نقد الأستاذ عبد العزيز الصاوي لمقالاتي حول الالويات المقلوبة (2-2) .. بقلم: صديق الزيلعي
20 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
95 زيارة
اواصل الحوار مع نقد القراء لمقالاتي حول الانتخابات والالويات المقلوبة. وأقوم اليوم بنشر الجزء الثاني من حواري وملاحظاتي حول الطرح الموضوعي والنقد القيم للأستاذ عبد العزيز الصاوي.
كتب الأستاذ الصاوي: “هذا من ناحية ومن ناحية اخري هذا التكتيك التجميلي من قبل النظام ليس فعالا الى درجه تجعل منه حجة قوية لرفض فكرة الاشتراك في الانتخابات لان الاطراف الدولية والاقليمية التي تتعامل مع النظام لا تفعل ذلك متأثرة بفعالية تكتيكه حول الممارسة الديموقراطية بل لأنها لا تري بديلا له في الافق وهي تشاهد يوميا مظاهر عجز المعارضة مجسدة في تعدد مراكزها وتشتت مكونات الحياة الحزبية والسياسية، فضلا عن ان الداعين لدخول الانتخابات لن يقايضوا موافقتهم على الاشتراك بالسكوت عن ممارساته المناقضة لادعاءاته”.
من وجهة نظري، أرى أن تعامل الأطراف الدولية مع النظام ليس بسبب قوته وانما لأنه يلبي مصالحها، واحتياجاتها الطاغية حول الهجرة الى اوربا، وحول التعاون المخابراتي خاصة حول الإرهاب. واضطرت لذلك التعامل لأن النظام هو سلطة الامر الواقع في السودان، إضافة الى ان ضعف المعارضة وانقساماتها أضاف بعدا جديدا لتعامل المجتمع الدولي مع السلطة. هذا جانب من الصورة، اما الجانب الاخر من الصورة فهو أثر جماعات الضغط في الغرب على حكوماتها. فالحكومات الغربية تتأثر بضغوط جماعات حقوق الانسان، والنواب، والأحزاب السياسية المعارضة، والنقابات. لذلك تتهيب الظهور بمظهر التعامل والتعاطف مع الحكومات الغير ديمقراطية، لذلك ظهور النظام الخادع بمظهر الديمقراطي يساعد تلك الحكومات في تبرير تعاملها معه امام شعوبها. نعم، بعض من يدخل الانتخابات لن يقايضوا مواقفهم. ولكنن لسنا بصدد الاتهام لهم بمقايضة مواقفهم، ولكن بأثر مواقفهم، التي اتخذت بحسن نية، في مد ماكينة النظام الإعلامية بمواد للتضليل وتحسين الصورة الكالحة.
أسال الأستاذ الصاوي: فلنفرض جدلا ان 100 معارض نجحوا في دخول البرلمان الجديد فماذا سيكون أثرهم؟ علما بان نواب حوار الوثبة الذين عينوا في البرلمان في اطار المحاصصات ذكروا ان رئيس البرلمان يتجاهلهم. كما منع الصحفيين من تغطية جلسات البرلمان بسبب تغطيتهم. وهو نفس ما تكرر بعد اتفاقية السلام وأسلوب تغطية اراء النواب. ويمكن تعداد الأمثلة التي توضح ان حزب المؤتمر الوطني لن يسمح بمعارضة حقيقة، وسيعزل من يعارض عن الاعلام وعن الرأي العام. دعك من كل هذا الم يحل البشير البرلمان خلال ما سمي بالمفاصلة الشهيرة مع الترابي. من الذي يمنعه من فعل ذلك مرة أخرى ، علما بانه يملك كامل السلطة لفعل ذلك.
كتب الأستاذ الصاوي: “إن نزع هذا السلاح الدعائي، على ضعفه، من يد النظام غير ممكن إلا بإزالة المسبب الحقيقي وراءه وذلك بإعادة النظر الجذرية في استراتيجية المعارضة، بما يؤدي الى إنجاز الهدف الكلي وهو تصفية النظام من جذوره بتأسيس ديموقراطية مستدامة لكونه، في الجوهر، تجسيد للاستبداد. هذا ما يفرض على الاختلاف مع النقطة الاساسية في الدراسة حول الاولويات ذاهبا الي ان الاولوية هي لهذه المهمة التي يكمن في التوجه الجدي نحوها إعادة بناء الحياة السياسية وغير السياسية. وفي هذا السبيل شرحت في حدود ما أتيح لي من مقدره أطروحة الديموستناره (الديموقراطية-الاستنارة) القائمة على استحالة تأسيس نظام ديموقراطي دون توفر قدر من انفتاح الذهن العام أنجز اوروبيا من خلال عصر التنوير ويتحتم علينا إنجازه بأبداع عصر تنويرنا الخاص من خلال التعليم والمجتمع المدني. تأخر إنجاز هذه المهمة حتى الان هو العامل الرئيسي وراء توالي الشموليات وعجز المعارضات عن إيقاف تكرارها مما أفضي الى انتاج نظام شمولية الشموليات ووجهه الاخر وهو أضعف المعارضات تأثيرا”.
النقطة الجوهرية للأستاذ الصاوي في هذه الفقرة هي ” ان الاولوية هي لهذه المهمة التي تكمن في التوجه الجدي نحو إعادة بناء الحياة السياسية وغير السياسية “… ” ويتحتم علينا إنجازه بأبداع عصر تنويرنا الخاص من خلال التعليم والمجتمع المدني”. وهي نقاط اتفق معها من ناحية مبدئية، ولكن ما يشغلني، حاليا، كيف يتم ذلك. ومن اجل ذلك ركزت في مقالاتي على العمل وسط النقابات والأحزاب والمجتمع المدني ونشطاء الخارج كخطوة أساسية لتغيير ميزان القوى لصالح المعارضة، ولإنهاء الإحباط الذي تعيشه قطاعات من شعبنا. ونسأل الأستاذ الصاوي ما دور المشاركة في الانتخابات في تحقيق إعادة بناء الحياة السياسية وغير السياسية. وبصيغة أخري هل نعمل لتحقيق إعادة بناء الحركة السياسية أولا كأولوية ليكون لنا القدرة مستقبلا على خوض معارك انتخابية حقيقية وفاعلة ومؤثرة، أم العكس حيث سنخوض انتخابات 2020 في ظل ضعفنا وتشتتنا الراهن؟
كتب الأستاذ الصاوي: ” الحديث الرائج عن ان الانظمة الدكتاتورية عجزت عن القضاء علي الاحزاب فيه إنكار لواقع انها جميعا اضعف كثيرا مما كانت عليه من قبل، والاهم من ذلك، فيه تركيز علي ( فشل) سياساتها القمعية المباشرة وتجاهل لأخطر ما ترتب علي تلك السياسات وهو الايل الى تراكم مصادر القوة الحقيقية لهذه النوعية من الانظمة : تشويه النظام التعليمي والمجتمع المدني ، المصدر الرئيسي للانفتاح العقلي والتنمية الديموقراطية، قفل مجال التفاعل الفكري والسياسي داخليا ومع الخارج، تعطيل نمو الطبقة الوسطي ، بعبارة أخري تدمير كافة الشروط اللازمة لنشوء قوي معارضة فعالة تغييريا كما كيفا. الدلائل على ذلك واضحة في توجه نخب الهامش الى شق طريقها الخاص للمعارضة وانصراف الثقل الاساسي لقطاع الشباب الى التدين السلفي و/أو السطحي ونقيضه اللامبالي “.
هذا تحليل موضوعي وواقعي وصادق، والعمل على مواجهته وتغييره واجب يهمنا ويشغلنا جميعا. ولكن في إطار حوارنا الحالي حول انتخابات 2020، يكون استفسارنا للأستاذ الصاوي كيف تغير المشاركة في انتخابات 2020 من الواقع أعلاه والموصوف بشكل جيد. هل ستغير المشاركة الدمار الذي شمل الأحزاب والتعليم والمجتمع المدني والطبقة الوسطى، والشباب والتدين السلفي؟ وإذا نجح النظام، كما طرح الأستاذ الصاوي، في ” تدمير كافة الشروط اللازمة لنشوء قوى معارضة فعالة “. فمن اذن الذي سيشارك في الانتخابات القادمة ويغير نتيجتها لصالحه.
كتب الأستاذ الصاوي: ” أتجرأ على إبداء التناقض مع تحليك الضافي والتفصيلي، متسائلا: لماذا لم تتحقق اطروحة الالتقاء على الحد الأدنى بين المعارضين على بداهتها واهميتها طوال هذه المدة؟ النوايا والاستعداد والشعور بالأهمية متوفر بكثرة ولكن المفقود في رأيي هو عدم الاهتداء الي سر الهشاشة النوعية للمعارضة الذي يقود الي ضعفها الكمي. الشاهد ان الاختلافات مردها عدم معرفة السبب الحقيقي لفشل الجهود والتضحيات ومن ثم نسبته لأخطاء، وحتى نوايا، الاطراف المعارضة الأخرى مما يتعذر معه العمل المشترك بينها ويصرف الانتباه بعيدا عن إعادة تأسيس العمل المعارض بما يزيل مصدر الاخفاق المزمن ويحقق هدف الالتقاء على الحد الأدنى”.
بهذه الفقرة طرح الأستاذ الصاوي قضية جوهرية، تشكل كعب أخيل المعارضة، وهي فشلها في التوحد وعدم معالجة أسباب هشاشتها. ولكني أقول ان نفس المعارضة المتكونة من أحزاب هشة توحدت في أكتوبر والانتفاضة وفي التجمع الوطني الديمقراطي، ولكنها تراجعت في السنوات الأخيرة، وصار الانقسام والتشرذم صفتها الأساسية. علينا البحث في العوامل الذاتية والموضوعية التي أدت لذلك التشتت في السنوات الأخيرة، وحينها، حينها فقط، نضع اصبعنا على أصل الداء، وهو ما يشكل الخطوة الاولي في الإصلاح. وأسأل الأستاذ الصاوي الذي وصف في فقرة سابقة قوى الهامش بانها شقت طريقا خاصا ومنفصلا للمعارضة، وذلك صحيح، ولكن لماذا عانت قوى الهامش، نفسها، من الانقسامات، رغم انها قوى جديدة نبعت من معاناة مواطنيها. هذه القضية تضعنا امام تحدي حقيقي، ان نقوم بدراسة باطنية موضوعية تلتزم بقواعد البحث العلمي لتحديد التغييرات العميقة التي ادخلتها السلطة في بنيات المجتمع السوداني المختلفة، وأثر تلك التغيرات على احزابنا ومنظماتنا ومواقفنا السياسية. وهذا أمر يحتاج لجهد أتيام من المتخصصين.
كتب الأستاذ الصاوي:” صحة هذه الرؤية تعني إن كل ما يترتب على نقيضها في هذه الدراسة الهامة والثرية قابل لنقاش مختلف. اضرب المثال هنا بموضوع النقابات لأهميته بصورة عامة، كأهم أشكال المجتمع المدني فيما يتعلق بالانتفاضات ضد الدكتاتوريات. حتى لو صح ما ورد في الدراسة حول انتفاء علاقة نشوء النقابات بالأحزاب، وهو امر يحتمل النقاش في حد ذاته لان الحزب الشيوعي كان المبادر الاول إن لم يكن الوحيد بالنسبة للنقابات العمالية بالذات، فأن مما لا شك فيه ان صعود العمل النقابي تزامن مع صعود الحركات والتيارات الحديثة اليسارية وشبه اليسارية وهو الوجه الاخر لحقيقة حيوية القوي الاجتماعية الحديثة خلال منتصف اربعينات القرن الماضي وحتى منتصف السبعينيات تقريبا، التي اضحت معدومة الان. وكما هو الحال بالنسبة للمعارضة السياسية فأن اضمحلال وزن النقابات وسهولة وقوعها تحت سيطرة الحكومة، مع استمرار ذلك طوال هذه المدة رغم تصاعد سياساتها اللافقارية الشاملة للعمال وغير العمال، يعود الى اضمحلال وزن قوي التغيير الحقيقي ولا سبيل لاستعادة حيوية العمل النقابي إلا في سياق توجه حاسم نحو إعادة تأسيس استراتيجية المعارضة بما يحقق هذا الهدف “. (24 أغسطس 2018)
الحقيقة التاريخية ان هيئة شئون العمال (اول نقابة في تاريخ السودان) ظهرت للوجود في عام 1946 مع الحزب الشيوعي في نفس الوقت، مما يعني انها نشأت بمبادرة عمالية بحتة، لعب الشيوعيون دورا كبيرا فيها ولكنهم لم يؤسسوها. وهذا لا ينفي الدور المتميز الذي لعبه الشيوعيون في قيادة نقابة السكة الحديد وبقية النقابات العمالية وتقديمهم لكوادر متميزة ومصادمة، مما أدى لارتباط وثيق بين الحزب والحركة العمالية (راجع كتابي عن وثائق هيئة شئون العمال).
نعم، اتفق مع الأستاذ الصاوي، بتزامن صعود العمل النقابي مع تصاعد التيارات اليسارية في القرن الماضي. ويمكننا القول ان الحركة النقابية السودانية هزمت في معارك هامة، ولكنها لم تفقد الحرب. وبالقراءة الحصيفة المتمهلة لما يدور داخل الحركة النقابية السودانية، نرى انها بدأت تتحرك من جديد، رغم انه تحرك بطيء ولكنه متصاعد، وبعض امثلته مواقف عمال ميناء بورتسودان، واضرابات المعلمين وعمال المحليات، وتحركات المهنيين الخ. وهنا يجب ملاحظة ان الحركة العمالية والنقابية نشأت بفعل العامل الذاتي والداخلي، وهو احتياج قواعدها لجسم يقود المفاوضة الجماعية باسمهم. وكان العامل الخارجي (خاصة الأحزاب) عاملا مساعدا أضاف زخما لنشاط العمال المستقل. والمستقبل القريب سيشهد تصاعد جديد مع استمرار واشتداد الازمة الاقتصادية، وتقدم كوادر جديدة لموقع القيادة النقابية. ولا اتفق مع أستاذي الصاوي جول مقولته: “ولا سبيل لاستعادة حيوية العمل النقابي إلا في سياق توجه حاسم نحو إعادة تأسيس استراتيجية المعارضة بما يحقق هذا الهدف “. وأعتقد ان السبيل لاستعادة حيوية العمل النقابي يتم من خلال أعادة تأسيس استراتيجية نقابية جديدة، تتعلم من دروس الماضي، وتقلل من الحمولة السياسية في مخاطبتها للعمال وتركز على قضاياهم المطلبية الأساسية. هذا الطرح لا ينفي الدور الوطني للنقابات وتأثيرها السياسي العام، ولكنه ينبني على ان تركز القيادات النقابية خطابها على مطالب وحقوق العاملين، وهي المدخل لإقناعهم بارتباط حقوقهم بسياسات الدولة ومناهج حكمها. وهكذا سيتطور موقفهم، لاحقا، للمشاركة الجادة في الشأن العام، ودعمهم للتغيير الحقيقي.
أقول بكامل الصدق انني تعلمت الكثير من مداخلة الأستاذ الصاوي وفتح ذهني على جوانب كثيرة كانت غائبة على، أو لمستها لمسا خفيفا. فله كامل التقدير. وأتمنى ان يواصل الحوار لنتعلم المزيد من معرفته وقدرته التحليلية.
siddigelzailaee@gmail.com
//////////////