hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
في تاريخ الأمم، ثمة رجال ينسجون ملامح الهوية بصبر الأنبياء وعزيمة المقاتلين، ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ نبيل غالي كقيمة باذخة في مسيرة الثقافة والصحافة السودانية؛ ليس بوصفه كاتباً وصحفياً فحسب، بل باعتباره ضميراً مستيقظاً وذاكرة تمشي بين الناس.
لقد كانت رحلة غالي، منذ بداياته الباكرة، تمثيلاً حياً للمثقف العضوي الذي لا ينفصل عن قضايا شعبه. وتجلى ذلك بوضوح في “رابطة سنار الأدبية” التي لم تكن مجرد نادٍ للمثقفين، بل كانت مدرسةً لتأصيل الوعي السوداني، ومختبراً لصهر المفاهيم التي تجمع بين إرث “السلطنة الزرقاء” وتطلعات الحداثة. جعل غالي من سنار منصةً ثقافية قاومت التهميش ورسمت ملامح “السودنة” في أبهى صورها الأدبية.
غير أن مسيرة هذا الرمز تعرضت لزلزال الحرب الأخير؛ تلك الحرب التي لم تكتفِ بتشريد الأجساد، بل سعت لاغتيال الذاكرة. اضطر الأستاذ نبيل للفرار من جحيم القذائف في منزله بالخرطوم، متجهاً نحو مسقط رأسه “سنار”، لكن الرحلة لم تكن عودةً للديار بقدر ما كانت “طريقاً للآلام”.
وفي سنار، لاحقته لعنة الحرب وجحيمها مرة أخرى وهي تعتلي أسوار منزله، ومن ثم واجه غالي طعنة القدر الكبرى بفقدان رفيقة دربه وزوجته، ليمتزج الوجع الخاص بوجع الوطن الكبير. ومن تلك المحطة، غادر غالي السودان مهاجراً نحو جمهورية مصر العربية، يجرجر جراحه ويترك خلفه في الخرطوم مكتبته الضخمة التي كانت بمثابة “الحارس والذاكرة الصلبة” للتراث الثقافي السوداني، لتلتهمها النيران وتتحول إلى رماد.
اليوم، ومن مقامه في مصر، لم ينكسر هذا القلم، بل ظل يستشرف مخارج الأزمة بوعي ثاقب. وبالعودة إلى حواراته التاريخية التي أجراها معه الكاتب ياسر فايز في مجلة “الحداثة” عام 2017، نجد غالي يتحدث بلسان المثقف المستشرف للمستقبل، حيث يقول في إحدى إفاداته التي تلخص جوهر مشروعه:
“إن المقاومة الثقافية ليست مجرد ترف فكري، بل هي خيار وجودي للحفاظ على كينونتنا السودانية ضد محاولات التجهيل والضياع. إننا بحاجة إلى ثقافة لا تكتفي بالرصد، بل تذهب نحو صهر الأصالة بالمعاصرة، لتكون الفنون من مسرح وسينما وموسيقى هي الجبهة الحقيقية التي تحمي الإنسان من التحلل في منافي الشتات”.
يؤكد غالي أن هذه المقاومة لن تستوي على سُوقها إلا بالثبات على الهوية؛ فالمقاومة عنده ليست فعلاً سياسياً عابراً، بل هي استرداد للبيئة الحاضنة للإبداع التي تحمي الإنسان السوداني من فقدان بوصلته. إن حريق مكتبته وضياع مقتنياته لم يزده إلا إيماناً بأن “الذاكرة الحية” لا تُحرق، وأن الكتابة هي حائط الصد الأخير. لقد طرح غالي مفهوم “ثقافة المقاومة” كخيار وحيد للمستقبل، وهي الضمانة الوحيدة لكي لا نخرج من هذه الحرب حفاةً من المعنى ومجردين من الذاكرة.
Sudanile-Logo-SQ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم