دكتور محمد عبدالله
قرأت، مثل كثيرين، خبر المواطن الذي حاول الانتحار في كسلا، بعدما صعد إلى أسلاك الكهرباء، قبل أن يتمكن بعض المواطنين من إنقاذه. توقعت، بحكم طبيعة الموقف، أن تكون نهاية الحادثة لحظة إنسانية تستحق الإشادة؛ رجل كان على وشك أن يفقد حياته، فامتدت إليه أيادٍ أعادته إلى الأرض والحياة.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر إيلاماً من محاولة الانتحار نفسها. فبحسب ما تداولته الأنباء والمقاطع المصورة، لم ينتهِ الأمر بإنقاذ الرجل وتسليمه إلى الشرطة أو إلى جهة مختصة تتولى التعامل معه، وإنما تعرض للضرب والإهانة على أيدي بعض من أنقذوه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الحادثة نفسها: ماذا حدث لنا حتى يتحول إنقاذ إنسان من الموت إلى معاقبته بالضرب؟
ليس من الصعب أن نفهم الخوف أو الارتباك الذي قد ينتاب من يشاهد شخصاً يقف فوق أسلاك الكهرباء، مهدداً حياته وحياة الآخرين. وربما خاطر بعض الموجودين فعلاً بحياتهم لإنقاذه، وهذا موقف يستحق التقدير. لكن إنقاذ الإنسان لا يمنح أحداً حق الاعتداء عليه.
هناك فارق كبير بين أن تمنع شخصاً من قتل نفسه، وبين أن تعاقبه بعد أن أصبح عاجزاً عن إيذاء نفسه.
الرجل الذي حاول الانتحار لم يكن في حاجة إلى مزيد من العنف. كان، قبل كل شيء، إنساناً يمر بأزمة ما، نفسية أو اجتماعية أو معيشية، دفعته إلى التفكير في إنهاء حياته. وقد لا نعرف ما الذي أوصله إلى تلك اللحظة، ولا حجم الألم الذي كان يحمله وحده.
كان يحتاج إلى يد تنتشله من الخطر، ثم إلى كلمة تهدئه، وإلى حماية ورعاية، وربما إلى طبيب أو اختصاصي نفسي، وإلى أسرته أو الشرطة أو أي جهة قادرة على التعامل مع حالته. أما الضرب، فلا يعالج أزمة نفسية، ولا يمنع الانتحار، ولا يعيد للإنسان كرامته. بل قد يزيد ألمه ويعمّق أزمته.
المشهد، في رأيي، يكشف مشكلة أعمق من تصرف مجموعة من الأفراد. إنه يعكس، ولو بصورة قاسية، الطريقة التي ننظر بها أحياناً إلى الاضطرابات النفسية وإلى من يمرون بأزمات حادة. ما زلنا في مجتمعات كثيرة نتعامل مع الشخص المنهار نفسياً باعتباره ضعيفاً أو مخطئاً أو فاقداً للعقل، بدلاً من أن نراه إنساناً يحتاج إلى المساعدة.
والأخطر أن ثقافة العقاب تمتد أحياناً إلى تفاصيل كثيرة في حياتنا: نضرب الطفل كي يتعلم، ونضرب المخطئ كي يرتدع، ونعتدي على من نراه مستحقاً للعقاب، وكأن العنف أصبح وسيلة طبيعية لحل المشكلات.
لكن متى كان الضرب علاجاً؟
كان يمكن لإنقاذ الرجل أن يكون درساً جميلاً في التضامن الإنساني. كان يمكن للمشهد أن ينتهي برجال خاطروا بأنفسهم لإنقاذ مواطن، ثم سلّموه للشرطة أو أسرته، وتركوا للمتخصصين مهمة التعامل مع أزمته.
بدلاً من ذلك، انتهى المشهد بصورة أخرى: أنقذناه من الموت، ثم ضربناه.
وهذه مفارقة موجعة.
لا ينبغي أن تتحول محاولة الانتحار إلى جريمة اجتماعية تبرر التنكيل بصاحبها. وحتى عندما تكون هناك مسؤولية قانونية، فإن تحديدها شأن السلطات المختصة، وليس شأن الشارع.
وربما تكون هذه الحادثة فرصة لنا لنسأل أنفسنا بصراحة: ماذا نفعل عندما نجد شخصاً يحاول الانتحار؟ هل نعرف كيف نتعامل معه؟ هل توجد لدينا فرق مدربة للتدخل في مثل هذه الحالات؟ هل لدى الشرطة والإسعاف والطوارئ آليات واضحة للتعامل مع الأزمات النفسية؟ وهل يعرف المواطن العادي أن الشخص الذي يحاول الانتحار يحتاج إلى الحماية والرعاية، لا إلى الإهانة والضرب؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من البحث عن شخص نعاقبه.
لقد أنقذ المواطنون حياة إنسان، وهذه نقطة مضيئة ينبغي ألا نغفلها. لكن الطريقة التي عومل بها بعد إنقاذه تجعلنا أمام نقطة سوداء لا يمكن تجاهلها.
أن تنقذ إنساناً من الموت عمل نبيل، وأن تحفظ كرامته بعد إنقاذه هو اكتمال لهذا النبل.
أما أن ننتشله من أسلاك الكهرباء ثم نتركه تحت أقدامنا، فذلك يعني أننا لم نفهم بعد المعنى الحقيقي للإنقاذ.
فنحن لا نحتاج فقط إلى أن نتعلم كيف ننقذ الناس من الموت، وإنما نحتاج أيضاً إلى أن نتعلم كيف نعيدهم إلى الحياة.
