د. مهدي تاج الدين
ليست رصاصة من العدو هي التي أسقطت السودان، بل يدٌ من الداخل ضربت ظهره.
منذ الاستقلال ونحن نملك كل شيء ولا نملك شيئاً، نملك الأرض الأكثر خصوبة في إفريقيا ونستورد القمح. نملك نهرين واثني عشر وادياً موسمياً وعطشى. نملك الذهب والنفط والصمغ والثروة الحيوانية الخامسة عالمياً، وشعبنا يقف في صفوف الغاز والدواء. هذه ليست لعنة موارد، هذه لعنة إدارة.
لقد فشلت الدولة في إدارة التنوع، السودان ليس دولة متجانسة لتُحكم بعقلية واحدة. هو قارة مصغرة، فيه أكثر من 400 قبيلة ولغة. كان هذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة وعامل ثراء ، كما هو في الهند وماليزيا. لكن الدولة السودانية، بكل أنظمتها المتعاقبة، حولته إلى مصدر خوف.
لم نفشل في إدارة التنوع لأننا مختلفون، بل فشلنا لأننا أردنا أن نجعل الجميع نسخة واحدة. فبدلاً من دستور يحمي الجميع، رفعنا شعار من ليس معي فهو ضدي. فكانت النتيجة حروباً في الجنوب حتى انفصل، وحروباً في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق. كل حرب بدأت بمظلمة سياسية وتحولت إلى نزيف موارد.
كذلك فشلت الدولة في إدارة الموارد، إن الدولة السودانية لم تكن فقيرة يوماً، بل كانت غنية بلا عقل اقتصادي.
بعنا النفط في الجنوب ولم نبنِ به مصنعاً واحداً يبقى بعد انفصاله. استخرجنا الذهب بكميات تقدر بمئات الأطنان سنوياً، ولم يدخل معظمه ميزانية الدولة.
أهملنا مشروع الجزيرة الذي كان يكسو إنجلترا قطناً، ليصبح أطلالاً، وأهملنا السكك الحديدية التي كانت تربط البلاد من نمولي إلى وادي حلفا.
نحن لا نعاني من قلة الموارد، بل من سوء تخصيصها. 70% من ميزانية الدولة لعقود كانت تذهب للأمن والدفاع والحرب، و 5% فقط للتعليم والصحة معاً. فخرّجنا جيلاً يحمل السلاح ولا يحمل شهادة، وطبيباً يهاجر لأنه لا يجد معملاً، ومهندساً يعمل سائق ركشة.
لقد عاشت الدولة دوامة الأزمات التي أرهقت كاهل المواطن.
إن المواطن السوداني ظلٌَ يدفع فاتورة فشل الدولة مرتين. مرة عندما تُنهب موارده، ومرة أخرى عندما يُطلب منه أن يتحمل نتيجة النهب.
كل أزمة سياسية في الخرطوم تترجم فوراً إلى أزمة اقتصادية في الجنينة وبورتسودان. دولار يطير، رغيف ينكمش، دواء ينعدم. ثم يخرج علينا مسؤول ليقول (المواطن لازم يصبر).
صبر على ماذا؟ المواطن السوداني صبر سبعين عاماً، صبر حتى تعب الصبر منه. هو من يبني بيته طوبة طوبة، ويعلم أبناءه من جيبه الخاص، ويعالج أهله بالتدين والتحويلات من المغتربين، بينما الدولة غائبة.
من ضرب ظهري؟
الذي ضرب ظهر السودان ليس شخصاً ولا حزباً ولا نظاماً واحداً. الذي ضربه هو العقلية التي حكمتنا منذ 1956: عقلية المركز القابض، والغنيمة بدل الدولة، والولاء بدل الكفاءة، والحرب بدل السياسة.
لن ينهض السودان بخطاب كراهية جديد ولا بانتقام. سينهض فقط عندما نفهم أن إدارة التنوع أهم من إنكاره، وأن إدارة الموارد أهم من نهبها، وأن المواطن ليس كاهلاً نحمله فوق طاقته، بل هو رأس المال الحقيقي.
ظهر السودان ما زال منحنياً، لكنه لم ينكسر بعد.
