أواب عزام البوشي
لحظة سياسية تتجاوز الاختيار الإداري
في تطور سياسي لافت، كشفت مصادر مطلعة أن حكومة بورتسودان رشّحت السفير السابق لدى الولايات المتحدة، نورالدين ساتي، لتولي منصب رئيس الوزراء. خطوة تبدو في ظاهرها إجرائية، لكنها في جوهرها محمّلة بدلالات سياسية وأخلاقية عميقة تستحق التوقف عندها.
مفارقة الرفض والترشيح
الرجل نفسه الذي رفض في أن يكون وزيراً للخارجية في حكومة نشأت على أنقلاب على الحكومة المدنية، وفضّل الاستقالة من منصبه سفيراً في واشنطن على العمل تحت مظلة حكم عسكري، يعود اليوم إلى الواجهة بوصفه مرشحاً لقيادة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان. وهنا لا يبدو الترشيح مجرد اختيار إداري، بل انعكاس لتحول في طبيعة الأزمة نفسها، أكثر من كونه تحولاً في موقف الرجل.
من التوقع إلى ترشيح رئاسة الحكومة
قبل أشهر، توقعتُ في مقال سابق أن يكون ساتي مرشحاً لحقيبة الخارجية، استناداً إلى ثقله الدبلوماسي وحضوره داخل دوائر القرار في واشنطن. لكن التطور جاء أبعد من ذلك؛ إذ انتقل اسمه من فضاء وزارة محددة إلى رأس السلطة التنفيذية ذاتها، في مفارقة تطرح سؤالاً مباشراً: هل يتعلق الأمر برغبة في تعيين سياسي، أم بمحاولة لإعادة صياغة صورة الدولة أمام الخارج؟
حسابات المشهد وضغط الشرعية الدولية
حكومة بورتسودان تواجه واقعاً دولياً شديد التعقيد، يتسم بتراجع الثقة، وضغوط سياسية متزايدة، وتآكل في القدرة على بناء شراكات خارجية. في هذا السياق، لا يبدو خيار ساتي خياراً تقنياً بقدر ما هو محاولة لفتح نافذة على المجتمع الدولي، خاصة في ظل حساسية الموقف لدى الولايات المتحدة، التي لا تُبدي استعداداً للتعامل مع ترتيبات تُبقي على الطابع العسكري في الحكم أو تتجاوز مسار الانتقال المدني.
ساتي كجسر ثقة لا كواجهة سياسية
في هذا السياق، يبدو نورالدين ساتي أقرب إلى جسر ثقة منه إلى مجرد اختيار سياسي. فهو يتمتع بعلاقات ممتدة داخل الكونغرس ووزارة الخارجية الأمريكية ومراكز التفكير في واشنطن، ولم يتورط في لحظة 25 أكتوبر، إذ جاءت استقالته المبكرة تعبيراً صريحاً عن رفض العمل خارج إطار الشرعية الدستورية. كما أنه يمتلك خبرة إفريقية ودولية واسعة، وعُرف بطرحه لمفهوم «السودانوية» كمدخل لبناء هوية جامعة وسلام أهلي مستدام.
البرهان ومحاولة إعادة ضبط المشهد
في المقابل، تقرأ بعض الدوائر هذا الترشيح باعتباره جزءاً من محاولة الفريق عبد الفتاح البرهان لتخفيف الضغوط السياسية والدولية وإعادة ترتيب صورة الحكومة أمام الخارج. لكن هذا التقدير يصطدم بحقيقة أن شخصية مثل ساتي لا تتحرك بمنطق تخفيف الضغط أو إدارة التوازنات الشكلية، بل بمنطق شروط سياسية واضحة تتصل بجوهر الأزمة نفسها.
جهود صامتة خارج الأضواء
منذ اندلاع الحرب، لم يكتفِ ساتي بموقف الرفض، بل انخرط في جهود هادئة عبر قنوات دولية ومحلية لمحاولة وقف النزيف، من خلال اتصالات في واشنطن ولندن، وتواصل مع أطراف مدنية وإقليمية، دون أن يسعى إلى تسويق نفسه أو تحويل تلك الجهود إلى رأس مال سياسي. كان حضوره أقرب إلى الفعل الصامت منه إلى الخطاب العلني.
هل يقبل؟ الشروط قبل المنصب
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يقبل ساتي؟
لكن الأهم أن أي قبول محتمل لن يكون قراراً بسيطاً أو شكلياً، بل مرهوناً بتحولات جوهرية، تبدأ بالاعتراف بأن ما حدث في 25 أكتوبر كان انقلاباً على مسار الانتقال المدني، وتمتد إلى إعادة هيكلة السلطة التنفيذية بصلاحيات حقيقية، وصولاً إلى ضمانات دولية واضحة، وانخراط في مسار جاد ينتهي بوقف الحرب وتسليم السلطة للمدنيين ضمن عملية سياسية شاملة لا شكلية.
قيمة الموقف قبل المنصب
في زمن تتبدل فيه المواقع بسرعة، وتُختزل فيه السياسة في حسابات آنية، يظل نورالدين ساتي حالة مختلفة لرجل قدّم الموقف على المنصب، والاعتبار الأخلاقي على الحسابات الشخصية.
سواء قبل الترشيح أو رفضه، فإن حضوره في هذا التوقيت يعيد تذكير المشهد بأن بعض الأسماء لا تُقاس بوظائفها، بل بمواقفها.
شكراً نورالدين ساتي… لأنك، في كل الأحوال، تضع المبدأ قبل المقعد.
awabazzam456@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم