نداء الأرض
التغيرات المناخية: بين أنين الأرض من الجفاف والتصحر وواقع التعديات البشرية
صديق السيد البشير*
siddigelbashir3@gmail.com
نِداءُ الأرْضِ وَعَزْمُ النَّمَاء
عَاثَتْ بِخُضْرَتِكَ الخُطُوبُ فَمَالَتِ
نَحْوُ الشُّحُوبِ حَدَائِقٌ وَصِلَاتِ
مَاتَ الرَّبِيعُ عَلَى شِفَاهِ جَدَاوِلٍ
وَغَدَا السَّحَابُ شَحِيحَةَ القَطَرَاتِ
هَذِي المَنَاخَاتُ اسْتَحَالَ نَعِيمُهَا
بَأْسَاً يُهَدِّدُ بَهْجَةَ الحَيَاةِ
حَرٌّ يَفُورُ، وَفِي النَّوَاحِي غُصَّةٌ
وَالأرْضُ تَشْكُو قِلَّةَ الأقْوَاتِ
جَارَ الإنْسَانُ عَلَى المَدَى بِجَهَالَةٍ
وَأبَادَ غَابَاتٍ عَمِيمَاتِ شَجِيَّاتِ
قَطَعَ الرِّئَامَ الخُضْرَ دُونَ بَصِيرَةٍ
وَمَشَى النَّزِيفُ بِمِعْوَلِ الآفَاتِ
فَاسْتَيْقَظَ العَقْمُ المَخُوفُ وَأقْبَلَتْ
زُحُفُ الرِّمَالِ تَدُكُّ كُلَّ نَبَاتِ
هَذَا التَّصَحُّرُ مَارِدٌ مُتَغَطْرِسٌ
يَجْتَاحُ خِصْبَ الأرْضِ فِي خَطَوَاتِ
يوم البيئة العالمي: محطات تاريخية
تأسس يوم البيئة العالمي بهدف تسليط الضوء على المخاوف الناجمة عن تدهور طبقة الأوزون، مما خلق توجهاً دولياً لتوليد اهتمام حيوي مبكر بالقضايا البيئية الحرجة. وقد استغرق الأمر عشر سنوات أخرى بعد ذلك لتوقيع بروتوكول مونتريال البارز بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون.
ويُعد اليوم العالمي للبيئة أكبر منصة عالمية تابعة للأمم المتحدة للتوعية البيئية والعمل المناخي؛ حيث يُحتفى به سنوياً في الخامس من حزيران/يونيو، وينظم برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) فعالياته بمشاركة أكثر من 150 دولة لتسليط الضوء على القضايا البيئية الملحة. وقد تم إقرار هذا اليوم لأول مرة في عام 1973م بالتزامن مع انعقاد مؤتمر ستوكهولم التاريخي حول البيئة البشرية، ليكون حدثاً يُلهم الحكومات والشركات والمجتمعات للتحرك الفعال نحو حماية النظم البيئية.
وفي عام 1974م، شَهِد العالم الاحتفال بيوم البيئة العالمي للمرة الأولى تحت شعار “أرض واحدة فقط”، وهو الشعار الذي اعتمدته الأمم المتحدة لاحقاً كركيزة للتوعية البيئية. ووفقاً للمعلومات المبذولة على المنصات الرقمية المختلفة، فإن عام 2000م شهد إطلاق برنامج الأمم المتحدة للبيئة موقعاً عالمياً متقدماً بالكامل، مما سهل على الأفراد في جميع أنحاء العالم تسجيل أنشطتهم وتعميق الشعور بالمسؤولية المجتمعية المشتركة تجاه كوكب الأرض.
المناخ السوداني: واقع مؤلم وتحركات رقمية
تتزايد التحديات البيئية في السودان نتيجة تذبذب معدلات الأمطار، والتراجع الملحوظ في المساحات الغابية، مع تمدد مخيف للجفاف والتصحر. وقد تركت هذه التغيرات المناخية ندوباً واضحة على وجه البلاد، وألقت بظلال سالبة على حياة المزارعين والرعاة والصيادين في آلاف المدن والقرى السودانية؛ مما يحتم على المختصين في المؤسسات الحكومية والمنظمات الوطنية والدولية التدخل العاجل لإنقاذ الموقف، وصولاً إلى مرحلة المعالجة والإصلاح.
وتحت شعار “معاً لغدٍ مشرق”، فتح مؤتمر البيئة والمناخ السوداني المنعقد في 10 يوليو 2026م نقاشاً موسعاً عبر منصة “زوم” الرقمية. وهدف المؤتمر إلى تعميق فهم التغيرات المناخية، ودراسة تأثر السودان بارتداداتها، مع تقديم مقترحات تؤكد ضرورة العمل الجماعي للمحافظة على البيئة؛ خاصة مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة وتغير المناخ الذي تمتد آثاره لتضرب عصب الحياة بأكمله، بدءاً من المياه والزراعة وصولاً إلى الأمن الغذائي.
شبح التصحر بالأرقام
وفقاً للمعلومات الصادرة عن منصات وطنية ودولية، تُقدر مساحات الأراضي المتأثرة والمعرضة لخطر التصحر في السودان بنحو 1.78 مليون كيلومتر مربع، وهو ما يمثل حوالي 72% إلى 90% من إجمالي مساحة البلاد.
وتعتبر الأجزاء الشمالية والمناطق الواقعة بين خطي عرض 10 و18 درجة شمالاً من أكثر المناطق تضرراً. وتتفاقم هذه الظاهرة نتيجة لعدة أسباب رئيسية، أبرزها: القطع العشوائي للأشجار للحصول على الوقود، الرعي الجائر، الاستغلال المكثف للمراعي، إلى جانب توسع الأنشطة الزراعية غير المنظمة وزحف الرمال، مما يؤثر سلباً بشكل مباشر على الأمن الغذائي والاقتصاد القومي.
مبادرة “الخيرات”.. عزم نماء في وجه التهميش
“رؤيتنا إن شاء الله للعام 2030م البلد لازم تكون خضراء.. كفاية غباش، وكفاية تهميش”.
بهذه الكلمات، كان الشاب محمد التوم أحمد يدون العناوين الرئيسية لمبادرة طموحة تهدف إلى إعداد رسم تقريبي لمشروع تشجير قرية “الخيرات” بحوالي 2000 شجرة (مثمرة وظليلة). وتسعى المبادرة إلى إعادة استزراع المساحات الجرداء وتحويلها إلى بساتين يانعة بأشجار مثمرة وغابية، بعد أن تأثرت المنطقة بالتغيرات المناخية والتعديات البشرية المتمثلة في القطع الجائر دون تعمير.
وتقع قرية “الخيرات” في محلية قُلي بولاية النيل الأبيض، وقد تأثرت كغيرها من عشرات القرى بالتغيرات المناخية التي تسببت في تراجع المساحات المزروعة والغابات؛ مما يحتم على المختصين والمهتمين تدارك الوضع بصورة عاجلة.
غابة الفيل .. ثروة قومية في مهب الرماد
في مدينة القضارف شرقي السودان، تواجه “غابة الفيل” خطر التحول إلى صحراء قاحلة، وهي التي كانت تُعد يوماً ما واحدة من أكبر وأهم غابات الصمغ العربي في البلاد، وتشكل ثروة وطنية استثنائية.
تعرضت الغابة لعمليات قطع جائر وممنهج، استهدفت الأشجار المنتجة للصمغ العربي لتحويلها إلى فحم نباتي، مما يشكل إهداراً لثروة تُقدر بمليارات الجنيهات، ويسهم في اتساع رقعة التصحر وإحداث خلل حاد في النظام البيئي.
وأطلق فاعلون دعوات عاجلة للتدخل الفوري لإيقاف هذه التجاوزات، ومنع القطع الجائر لحماية ما تبقى من أراضي الغابة، مع البدء الفوري في تنفيذ مشروعات إعادة التشجير الشاملة لزراعة شجر “الهشاب” و”الطلح” لإعادة إحياء الغابة، وتوفير بدائل قانونية ومستدامة تمنع استنزاف الموارد الطبيعية. وبناءً على ذلك، يبعث المختصون هناك رسائل عاجلة إلى بريد السيد مدير إدارة الغابات بولاية القضارف، وإلى كافة الجهات المسؤولة، لضرورة التدخل وحماية غابة الفيل وغيرها من الموارد الطبيعية التي تحقق أثراً اقتصادياً، طبياً، وبيئياً مطلوباً.
حزام الشمال .. التعدين العشوائي وسموم السيول
تحت عنوان عاجل: “أنقذوا شريان الحياة في الشمال”، أطلقت “حركة السودان الأخضر” مناشدات مستمرة تنبه لمخاطر الواقع البيئي في شمال السودان وزحف التصحر نحو النيل؛ واصفة هذا الخطر بأنه “أكثر فتكاً من الحرب وأطول أمداً في الدمار”. وأشارت الحركة إلى أن أنشطة التعدين العشوائي تجاوزت نهب الذهب إلى تدمير شريان الحياة الذي يربط إنسان المنطقة بجذوره.
ويشكل التعدين العشوائي في ولايتي نهر النيل والشمالية اختلالاً بيئياً خطيراً، تفاقم عقب كارثة السيول والأمطار الأخيرة في (أغسطس 2024م)، والتي تسببت في جرف مخلفات التعدين (الكرتة) المشبعة بمادتي الزئبق والسيانيد السامتين من مناطق مثل أبو حمد وبربر مباشرة إلى مجرى نهر النيل والمياه الجوفية.
وقد عمَّ التلوث تلك المناطق؛ مهدداً أشجار النخيل، المحاصيل الشتوية، والثروة الحيوانية، متسبباً في نشر أمراض خطيرة لا تفرق بين صغير وكبير. ويطالب المختصون بوضع توصيات عاجلة لحماية النيل من تسرب هذه المواد، وتفعيل آليات التبليغ الفوري وتوعية الصيادين والمزارعين بمخاطر المياه الملوثة.
ولاية النيل الأبيض .. تجربة “إيفاد” والقدرة على الصمود
بعد أن شهدت مناطق مختلفة بولاية النيل الأبيض تنمية مستدامة وازدهاراً في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية لسنوات طويلة، اعترتها مؤخراً موجات تعدٍ حاد على الثروة الغابية عبر القطع الجائر، وهبت عليها رياح الجفاف والتصحر.
إزاء هذا الوضع، برزت تدخلات طوعية ودولية عبر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد – IFAD)، الذي اجتهد لسنوات في تنفيذ برامج تنموية خاصة في محليتي “السلام” و”الجبلين”، إلى جانب ولاية شمال كردفان، عبر برنامج “تسويق الثروة الحيوانية والقدرة على الصمود”.
واستناداً إلى أبحاث علمية ميدانية، أسهم البرنامج في تقديم حزمة متكاملة من المشروعات التنموية والإرشادية والعينية؛ كالمشاريع المدرة للدخل، وإعادة استزراع الغابات، وتوزيع مواقد بديلة وصديقة للبيئة أسهمت في تكيف الإنسان مع بيئته التي أصبحت قاحلة، فضلاً عن الحد من القطع الجائر للغابات. ومع ذلك، توقف المشروع بانتهاء فترته الزمنية المحددة، رغم الاختراقات الكبيرة التي أحدثها في ملفات البيئة والتكيف والتنمية المستدامة.
مجابهة التحديات المناخية الراهنة
في إطار تعزيز المسؤولية الوطنية ومجابهة التحديات المناخية الراهنة، أعلنت منظمة “التجاوب البيئي والصحي التطوعية” عن توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية مع الهيئة القومية للغابات بولاية النيل الأبيض السودانية، وتهدف المذكرة إلى الحد من الآثار الجانبية للتغيرات المناخية وتقديم حلول عملية ومستدامة للمجتمعات المحلية.
وأوضح الأستاذ هاشم عبد الجليل أحمد عبد الجليل، رئيس مجلس إدارة المنظمة، في تصريحات خاصة (للعودة)، أوضح أن هذه الخطوة تأتي انطلاقاً من أهداف المنظمة وحرصها على العمل الميداني في الحقل البيئي، وبناء قدرات المجتمع للتكيف مع التحولات المناخية. وبموجب هذا الاتفاق، تضطلع المنظمة بدور رائد في التوعية بمخاطر القطع الجائر للغابات وتدمير الكتلة الحية، وما يترتب على ذلك من تدهور في التنوع الأحيائي واختلال في المنظومة البيئية.
حلول مبتكرة لأزمة الطاقة
وفي سياق تقديم البدائل العملية لمعالجة أزمة الغاز الراهنة، وارتفاع أسعار الوقود وندرته تماشياً مع تداعيات الأزمة العالمية، كشف رئيس مجلس الإدارة عن حزمة من التدابير التي تبنتها المنظمة لتوفير “المواقد المحسنة والذكية” كبدائل صديقة للبيئة وموفرة للاستهلاك، وتشمل:
مواقد الفحم والحطب المطورة:
وتتميز بكفاءتها العالية حيث توفر 50\% من كمية الوقود المستهلكة في المواقد التقليدية.
مواقد الإيثانول:
وتعد بديلًا اقتصاديًا وفعالًا يقلل الاعتماد على الغاز الطبيعي بشكل ملحوظ.
المواقد الشمسية المباشرة (Sclar):
وتعتمد كلياً على أشعة الشمس، وتتوفر في تصميمين؛ “الموقد الصندوقي” الذي يتسع لطهي إناءين أو ثلاثة في آن واحد، و”الموقد الدائري” (الشبيه بطبق الديجيتال) المخصص لإناء واحد.
الفن في خدمة البيئة
وفي مسار موازٍ لتعظيم الرسالة الإعلامية والتوعوية، أعلن عبد الجليل عن تنسيق مشترك مع عدد من المبدعين والدراميين لإنتاج أعمال مسرحية هادفة. وستطوف هذه العروض المسرحية المدن والأرياف لتبسيط المفاهيم البيئية، ونشر الوعي بمخاطر تجريف الغابات، بالتزامن مع البدء في توزيع المواقد الذكية على الفئات المستهدفة.
وأكد رئيس المنظمة أن هذه الجهود المتكاملة تسعى في مجملها إلى استرداد العافية للمناخ السوداني، وحماية القطاع الغابي، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية والبشرية وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.
البيئة البحرية في بورتسودان .. مبادرات مبتورة
في عروس البحر الأحمر، مدينة بورتسودان شرقي البلاد، أطل التلوث البيئي برأسه مهدداً البيئة البحرية، ما أثر سلباً على قطاع الثروة السمكية التي تزخر بها المدينة والمناطق الساحلية التي تعانق البحر. تلوث مياه البحر وتراجع الإنتاج السمكي دفعا نحو إطلاق مبادرات شبابية ومجتمعية لتنظيف البيئة البحرية من المخلفات الكيميائية والنفايات البلاستيكية. ورغم تميز هذه المبادرات في بداياتها، إلا أنها توقفت فجأة قبل أن تحقق أهدافها كاملة في إحداث التغيير المنشود لحماية الساحل.
معضلة “المسكيت” .. البديل الذي تحول إلى تهديد
مع ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار والقطع الجائر للغابات، اتسعت رقعة التصحر في عدة ولايات؛ مما دفع بالاعتماد على بدائل لمكافحة الزحف الصحراوي عبر إعادة استزراع مساحات شاسعة بشجرة “المسكيت”.
لكن هذه الشجرة تحولت بمرور الوقت إلى المهدد الأكبر للقطاعات الزراعية ومشروعاتها المختلفة (التقليدية، المروية، والمطرية)، فضلاً عن إضرارها بالثروة الحيوانية والمراعي، وتواجه كافة محاولات الاستئصال أو إدخال بدائل ناجعة لها -سواء كانت حكومية أم طوعية- تحديات وعراقيل جمة.
من الأنين إلى التمكين
إن مواجهة التصحر ليست مجرد غرس لشجرة، بل هي إعادة صياغة جذرية لعلاقة الإنسان ببيئته عبر تكنولوجيا ذكية وممارسات مستدامة تحافظ على ما تبقى للأجيال القادمة.
إن إنقاذ أرض السودان من أنين الجفاف والتعديات البشرية لم يعد مجرد خيار مطروح، بل هو معركة وجود حقيقية؛ وسبيل النجاة يكمن في تحويل “عزم النماء” إلى واقع حازم وعاجل يعيد للأرض خضرتها وللكوكب توازنه قبل فوات الأوان. فأرض السودان لا تطلب المستحيل، بل تطالب بوقف النزيف؛ لتبقى موطناً آمناً، فهل سنلبي النداء قبل فوات الأوان؟
*صحافي سوداني
عرض النص المقتبس
