نشر القوانين في الجريدة الرسمية .. بقلم: د. مصعب عوض الكريم علي ادريس
25 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
musabawed@hotmail.com
عملية نشر القوانين واللوائح والقواعد والأوامر التشريعية التي تم إقرارها وسنها وتشريعها بعد إصدار الوثيقة الدستورية للفترة الإنتقالية لسنة 2019م، يجب أن تأتي في صدارة اهتمامات حكومة ما بعد الثورة، لأسباب عديدة منها: أن شعارات الثورة تمثلت في (الحرية – السلام – العدالة)، والعدالة تقتضي أن لا يؤاخذ الناس إلاَّ بالقوانين والنصوص السابقة لإرتكاب الجريمة وأن تكون معلومة للجميع علم فعلي ليس علماً افتراضياً، والعلم الفعلي لا يكون إلاَّ بالنشر في الجريدة الرسمية. والشريعة الإسلامية عَملت بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات منذ قرون، لقوله تعالى في محكم التنزيل: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) أي ما كنا مهلكي قوم إلاَّ بعد الإعذار إليهم بارسال الرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم. ومن غير العدالة أن يطبق قانون أو لائحة على أشخاص دون علمهم بالقانون. ولكي تعاقب شخص بجريمة أو تطبق عليه قانون ما يجب أن يكون هنالك نص قانوني ساري المفعول، ويسري مفعول القانون او النصوص بعد النشر في الجريدة الرسمية وفقاً لما نص عليه قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م. والجريدة الرسمية هي ما يعرف بالغازيتة (gazette) ويقصد بها: الجريدة الرسمية لحكومة جمهورية السودان أو الجريدة الرسمية الولائية.
والعدالة لا تتحقق ولا تكون إلا بامتثال الجميع سواء كانوا حاكمين أو محكومين وخضوعهم لحكم القانون، حيث نصَّت المادة (6/1) من الوثيقة الدستورية للفترة الإنتقالية لسنة 2019م على أن:(يخضع جميع الاشخاص والهيئات والجمعيات رسمية وغير رسمية لحكم القانون). وخضوع الأشخاص سواء كانوا أشخاصاً طبيعين أو اعتباريين أو هيئات وجمعيات رسمية وغير رسمية بحكم القانون، يكون بتطبيق القانون والامتثال لأوامره ونواهيه. كمثال نص قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م على ضرورة نشر القوانين بطريقة محددة وفي مكان محدد. لذلك لا تعتبر الجهات الملزمة بهذا النص، قد امتثلت وخضعت لحكم القانون ما لم تطبق ما جاء فيه.
ولتفصيل ذلك نقول: عندما تقوم الجهة المختصة باصدار قانون جديد أو أي تعديلات على قوانين سارية، فإن هذه القوانين أو التعديلات لا تسري في مواجهة الجميع ولا تأخذ المحاكم علماً قضائياً بها الاَّ بعد نشرها في الجريدة الرسمية وفقاً لقانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، حيث نصَّ القانون على أن: (تعتبر النسخة الواردة في الجريدة الرسمية النسخة المعتمدة لأي قانون وتأخذ المحاكم علماً قضائياً بالقانون كما ورد فيها ولا يجوز أن يعتد بأي نسخة أخرى…). وأوجب ذات القانون نشر القوانين في الجريدة الرسمية في ظرف أسبوعين من تاريخ إصدارها، على أن يسري القانون ويعمل به بعد مضي (شهر) من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، مالم ينص في القانون نفسه على تاريخ آخر للسريان. علماً بانه إذا تم نشر القانون أو اللائحة أو القاعدة أو الأمر التشريعي في الجريدة الرسمية، فإنه لا يجوز لأي شخص الدفع بعدم العلم بهذا القانون، ولا يقبل منه هذا الدفع مطلقاً عملاً بقاعدة الجهل بالقانون ليس بعذر.
وإذا صدر قانون أو لائحة أو قاعدة أو امر تشريعي، ولم ينص فيه على موعد سريانه، فأن على الجهة التي أصدرت القانون أن تقوم بنشره خلال اسبوعين من تاريخ اصداره، ويسري ويطبق على الأشخاص بعد مضي (شهر) من تاريخ اصداره. أما إذا صدر قانون أو لائحة أو قاعدة أو امر تشريعي وجاء في أحدى مواده بأن يسري هذا القانون فوراً بعد نشره في الجريدة الرسمية فإن تاريخ نشره في الجريدة الرسمية هو تاريخ سريانه. علماً بأن النشر في غير الجريدة الرسمية، لا يعتبر علماً بالقانون، لذلك لا يجوز أن يُنشر القانون في الصحف العادية أو صفحات مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق التطبيقات مثل الواتس آب وغيره. في قضية حكومة السودان ضد عبد الوهاب محمد وآخرين حيث دفع المتهمين بجهلهم بالأمر الصادر والمنشور بـ “جريدة كردفان المحلية” قضت المحكمة أنه يجب أن يعلم الشخص أن أمراً ما قدر صدر فعلاً، وبرأت المحكمة المتهمين رغم إعترافهم بالفعل الصادر بالأمر عنه، والمبدأ أن التشريع الفرعي المنشور في صحيفة محلية يتطلب العلم الفعلي وليس العلم الإفتراضي، والعلم الفعلي والحقيقي يكون بالنشر في الجريدة الرسمية وليس في الصحف المحلية.
وزارة العدل هي الجهة المناط بها نشر القوانين بالجريدة الرسمية، والجريدة الرسمية تتبع ماليا ودارياً وفنياً لوزارة العدل” شعبة نشر القوانين ومراجعتها”، وفي اعتقادي وحسب ظاهر الحال لا توجد آلية محددة وإجراءات متبعة اضطرادياً في عملية النشر، لذلك قد يضطر الشخص سواء كان مواطناً عادياً او محامياً او باحثاً قانونياً عند حاجته لقانون أو لائحة أو أمر تشريعي الى مخاطبة وزارة العدل للافادة عن نشر القانون في الجريدة الرسمية. وهذه طريقة بدائية وغير عملية ولا تفيد علم الجميع بالقوانين واللوائح، ولا يجوز لوزارة العدل ان تقوم بنشر قانون في الجريدة الرسمية التي تشرف عليها وتتبع لها، أو تلصقه في لوحة اعلانات الوزارة، أو تضعه في خزانات الوزارة، أو في ادراج المكاتب لديها، وتعتبر بذلك قد قامت بنشر القانون وتفترض علم الكافة به. مالم تكون الجريدة الرسمية متاحة للكافة.
كانت وزارة العدل قد خصصت في موقعها الالكتروني صفحة باسم (الجريدة الرسمية) نشرت فيها نسخ محدودة من الجريدة الرسمية كان آخرها النسخة التي تحتوي على الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م وبعض الأوامر الاستثنائية (اوامر الطواري) وغيرها، لكن توقف النشر بعد ذلك دون اسباب معروفة، علماً بانه صدرت قوانين واوامر طواري ولوائح عديدة ولم تنشر في موقع وزاترة العدل الالكتروني، ولم يتم اتاحتها للجمهور المخاطب بالقوانين واللوائح والاوامر للاطلاع عليها، ومن ضمن هذه القوانين قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م وازالة التمكين لسنة 2019م، علماً بان هذا القانون طبق فعلاً ويعمل به مما يعني انه نشر في الجريدة الرسمية، وهنالك انباء عن تعديله مؤخراً، علماً بانه لا توجد نسخة اصلية متاحة تفيد نشر القانون في الجريدة الرسمية رسمياً. وتجارب الدول فيما يتعلق بـ “الجريدة الرسمية” متقدمة ومتطورة جداً، علما بأن انظمتها القانونية ليست راسخة أكثر من النظام القانوني السوداني. يمكن لوزارة العدل الاطلاع على هذه التجارب من أجل اتاحة القوانين للكافة، وبناء دولة المؤسسات التي تقوم على العدالة وحكم القانون. ومن أجل تفعيل حق المواطن في الحصول على المعلومات الوراد في قانون حق الحصول على المعلومات لسنة 2015م.