من قَفَلَ شارعاً لأخيه

 


 

مأمون التلب
26 يناير, 2022

 

استفادَ السودانيّون ولجان مقاومتهم من استراتيجيَّات وأدوات وعمايل الثورة المُضادَّة؛ فكما قفل العسكريّون -بمساعدة السيّد تِرِك- شارع الشرق على الشعب، ردَّت قوّة الشعب بإغلاق جميع الشرايين والأوردة التي تُغذّي قوّات الانقلاب، كما أنها، للمفارقة غير المُتوقَّعة، أغلقت أبواب الغذاء بوجه المُتحالفين مع النظام؛ إنّها استفادة مزدوجة من تجربة "وأد الثورة" التي كانت تجري على قدمٍ وساق طوال عامين من عمر الفترة الانتقاليَّة المختطفة.
"من قفل شارعاً واحداً لأخيه، قَفَلَت كُلّ الشوارع فيه".
مَثَل جديد من أمثلة الثورة الخلاَّقة، ورغم تصعيد الخطاب من الجانب العسكري في القنوات الفضائيَّة باتّجاه أن ما يحدث هو "فوضى" بإغلاق الطُرق، إلا أن حجّة تِرِك تظلّ قائمة منذ أن رُفِعَت في وجه الحكومة الانقالية الماضية، خصوصاً في شقّها المدني، عندما قال ترك إن ما يقوم به هو مقاومة سلميَّة، وتحدَّى الحُكّام المدنيين أن يقمعوه بالقوَّة، ولم يستطيعوا، والآن لا مبرّر للسلطات الانقلابيَّة -التي دعمت "حق ترك السلمي" في قفل الشوارع- يُمكّنها من قمعٍ دموي لهذه الملحمة الممتدة في جميع شوارع ومدن السودان، لا مبرّر سوى سمعتها المُرتبطة بارتكاب المجازر، وقدرتها -المُصرَّح بها عمليَّاً- على إبادة شعبٍ كاملٍ من الشابات والشباب لأجل التشبّث اليائس بسلطةٍ لم تعد موجودةً أصلاً على أرض الواقع.
مع الإحكام التّام لمناخ القتل والدم حدَّ تنفَّسنَاه، وتوطُّن مشاهد دفن الشابات والشباب والأطفال في الأذهان والكوابيس، لم يعد هنالك ما يُمكن أن نخسره، أصبح الناس في الشوارع يحفظون قدراً كبيراً من الاحترام للمتاريس، ولا تَجد من يُحاول أن "يُحنِّس" المُغلقين ليفتحوا له درباً إلا في حالات الطوارئ القصوى، بل إن وجود حرّاس المتاريس لم يَعد مهمّاً، لأن الجميع قد تواطأ ضدَّ أيّ مستقبلٍ يمكن أن يحكم فيه إجرامٌ جذريٌّ كما هو حادثٌ اليوم.

eltlib@gmail.com

 

آراء