ابراهيم البدوى عبد الساتر
في مقالٍ مشترك مع الدكتور عصام عباس، شدَّدنا على أن التعقيدات غير المسبوقة والتحديات الهائلة التي أفرزتها هذه الحرب تختلف جذرياً عن تلك التي صاحبت الفترات الانتقالية السابقة التي أعقبت الثورات الشعبية السودانية الثلاث: ثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة مارس-أبريل 1985، وثورة ديسمبر 2018. وانطلاقاً من ذلك، دعونا إلى تبني حزمة من التحولات المؤسسية الكبرى، إلى جانب مسار انتقالي يستند إليها ويُترجمها إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ.
وفي هذا المقال والمقال الذي يليه، نركز على مقترح إنشاء نظام تشريعي ذي مجلسين، على غرار النظام المعتمد في الولايات المتحدة الأمريكية. وتنبع أهمية النموذج الأمريكي، في تقديرنا، من الطبيعة الجهوية والإثنية الحادة لهذه الحرب، وما خلّفته من تآكل عميق في رأس المال الاجتماعي للبلاد. فقد أفضت الحرب الأهلية الراهنة في السودان إلى هيمنة الخطاب التعبوي الغرائزي والاستقطابي، الأمر الذي أسهم في تجريف “الثقة الاجتماعية الأفقية” بين الأقاليم والمجتمعات والمجموعات الإثنية المختلفة. ولم يعد يتبقى سوى قدر محدود من “رأس المال الاجتماعي التجسيري” القادر على الإبقاء على الحد الأدنى من التماسك الوطني.
ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل الاحتمال المتزايد لانزلاق البلاد نحو واقع تتعايش فيه منظومتان متوازيتان للمؤسسات السيادية والخدمية، تعكسان حالة الانقسام الفعلي الناتجة عن تقاسم سلطتي الأمر الواقع (فى بورتسودان ونيالا) للسيطرة على جغرافيا الوطن وديموغرافيته، وعلى ما تبقى من موارده الريعية وقدراته الاقتصادية. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى قدر من “الهندسة المؤسسية” الخلّاقة لتصميم مؤسسات سيادية جديدة، وفي مقدمتها النظام التشريعي، بما يمكنها من الاستجابة بصورة صريحة وفعالة للواقع المحتمل للسودان في مرحلة ما بعد الحرب، ولمقتضيات مشروع بناء الدولة الديمقراطية المدنية النهضوية المنشودة.
وفي هذا السياق، تبرز عدة أسئلة جوهرية على مستوى البنية المؤسسية الكلية للدولة:
• هل يمكن تصميم مؤسسات الدولة بصورة تستوعب التنوع السوداني وتحوله من مصدر للصراع والانقسام إلى مصدر للقوة والتكامل الوطني؟
• ما طبيعة النظام السياسي القادر على بناء مشتركات وطنية جامعة في إطار عقد اجتماعي جديد ومتوازن، بعد حرب كارثية جرفت ما تبقى من نسيج اجتماعي كان يعاني أصلاً من التآكل والتشظي؟
• كيف يمكن الانتقال من إرث “الفيدرالية الزبائنية” الذي كرّسه النظام البائد إلى آفاق “الفيدرالية التنموية” بوصفها مدخلاً للتحول الاقتصادي النهضوي ومعالجة الجذور التاريخية لأزمة بناء الدولة الوطنية؟
(يرجى الرجوع إلى المقال المشار إليه فى الرابط: الانتقال الآمن، للاطلاع على الحزمة الكاملة من الإصلاحات المقترحة).
وفي هذا المقال نستعرض الخلفية التاريخية التي دفعت الآباء المؤسسين الأمريكيين إلى اعتماد نظام تشريعي ذي مجلسين، تمهيداً للمقال التالي الذي سيناقش، في ضوء أوجه التشابه بين الظروف التي سبقت قيام الاتحاد الأمريكي وبعض التحديات التي قد تواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب، مدى ملاءمة تبني نموذج تشريعي مماثل في السودان.
أولاً: لمحة تاريخية عن نشأة النظام التشريعي ذي المجلسين في الولايات المتحدة
عندما نالت المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة استقلالها عن بريطانيا عام 1783، نظّمت نفسها في البداية بموجب “مواد الاتحاد الكونفدرالي”. ووفقاً لهذا الترتيب، احتفظت كل ولاية بقدر كبير من السيادة، وتمتعت بتمثيل متساوٍ في الهيئة التشريعية الوطنية بغض النظر عن حجمها أو عدد سكانها. وعلى الرغم من أن هذا النظام حافظ على استقلالية الولايات الصغيرة، فإنه أثبت قصوره عن توفير إطار مؤسسي فعّال لإدارة دولة آخذة في التوسع. فقد افتقرت الحكومة الفيدرالية إلى صلاحيات فعالة في مجال الضرائب، وعانت من صعوبات في تنظيم التجارة بين الولايات، كما واجهت تحديات كبيرة في تنسيق الاستجابات للقضايا الاقتصادية والأمنية.
ولمعالجة هذه الإشكالات، انعقد المؤتمر الدستوري في مدينة فيلادلفيا عام 1787. غير أن المندوبين واجهوا سريعاً سؤالاً أساسياً: من الذي ينبغي أن يُمثَّل في الهيئة التشريعية الوطنية الجديدة: الشعب أم الولايات؟
رأت الولايات الكبيرة، مثل فرجينيا وبنسلفانيا، أن التمثيل يجب أن يعكس حجم السكان. واستند هذا الموقف إلى المبدأ الديمقراطي القائل بأن شرعية الحكومة تستمد من الشعب، وبالتالي ينبغي أن يتمتع مواطنو الولايات الأكبر بعدد سكانها بنفوذ يتناسب مع حجمهم. وقد تجسد هذا التوجه في ما عُرف بـ”خطة فرجينيا”. أما الولايات الصغيرة، مثل ديلاوير ونيوجيرسي، فقد خشيت أن يؤدي هذا النظام إلى هيمنة عدد محدود من الولايات الكبيرة على الاتحاد. ودفعت بأن الولايات قد دخلت الاتحاد بوصفها مجتمعات سياسية مستقلة، ومن ثمّ تستحق مكانة متساوية داخل الحكومة الوطنية. وقد عُرف هذا التوجه بـ”خطة نيوجيرسي”.
وكان الخلاف بين الطرفين حاداً إلى درجة هددت بنسف المؤتمر الدستوري برمته. ولكن في نهاية المطاف، توصل المندوبون إلى ما عُرف بـ”تسوية كونيتيكت” أو “التسوية الكبرى”، التي أرست نظاماً تشريعياً يتكون من مجلسين:
• مجلس النواب، حيث يعتمد التمثيل على عدد السكان.
• مجلس الشيوخ، حيث تتمتع كل ولاية بتمثيل متساوٍ بغض النظر عن عدد سكانها.
وقد نجحت هذه التسوية في التوفيق بين مبدأين متنافسين:
السيادة الشعبية (حكم الشعب).
المساواة الفيدرالية (المساواة بين الولايات داخل الاتحاد).
ومكّنت هذه الصيغة الولايات الكبيرة والصغيرة على السواء من قبول الدستور والتصديق عليه، وأصبحت واحدة من أهم الابتكارات المؤسسية في التاريخ الدستوري الحديث.
ثانياً: صلاحيات مجلس النواب
صُمم مجلس النواب ليكون المؤسسة الأقرب إلى الرأي العام. وينتخب أعضاؤه كل عامين من دوائر انتخابية يتم تحديدها وفقاً لعدد السكان. وتشمل صلاحياته الرئيسة ما يلي:
بدء التشريعات المالية: يجب أن تبدأ جميع مشاريع القوانين المتعلقة بالضرائب والإيرادات الفيدرالية في مجلس النواب.
سلطة الاتهام :(Impeachment)يمتلك المجلس السلطة الحصرية لتوجيه الاتهام إلى كبار المسؤولين الفيدراليين، بمن فيهم الرئيس ونائب الرئيس والقضاة الفيدراليون.
التمثيل الشعبي: بحكم توزيع المقاعد على أساس السكان وإجراء الانتخابات كل عامين، يعكس المجلس التغيرات في الرأي العام بصورة أسرع من مجلس الشيوخ.
السلطة التشريعية: يشارك مجلس النواب بصورة كاملة في سن القوانين وإقرار الموازنات والاعتمادات المالية.
ثالثاً: صلاحيات مجلس الشيوخ
صُمم مجلس الشيوخ ليكون المؤسسة التي تمثل الولايات باعتبارها وحدات مكونة للاتحاد الفيدرالي. ويمتد أجل عضوية أعضائه إلى ست سنوات، مع تجديد ثلث المقاعد كل عامين، مما يوفر قدراً أكبر من الاستقرار والاستمرارية. وتشمل صلاحياته الرئيسة ما يلي:
التمثيل المتساوي للولايات: تنتخب كل ولاية عضوين في مجلس الشيوخ بغض النظر عن عدد سكانها.
إقرار التعيينات: يصادق المجلس على تعيينات الرئيس في المناصب الوزارية والسلك الدبلوماسي والقيادات العسكرية والقضاء الفيدرالي.
التصديق على المعاهدات: لا تصبح المعاهدات الدولية نافذة إلا بعد موافقة مجلس الشيوخ.
محاكمات العزل: يتولى المجلس محاكمة المسؤولين الذين يوجه إليهم مجلس النواب اتهامات رسمية، ويقرر ما إذا كانوا سيُعزلون من مناصبهم.
السلطة التشريعية: لا يمكن لأي مشروع قانون أن يصبح قانوناً نافذاً دون موافقة مجلس الشيوخ.
رابعاً: لماذا خدم هذا النظام الاتحاد الأمريكي بنجاح؟
تكمن عبقرية التصميم الدستوري الأمريكي في إدراكه أن الولايات المتحدة هي في الوقت نفسه:
• دولة ديمقراطية تتكون من مواطنين أفراد.
• واتحاد فيدرالي يتكون من ولايات ذات سيادة دستورية.
فلو كان النظام التشريعي قائماً على مجلس واحد يعتمد فقط على عدد السكان، لأمكن للولايات الكبرى أن تهيمن على السياسات الوطنية. وفي المقابل، لو قام النظام على التمثيل المتساوي للولايات فقط، لتجاهل المبدأ الديمقراطي القائل إن المواطنين، وليس الأقاليم الجغرافية، هم المصدر النهائي للشرعية السياسية. وبالتلى فقد نجح النظام ذي المجلسين في تحقيق التوازن بين هذين الاعتبارين:
حماية المواطنين والولايات معاً: يضمن مجلس النواب أن يكون للحجم السكاني وزن حقيقي في العملية السياسية. فالولايات الكبرى، مثل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس وفلوريدا وإلينوى، تتمتع بتمثيل أكبر لأنها تضم عدداً أكبر من المواطنين. وفي المقابل، يضمن مجلس الشيوخ ألا تتمكن الولايات الكبرى من تجاوز مصالح الولايات الصغيرة، مثل وايومنغ وفيرمونت وديلاوير، في القضايا ذات الأهمية الوطنية.
وتتجلى الحكمة الكامنة وراء نظام الهيئة التشريعية ذات المجلسين بوضوح عند مقارنة عدد سكان ولايتي كاليفورنيا ووايومنغ. فبينما يربو عدد سكان كاليفورنيا على أربعين مليون نسمة، لا يتجاوز عدد سكان وايومنغ ستمائة ألف نسمة تقريباً. ولو اعتُمد مبدأ التمثيل السكاني وحده، لهيمنت الولايات الكبرى، مثل كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا ونيويورك وإلينوى، على القرار الاتحادي بصورة شبه كاملة، ولأصبحت الولايات الصغيرة ذات تأثير هامشي في صياغة السياسات الوطنية. لهذا جاء الدستور الأمريكي بالتسوية التاريخية التي أشرنا إليها آنفاً. وبموجب هذا الترتيب، أصبحت كاليفورنيا ووايومنغ متساويتين في التمثيل داخل مجلس الشيوخ، بوصفه الغرفة العليا التي تضطلع بصلاحيات دستورية واسعة ومؤثرة، وذلك رغم الفارق السكاني الهائل بينهما. وفي المقابل، احتفظت كاليفورنيا بوزنها الديمقراطي المشروع في مجلس النواب، حيث تمثل بـ 52 نائباً، أي ما يقارب 12% من إجمالي أعضاء المجلس البالغ عددهم 435 نائباً، بينما تمثل وايومنغ بعضو واحد فقط.
وكما سنبين في المقال القادم، فإن إعادة بناء الثقة الاجتماعية الأفقية بين المكونات الجهوية والإثنية في سودان ما بعد الحرب تقتضي التفكير في مؤسسة تشريعية تستلهم بعض خصائص النموذج الأمريكي، لا سيما في ظل التفاوت السكاني الكبير بين الأقاليم التاريخية للبلاد. وتزداد أهمية هذا الاعتبار في ضوء التآكل العميق للثقة المجتمعية الذي خلّفته هذه الحرب الماحقة، وما أفرزته من استقطابات جهوية وإثنية تهدد أسس التعايش الوطني ومشروع إعادة بناء الدولة.
تعزيز التوافق السياسي: بما أن التشريعات تحتاج عادة إلى موافقة المجلسين معاً، فإن ذلك يفرض بناء تحالفات واسعة تشمل الولايات الكبيرة والصغيرة على حد سواء، ويشجع على التفاوض والاعتدال والتسويات السياسية.
الحفاظ على استقرار النظام الفيدرالي: لقد أسهم التمثيل المتساوي للولايات في مجلس الشيوخ في طمأنة الولايات الصغيرة بأنها شريك كامل في الاتحاد. وكان ذلك مهماً بصورة خاصة في السنوات الأولى لتأسيس الدولة، وساهم بدرجة كبيرة في استدامة النظام الفيدرالي الأمريكي.
ضمان شرعية القرارات الأساسية: لعل أقوى مبررات التمثيل المتساوي للولايات في مجلس الشيوخ يتمثل في القضايا التي تمس البنية الدستورية للاتحاد نفسه. فالتعديلات الدستورية والمعاهدات الدولية والتعيينات القضائية والعسكرية العليا وغيرها من القرارات المصيرية تتطلب مشاركة مجلس الشيوخ. وبذلك تحتفظ الولايات جميعها بصوت متساوٍ في القرارات التي قد تؤثر على طبيعة الاتحاد ومستقبله.
ويعكس هذا الترتيب فلسفة دستورية أوسع مفادها أن القضايا المتعلقة بالبنية الأساسية للاتحاد ينبغي أن تُحسم على أساس المساواة بين الولايات، بينما ينبغي أن تعكس قضايا الحكم اليومي والسياسات العامة الوزن السكاني للمواطنين.
خاتمة
نشأ النظام التشريعي الأمريكي ذو المجلسين استجابةً لمعضلة دستورية عميقة تمثلت في كيفية التوفيق بين التمثيل الديمقراطي والمساواة الفيدرالية بين الولايات. وقد نجح الآباء المؤسسون في حل هذه المعضلة من خلال “تسوية كونيتيكت”، التي أنشأت مجلساً للنواب يعتمد على عدد السكان ومجلساً للشيوخ يقوم على المساواة بين الولايات.
وبعد أكثر من قرنين من الزمن، لا يزال هذا الترتيب أحد أهم أسباب صمود النظام الدستوري الأمريكي واستقراره. فهو يعترف بأن كلاً من المواطنين والولايات يمتلكان مطالب مشروعة بالتمثيل السياسي. ومن خلال الجمع بين التمثيل السكاني في أحد المجلسين والمساواة بين الولايات في المجلس الآخر، ساهم النظام في تعزيز الشرعية السياسية، وحماية مصالح الأقليات، وتشجيع التوافق الوطني، والحفاظ على تماسك اتحاد فيدرالي متنوع.
ومع ذلك، فإن نجاح النظام التشريعي ذي المجلسين لا يعود إلى التصميم المؤسسي وحده، بل يعتمد أيضاً على التزام الفاعلين السياسيين بقواعد اللعبة الديمقراطية وأعرافها غير المكتوبة، بما في ذلك قبول التسويات، واحترام الشرعية الدستورية، والاعتراف المتبادل بحق الخصوم السياسيين في المنافسة السلمية على السلطة. فالتجربة الأمريكية نفسها شهدت فترات من الاستقطاب الحاد والأزمات الدستورية، وكادت تنزلق إلى التفكك خلال الحرب الأهلية وتشهد حالياً استقطاباً حاداً، برأى بعض الخبراء، قد يرقى لدرجة التهديد الوجودى لديمقراطية عريقة بعد ما يناهز 250 عاماً منذ إنطلاقها. ومن ثمّ، فإن نظام المجلسين ليس مؤسسة مثالية أو ضمانة تلقائية للاستقرار، شأنه في ذلك شأن أي نظام سياسي آخر؛ وإنما هو إطار مؤسسي يوفر فرصاً أفضل لإدارة التنوع والتوازن بين المصالح المتنافسة، شريطة أن تسنده ثقافة سياسية ديمقراطية ونخب سياسية مستعدة لتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية الضيقة.
ومن منظور تصميم المؤسسات الدستورية، تقدم التجربة الأمريكية مثالاً مهماً على كيفية توظيف نظام تشريعي ذي مجلسين للتوفيق بين متطلبات الديمقراطية والفيدرالية والوحدة الوطنية، مع الإدراك بأن فعالية هذا النموذج، كما هو الحال بالنسبة لأي نظام سياسي، تظل رهناً بسلوك الفاعلين السياسيين وقدرتهم على احترام روح الدستور، لا نصوصه فحسب.
وفي المقال القادم، سنعرض، بإذن الله، لمبررات تبني نموذج تشريعي مماثل في السودان، وشروط تحقيقه، وآفاق نجاحه في المساهمة في إعادة بناء الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية.
