نقطة الألم التي تصنع السلام: السودان في ضوء نظرية زارتمان
قراءة في كتاب: Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyond
د. صلاح أحمد الحبو
ليس كتاب William Zartman Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyond مجرد مساهمة أكاديمية في حقل دراسات تسوية النزاعات، بل هو محاولة لتأطير اللحظة الحرجة التي يتحول فيها الصراع من كونه قابلاً للاستمرار إلى كونه قابلاً للتسوية. في قلب أطروحة زارتمان تقبع فكرة «نقطة التوازن المؤلمة»—تلك اللحظة التي لا يعود فيها استمرار الحرب مجدياً لأي طرف، لا عسكرياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً، فيتولد إدراك متبادل بأن الخروج من الصراع أصبح أقل كلفة من استمراره.
هذا المفهوم، في جوهره، ينقل تحليل الحروب من مستوى الأخلاق إلى مستوى البنية: فالحروب لا تنتهي لأن الأطراف “تريد السلام” بالمعنى القيمي، بل لأنها تُجبر—بفعل تراكم الخسائر وانسداد الأفق—على إعادة حساباتها الاستراتيجية. النضج هنا ليس حدثاً زمنياً، بل تحول إدراكي في وعي الفاعلين، حين يلتقي «الانسداد» مع «إمكانية المخرج» في لحظة واحدة.
في الحالة السودانية، تبدو مفارقة زارتمان واضحة بقدر ما هي مؤلمة: فكل عناصر “الألم” متوفرة بكثافة—نزوح واسع، انهيار اقتصادي، تفكك مؤسسات الدولة، واستنزاف اجتماعي عميق—لكن هذا الألم لم يتحول بعد إلى «نقطة توازن» مكتملة. ما يزال كل طرف منخرطاً في حسابات تحسين الموقع، وكأن الحرب يمكن أن تُحسم لصالحه في لحظة قادمة. هنا تتعطل آلية النضج التي يتحدث عنها زارتمان، ليس لغياب الألم، بل لغياب إدراكه بوصفه انسداداً نهائياً.
إن ما يسميه زارتمان بـ«الألم المُدرَك» يظل في السياق السوداني موزعاً وغير متكافئ. فاقتصاد الحرب، بشبكاته الممتدة، يخفف من حدة الانهيار على بعض الفاعلين، ويعيد توزيع الكلفة بطريقة تُبقي على هامش للمناورة. وبهذا المعنى، لا يتحول الألم إلى ضغط كافٍ لإعادة تشكيل القرار السياسي، بل يبقى مؤجلاً، أو مُداراً داخل منطق الاستنزاف الطويل.
في هذا السياق، يمكن فهم الفجوة المركزية التي تشكّل عقدة التحول: الفجوة بين «رغبة السلام» و«مصلحته». فالإرادة الشعبية السودانية، المثقلة بالتعب والإنهاك، وصلت إلى حدّ شبه إجماعي على ضرورة إنهاء الحرب. غير أن هذه الإرادة، رغم كثافتها الأخلاقية، تظل خارج معادلة القرار العسكري المباشر. في المقابل، تتحرك إرادات الفاعلين المسلحين والإقليميين داخل منطق مختلف، حيث تُحسب الكلفة والعائد وفق ميزان القوة لا ميزان المعاناة.
هنا تتضح أهمية ما يمكن تسميته بـ«هندسة النضج»: أي التدخل في شروط تشكّل «نقطة التوازن المؤلمة» نفسها، عبر أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية تجعل استمرار الحرب أقل جدوى، وتزيد من وضوح خيار التسوية. فالضغط الدولي المنسق، في ضوء مقاربة زارتمان، لا يعمل كعامل أخلاقي، بل كآلية لتسريع إدراك الانسداد، عبر رفع الكلفة على المعرقلين، وتقييد مسارات التمويل والحركة، وإعادة ضبط بيئة القرار.
لكن الضغط وحده لا يكفي. إذ يشدد زارتمان ضمنياً على شرط مكمل: وجود «مخرج موثوق». فالأطراف لا تغادر الحرب فقط لأنها مؤلمة، بل لأنها ترى بديلاً قابلاً للحياة. وهنا يصبح تصميم المسار الانتقالي—بضماناته السياسية والأمنية—جزءاً من عملية النضج نفسها، لا مجرد نتيجة لها.
من هذا المنظور، فإن الفاعل المدني في السودان لا يُفترض أن يبقى في موقع التعبير عن الرفض الأخلاقي للحرب، بل أن يتحول إلى جزء من «هندسة البديل»: صياغة رؤية انتقالية قابلة للتطبيق، بناء كتلة سياسية متماسكة، والمشاركة في تعريف شروط الخروج من الحرب، لا الاكتفاء بوصفها.
في المحصلة، لا يقدم زارتمان تفسيراً نهائياً لنهاية الحروب، بقدر ما يقدم عدسة لقراءة لحظة الانعطاف. والسودان اليوم، وفق هذه العدسة، لا يقف خارج منطق النضج، بل على حافته: الألم مكتمل، لكن الإدراك السياسي لم يكتمل بعد. وبين الاثنين، تتحدد مسافة الزمن السياسي، لا الزمن التاريخي.
إن السلام، في ضوء هذه القراءة، ليس حدثاً قادماً من المستقبل، بل احتمالاً يُصنع داخل اللحظة، حين يُعاد تشكيل الإدراك، وتُهندس المصلحة، وتُضبط الكلفة، بحيث يصبح الاستمرار في الحرب خياراً غير عقلاني—لا أخلاقياً فقط، بل بنيوياً.
هامش تعريف بالكتاب والمؤلف
[1] William Zartman, Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyondيُعد هذا الكتاب من الأعمال المؤسسة في أدبيات تسوية النزاعات، حيث يطرح الباحث William Zartman، وهو أستاذ أمريكي بارز في دراسات العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، مفهوم «نقطة التوازن المؤلمة» (Hurting Stalemate) بوصفها اللحظة التي يصل فيها أطراف الصراع إلى إدراك متزامن بأن استمرار الحرب أصبح أكثر كلفة من التفاوض على تسوية.
ينطلق زارتمان من فرضية أن الحروب لا تُحل فقط عبر الوساطة أو الضغوط الخارجية، بل عبر نضج داخلي في إدراك الأطراف لطبيعة المأزق الذي هم فيه. ويحدد شرطين أساسيين لحدوث هذا النضج:
وصول الصراع إلى حالة انسداد غير قابلة للحسم العسكري.
إدراك الأطراف أن هناك مخرجاً تفاوضياً قابلاً للتطبيق.
ويُعد زارتمان أحد أبرز منظّري العلاقات الدولية في مجال تسوية النزاعات، وقد أسهمت أعماله في تطوير فهم “توقيت السلام” بوصفه عنصراً حاسماً في نجاح أو فشل عمليات الوساطة والتحول من الحرب إلى التفاوض
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم