ندوة الدبلوماسين بلندن … طوقت الحضور بالدهشة والحيرة .. بقلم: إبراهيم سليمان

 


 صوت من الهامش

 

 

 أورد المتحدث الرئيسي وزير خارجية الإنتفاضية الدبلوماسي إبراهيم طه أيوب في مستهل حديثه لندوة محضورة أقيمت بلندن يوم الأحد الماضي 12 يوليو 2009 ، أورد توصية عتيقة ، غاية في الأهمية فيما يتعلق بعلاقة دارفور وإستقرار بقية أقاليم السودان ، حيث ذكر أن إتحاد طلاب جامعة الخرطوم قدم دعوة للمؤرخ البريطاني البروفسور آرنولد تويني ، خلال زيارته لجامعة الخرطوم منتصف الستينيات لتقديم محاضرة تُرك له إختيار عنوانها ، فكانت المفاجأة أن إختار دارفور موضوعا للمحاضرة ، وكانت الدهشة ما خلص إليه إن دارفور هي صُرة السودان ، وإن أراد السودانيون الحفاظ عليه ، عليهم الحرص على أمن وسلامة دارفور.

 

 

الندوة أعدتها منظمة المجتمع المدني السوداني التي يرأسها الدكتور صلاح البندر بمناسبة مرور عشرون عاماً على إستيلاء نظام الإنظاذ على السلطة ، ويعتبر بحق ندوة الدبلوماسيين ، تقديما ومشاركة ، حيث شارك فيها عدد مقدر من  عمالقة (مرافيت) الدبلوماسية السودانية ، إن جاز التعبير ، المحالين للصالح العام ، أدارها بحنكة وإقتدار السفير (م) فاروق عبد الرحمن عيسى ، الوكيل الأسبق لوزارة الخارجية ، ومحدثها الرئيسي وزير خارجية الإنتفاضة السفير إبراهيم طه إيوب وشارك فيها السفير محمد بشير أحمد (عبد العزيز الصاوي) والدبلوماسي الحارث إدريس ، وختمها بعد مداخلة ثرة السفير والشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم بقصيدة أكتوبر الأخضر ، وشارك فيها أيضا سياسيين من الوزن الثقيل ، الدكتور علي الحاج ، الأستاذ محجوب عروة ، والدكتور جبريل إبراهيم ، كماندر الإستخبارات هاشم بدر الدين ، هذه الندوة لم يتخلف عنها أحد من ممثلي التنظيمات السياسية والحركات الثورية بمدينة الضباب.

 

 

وقت تقديم نصيحة (آرنولد) ، أراضي الإقليم كانت في حالة همود تام ، من الناحية الأمنية ، ولعل مكمن تنبيه البروفسور آرنولد تويني المبكر إلى إهمية الحفاظ على إستقرار الإقليم ، مرده إهتمامه العميق كمؤرخ غربي بتفسير التاريخ الإجتماعي للشعوب  القادرة على إحداث تغيير وجهة التاريخ ، إستنادا على إرثها السياسي ، وإستجابة لجيناتها الحضارية ، الإنجليز سادوا العالم إنطلاقا من مثل هذه التحليلات ، فقد تمكنوا من حكم شبه القاهرة الهندية و التي تقتنها 300 مليون نسمة بـ 60 ألف جندي فقط ، ولمدة ثلاثمائة عام ، نصيحة دوبي ليست نبوءه تحققت ، إنما تحليل علمي ، إنشغل عنه حكام السودان بالسلطة الصولجان.

 

 

في منتصف الستينيات نشأت التنظميات السياسية الدارفورية ، اللهيب الأحمر وجبهة نهضة دارفور كثمرات ناضجة لأول جيل من أبناء الأقليم ، سنحت لهم الفرصة الإحتكاك بالطبقة المستنيرة من أبناء السودان ، في بوتقة المراحل التعليمية الوسطى والعالي ، على الفور إستعادوا مقاعدهم النيابية من أبناء المركز وطالبوا بحقوقهم السياسية بمعايير مساهمة مواطنوهم في صنع تاريخ السودان حديثا وقديما ، تلك الثمرة أخذت موقعها بين القوى السياسية المركزية ، وإن لم يلتفت إليها أحد ، إلا أنها إستمرت في التدحرج ، ليلتف حولها كل ناتج جديد من الأجيال ، إلى أن أوشكت سد طرقات الحياة العامة ، وكادت إن تعطل الحياة السياسية في البلاد في الوقت الراهن ، وحسانا تذكر الجيل الذي حضر الندوة ، وأغلبهم في سدة الحكم الآن نصيحة البروفسر آرنولد تويني تلك قبل فوات الأوان ، قفد أمن على الرواية الدكتور على الحاج الذي كان أكبرهم سنا وقتذاك.

 

 

للإبقاء على دارفور ضمن خارطة السودان مستقبلا ، يجب الإتعاظ من تجربة جنوبنا الحبيب ، فقد طالب ساستها الأجلاء بالحكم الذاتي قبل الإستقلال ، وكان شرطهم الوحيد للإنضمام لركب الإستقلاليين ، ولم يحصلوا عليها إلا عبر فوهة البندقية خلال إتفاق أديس أبابا عام 1972 ، ولو لا النكوث عنها لما كفروا بالوحدة ، حينما تمكنوا من فرض رؤيتهم على ساسة الشمال مرة أخرى في نيفاشا 2005م ، تجاوزوا الفدرالية والكنفدرالية إلى تقرير المصير ، الشي نفسه الأرجح تكراره مع دارفور ، لذلك عملا بنصيحة المؤرخ بروفسر آرنولد تويني ، من وجهة نظري ، إن أراد أهل المركز إختصار الأوجاع ، لا أقول أمنحوا الإقليم الحكم الذاتي ، وإنما أقول أعيدوا لإقليم دارفور الموحد الحكم الذاتي ، عبر توقيع تروتكول خاص به ، في إطار الدولة السودانية الديمقراطية الإتحادية ، فقد كانت إمارة مستقلة ، وهو آخر جزء ينضم لخارطة السودان الحالية.

 

 

وهذا ما يجب على ساسة دارفور الشرفاء وثواره الأشاوس المطالبة به ، كمطلب إستراتيجي ، لما بعد نظام الإنقاذ المحتضر الآن ، إن قبلوا بالحكم الإتحادي حتى في أبهى تجلياتها ، كما جاء في إتفاق حزب الأمة القومي وحركة العدل والمساواة مؤخرا ، فالمتوقع القيام بعملية ترقيع وصيانة للحكم الإتحادي الحالي ، بتقديم وصفة معممة لكافة أقاليم السودان ، دون مراعاة خصوصيات البعض ، ومنح الأقاليم المزيد من الصلاحيات  والطبطبة الوظيفية ، لا يعصم نواب الأقاليم من ضغوطات رؤساء أحزاب المركز وإبتزاز زملائهم من داخل البرلمان ، وفي نهاية المطاف يكتشفون أن الحكم الإتحادي ، it doesn’t work كما يقول الإنجليز ، ولا يرضي تطلعات أهل الإقليم ، مجرد التلميح بذلك يكفي إطلاق شرارة أخرى من التمرد.

 

 

الإقليم محتاج إلي إطلاق أيدي أبناءه لترتيب أولوياتهم الأمنية والتنموية ، وإختيار مصادر التمويل المناسبة لتنفيذها ، وتذليل كافة الصعاب في طريق رفاهية مواطنيه ، وإخطار السلطات المركزية للعلم وإتخاذ اللازم فقط ، في ظل الحكم الذاتي ، على سبيل المثال ، السلطات الإقليمية غير معنية بقطع الحكومة المركزية لعلاقاتها الدبلوماسية مع الجارة أفريقيا الوسطى ، ولا ينتظر منها أحد قفل الحدود معها أو منع التبادل التجاري بإغلاق ميناء إم دافوق الحدودي لتتعطل معايش الناس ، الحكومة الإقليمة ليست معنية ، بفض إئتلاف حكومة أو حتى إعلان حالة الطوائ بالمركز ، ليست لدينا الإستعداد للمساهمة في سداد مثل هذه الفواتير الإعتباطية مستقبلا ، الحكم الذاتي نعرفه ويعرفنا ، وهو حق يجب إعادته لأصحابه.

 

 

وزير خارجية الإنتفاضة السفير إبراهيم طه إيوب ، قال ( كفاية كِدا ، 20 سنة حكم ، الناس ديل لازم يمشوا) بلكنة محسية محببة ، وشبه الوضع الحالي للبلاد بمرحلة إضمحلال الدولة الأموية ، ولم يبق (ى) سواء قدوم القائد الهمام أبو مسلم الخرساني لإعلان الدولة العباسبة (القومية) ، لم يتفضل سيادته بتفنيد الكيفية ، ولم يوصف لنا ملامح القائد أبو مسلم الخرساني المنقذ المنتظر ، وللعلم القائد الأسطوري التاريخي المعني ، أسمه الحقيقي إبراهيم ، أرسله أبو العباس السفاح للدعوة لدولة بني العباس بخراسان ، قيل أنه كردي ، يعني من الأغلبية المهمشة وقتئذ ، جمع بين البأس والكرم ، إستقبله حشود مهوله عند قدومه ، وزاحم حاشيته ، حاشية الخليفة المنصور في الحج فأسرها له ، ودبر إغتياله وهو في ريعان شبابه ولم يتجاوز الـ 37 عاما كما يروي التاريخ.

 

 

من مفاجآت الندوة ذكر كوماندر الأسرار هاشم بدر الدين ، كأحد قادة الحركة الشعبية الذين نفذوا عملية إحتلال بلدة همشكويب بشرق السودان قبيل أن يجبروا للجلوس لمحادثات نيفاشا على حد قوله ، أن أطفال هذه الخلوة المشهورة ، ليس من بينهم طفل واحد من الخرطوم أو الأوسط أو الشرق ، جميعهم من أطفال دارفور وكردفان ، ومنهم من يقول أنه مختطف ، ما نستنتجه من حديثه أنهم يتعرضون للأدلجة المبكرة ، وأن مشايخ الخلوة يتكسبون بهم ، ويجب إعادتهم لخاوي جبل مرة والزريبة ، وفي سياق الإتهامات الموجهة لحركة العدل والمساواة بأنها جناح عسكري لحزب المؤتمر الشعبي ، كشف الكماندر مضطرا على حد قوله ، أن  شخصيات من حزب المؤتمر الشعبي إلتقت بوفد من الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2002م بجنيف وطلبت منهم تدريب قوات خاصة بهم رفضت من قبلهم ، وقد طالب الدكتور على الحاج بفرصة لتصحيح هذه المعلومة لم تمنح له ،  والمفاجأة الثالية أيضا من الشرق ، حيث ذكر ممثل البجا الأستاذ سليمان ضرار ، إن حكومة الإنقاذ منحت مدنية سنكات خمس دوائر إنتخابية ، بينما قدرت مدنية بورتسودان بدائرتين إثنتين فقط ، كشهادة على تلاعب سلطات النظام بنتيجة التعداد السكاني.

 

 

شاعر إنتفاضة أكتوبر المجيدة السفير ود المكي ، إستبعد تتحقيق الشرط الازم لحدوث إنتفاضة لإستحالة الإجماع الوطني ، الأستاذ محجوب عروة قرع ناقوس الخطر المحدق بالبلاد بشكل مزعج للغاية ، ونصح بإستعمال العقل بإلحاح ، في حين أن دكتور جبريل إعتبر الرهان على الإنتخابات مضيعة للوقت ، بينما دافع ممثل حزب الأمة القومي الشاب المفوه محمد زين عديلة عن رهان حزبه على الوسائل السلمية ، السيد يحي بشير بولاد ، الناطق الرسمي لحركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد نور عزز نصيحة البروفسير آرنولد تويني مؤكدا أن سلطنة دارفور سابقة للسلطة الزرقاء وهي أصل السودان ، صفق له الحضور ، ممثل الحركة الشعبية السيد مارتن تحفظ على الفراغ الدستوري … منصة الندوة تركت الحضور وسط هذه الحيرة ، وخرج الجميع كل يده على ظهره ، يتأمل الرصيف ، ويحادث نفسه.  

 ibrahimbasham@yahoo.com  


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات