نساء السودان.. كيف يرسمْن طريق السلام؟

منتدى الإعلام السوداني: أميرة محجوب: بورتسودان، 25 أبريل 2026 (مركز الألق للخدمات الصحفية)- لم تكن الورش النسوية التي اختُتمت في أبريل 2026 حدثاً معزولاً، بل جاءت امتداداً لمسار متدرّج بدأ منذ سبتمبر 2024، حين أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بالتعاون مع شركائها، أولى حلقات بناء قدرات النساء السودانيات في مجالات الحوار، الوساطة، والتفاوض.

ففي الفترة من 9 إلى 12 سبتمبر 2024، شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا انطلاقة هذا المسار عبر ورشة تدريبية جمعت مشاركات حضورياً وأخريات عبر الإنترنت من بورتسودان، ركّزت على تزويد النساء بالمهارات الفنية اللازمة للمشاركة في عمليات السلام، مع تبنّي منظور جندري يعكس واقع النساء واحتياجاتهن.

تأسيس المسار: من بناء القدرات إلى تشكيل الرؤية

وضعت تلك الورشة الأساس المعرفي، حيث خرجت المشاركات بفهم أعمق لتعقيدات عمليات السلام، وأهمية إدماج قضايا النوع الاجتماعي في مسارات التفاوض. كما أسهمت في بناء شبكات تواصل بين إعلاميات وناشطات ومحاميات، في ظل تحديات بنيوية، أبرزها التهميش والتمييز والعوائق الاجتماعية.

هذا التراكم المعرفي تُرجم لاحقاً إلى سلسلة من خمس دورات تدريبية امتدت من ديسمبر 2024 حتى أبريل 2026، بقيادة خبيرات سودانيات وأخريات. نقلت المشاركات من موقع التلقي إلى موقع الفعل، وأسهمت في بلورة ورقة تفاوضية نسوية موحّدة تعكس أولويات النساء في السودان.

من الهامش إلى مركز التأثير

أحد أبرز تحولات هذا المسار تمثّل في انتقال النساء من متلقيات للتدريب إلى فاعلات في صياغة أجندة السلام. فقد ركزت الورقة التفاوضية على قضايا محورية تشمل: المشاركة السياسية، الحماية، العدالة، الوضع الإنساني، والتمكين الاقتصادي، مع المطالبة بتمثيل لا يقل عن 50% للنساء في جميع مستويات التفاوض.

برلين 2026: من التدريب إلى طرح الحلول

وفي تطور لافت، لم تتوقف مخرجات هذا المسار عند حدود التدريب أو التنظير، بل وجدت طريقها إلى المنصات الدولية. ففي مؤتمر برلين للمساعدات الإنسانية للسودان المنعقد في 15 أبريل 2026، قدّمت مجموعة من النساء السودانيات، من خلفيات ثقافية وسياسية وجغرافية متنوعة، ورقة متكاملة لخفض التصعيد، عكست نضج هذا المسار وتحوله إلى أدوات ضغط ومناصرة فعلية.

ديباجة نسوية: خفض التصعيد كضرورة إنسانية

أكدت المشاركات في ورقتهن أن الحرب، التي دخلت عامها الرابع، فرضت واقعاً إنسانياً كارثياً على النساء والفتيات، ما يجعل خفض التصعيد ضرورة عاجلة، ليس فقط لاحتواء الأزمة، بل لفتح الطريق نحو سلام مستدام قائم على العدالة الجندرية.

وشددت الورقة على أن خفض التصعيد يمثل الخط الفاصل بين استمرار الانهيار وإمكانية استعادة الاستقرار، عبر وقف العنف، وخلق مساحة للحوار، وضمان حماية المدنيين، خاصة النساء والفئات الأكثر هشاشة.

مناطق ملتهبة… وأولوية للتدخل

حددت الورقة خمس مناطق رئيسية لخفض التصعيد، هي: دارفور، كردفان، النيل الأزرق، جنوب كردفان، وغرب كردفان، باعتبارها الأكثر تضرراً من النزاع. وأشارت إلى تصاعد العنف ضد النساء، وانهيار الخدمات الصحية، وتفاقم الحصار، مما أدى إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال، وتدهور سبل العيش.

مطالب واضحة… ورسائل مباشرة

طرحت النساء حزمة من المطالب، أبرزها: الوقف الفوري للقصف الجوي والمدفعي وفك الحصار عن المدن. فتح ممرات إنسانية آمنة، وإشراك النساء في تخطيط وتوزيع المساعدات. إنشاء آليات لرصد وتوثيق العنف القائم على النوع الاجتماعي. ضمان وصول النساء إلى الخدمات الصحية والقانونية، خاصة الناجيات من العنف. حظر تجنيد الأطفال، وإخلاء المرافق المدنية من الوجود العسكري. إشراك النساء في عمليات خفض التصعيد والمراقبة والتنفيذ. إطلاق سراح المعتقلين تعسفياً وتبادل الأسرى كخطوة لبناء الثقة. دعم مبادرات الوساطة النسوية المحلية، وتعزيز دور الإعلام في المناصرة.

كما دعت الورقة إلى ربط خفض التصعيد بعملية سياسية شاملة تضمن مشاركة النساء بالمناصفة، مع مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات للحد من تدفق السلاح وفرض عقوبات على المستفيدين من اقتصاد الحرب.

توصيات مستمرة… ومسار لم يكتمل

رغم هذا التقدم، ظلّت التوصيات التي رافقت هذا المسار منذ بدايته حاضرة، وعلى رأسها: توسيع قاعدة المشاركة النسوية، توفير الحماية للنساء في العملية التفاوضية، دعم وتمويل المبادرات النسوية، وبناء تحالفات أوسع، بما في ذلك مع الرجال الداعمين.

خلاصة المشهد

ما بين ورشة كمبالا في 2024 ومؤتمر برلين في 2026، يتضح أن النساء السودانيات لم يكتفين بالمطالبة بالمشاركة، بل عملن على بناء أدواتها وصياغة أجندتها، ونقلها من قاعات التدريب إلى منصات التأثير الدولي.

هذا المسار يعكس تحولاً نوعياً: من التدريب على السلام إلى إعادة تعريفه من منظور نسوي.

وفي ظل تعقيدات المشهد السوداني، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تجد هذه الرؤى طريقها إلى طاولة التفاوض الفعلية؟ لكن المؤكد أن النساء لم يعدن خارج المعادلة. بل أصبحن رقماً صعباً في مستقبل السلام في السودان.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (مركز الألق للخدمات الصحفية)، وهي تتبع لأوضاع النساء السودانيات في الحرب وقدرتهن على التأثير الإيجابي في مستقبل السياسة السودانية. تتناول المادة وقائع ورشة نسائية ممتدة انعقدت على مدى شهور لبناء قدرات النساء السودانيات في مجالات الحوار، الوساطة، والتفاوض، وشاركت فيها إعلاميات وناشطات ومحاميات، تمخضت أخيرا عن رؤية شاملة لخفض التصعيد إنهاء الحرب في السودان.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

إحدى آخر شريانات الإغاثة في السودان: منظمة “متحدة إيد” تُطعم آلاف الأشخاص يوميًا مع تفاقم الأزمة

بيان صحفيللنشر الفوريلا تزال منظمة “متحدة إيد” من بين المنظمات القليلة العاملة داخل السودان، حيث …