعد مقابلته للبرهان ، الي تحقيق التوافق الوطني دون اقصاء أو عزل لآخر ، وعقد مؤتمر مائدة مستديرة تضم كل القوي السياسية ، والتي تعني العودة للشراكة مع العسكر ، بدلا عن كامل الحكم المدني الديمقراطي، مما يعني إعادة إنتاج الأزمة من جديد.
4
    ، وأخيرا ، ختمت مليونية 30 ديسمبر المقاومة الجماهير الواسعة للنظام العام 2021 ، ليبدأ العام 2022 مع ذكري الاستقلال الذي يتطلب اوسع مشاركة جماهيرية في جداول المليونيات التي خرجت  لشهر يناير، وتوسيع النهوض الجماهيري مع المليونيات بمختلف الأشكال ( اضرابات، مظاهرات ، وقفات احتجاجية، تحسين الاوضاع المعيشية ، اعتصامات ، مخاطبات ، ندوات ، احتفالات واسعة بمناسبة الاستقلال ، عرائض ومذكرات ، تنظيم العمل النقابي والقاعدي . الخ)،ومواصلة التراكم الجماهيري حتى الانتفاضة الشعبية الشاملة والاضراب السياسي العام والعصيان المدني لاسقاط الانقلاب ، وانتزاع الحكم المدني الديمقراطي ، وبناء أوسع اصطفاف ثوري ، ومركز موحد وميثاقة ووثيقة دستورية جديدة  بعد مراجعة أخطاء الماضي وتحديدها حتى لا تتكرر، وعودة العسكر للثكنات ، لا للشراكة معه ، وقيام الحكم المدني الديمقراطي الذي يحقق مهام الفترة الانتقالية وأهداف الثورة ..
 alsirbabo@yahoo.co.uk

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات