أصداء الوعي
ادم ابكر عيسي
نقد الممارسة السياسية وأزمات الأحزاب السودانية.
الاعتراف بالخطأ وضرورة المراجعة..
في خضمّ الجدل الدائر حول ما كتبه الأخ مصباح، وردّ الدكتور أمين حسن عمر بشأن خطيئة إجازة قوات الدعم السريع في البرلمان، وما تلا ذلك من ردّ للأستاذة مواهب عضو البرلمان، يبقى الأهمّ في كلّ ذلك هو أنّ الاعتراف بالخطأ يُشكّل خطوة جوهرية نحو بناء مستقبل أفضل. فقد كان ذلك خطأً بالفعل، وربما لم يكن في لحظته مناسبًا لتقديرات الحزب الحاكم الذي نظر إلى جانب واحد من الكوب، متمثّلًا في القضاء على حركات الكفاح المسلح. غير أنّ الدعم السريع، على الرغم من ذلك، فشل في تحقيق هذا الهدف، حتى في معركة فوز دنقوا لم يكن حاضرًا فيها كما رُوّج له، بل كان ما جرى هناك تحليلًا لما صُرف إليه من مال، ورفعًا للحرج عن قيادته. ويمكن لعبد الرحيم محمد حسين ومدير جهاز الأمن محمد عطا أن يتحدّثا ويحكيا ماذا حدث هناك.
إنّ واحدة من أزمات السودان الكبرى هي أنّ الأحزاب السياسية ترتبك، وتخطئ، كذلك تتمادى في عدم الاعتراف بالخطأ أو القيام بمراجعة حقيقية له. وتكمن الأزمة في غياب منظومة لصناعة القرار داخل هذه الأحزاب، إذ إنّ جلّ الآراء التي تتحوّل إلى رؤى وقوانين تُتّخذ وفقًا لنظام الشلّة، وتطغى على الجميع بوعي أو بدون وعي، لا لشيء إلا للمصلحة الآنية لذلك تغيب عنها رؤية متكاملة ودراسة عميقة لمتطلبات الغد.
بعد ديسمبر، قدّمت حميتي كمنقذ للاقتصاد، وسيطرت على كافة قطاعاته، وبنت إمبراطورية اقتصادية داخل الدولة، بل أصبحت هي الدولة التي تفرض على البنك المركزي ما تشاء. ورفعت رواتب وامتيازات قواتها لتصبح أفضل من باقي الأجهزة الأمنية في الدولة. وقد وضعت الوثيقة الدستورية قوات الدعم السريع في مستوى الجيش، حيث نصّت على الجيش والشرطة والأمن وقوات الدعم السريع. وتم تقليم أظافر جهاز الأمن والمخابرات بعياز منه، بينما لم تحرّك قيادة الجيش ساكناً إزاء ما يجري وقتها . الجميع شركاء في ذلك، لذلك يظل الاعتراف بالخطأ ثقافة مهمة لتفادي تكراره. ورغم القول المتكرر بأنها وُلدت من رحم القوات المسلحة، إلا أنها لم تولد هناك، بل وُلدت من إطار ضيق ورعاية رئاسة الجمهورية وبمباركة الحزب الحاكم وقتها؛ لأنها قوة لا تعرف المؤسسية، بل ترتقي وفقاً للقبيلة ورابط الدم، فمن الطبيعي أن توجّه سلاحها ضد الدولة.
وهو ذات النهج الذي نُصبت به لافتة في الاعتصام “حميدتي الضكران الذي خوّف الكيزان”. وهي ذات المنهج الذي حُلّت به هيئة العمليات بإيعاز من حميدتي ودخوله مجلس السيادة نائبًا للرئيس دون أن يُنصّ على ذلك صراحة ًفي الوثيقة الدستورية. وهي ذات النهج الذي مكّن الدعم السريع من السيطرة على ذهب السودان وعلاقاته الإقليمية ومشاركته في عاصفة الحزم، وقدّمه بطبق من ذهب إلى الإمارات. وهي ذات العقل الذي صعّد مدير مكتب الرئيس وهو عميل لدولة، واحتفل به عندما صافح ترامب في السعودية.
ضرورة تغيير زوايا الرؤية..إنّ السودان بعد معركة الكرامة لا بدّ من تغيير زوايا الرؤية فيه ،وبناء مكونات تمضي وفقًا لإدارة الشعب وتقدّم الوطن على التنظيم، وتقدّم الكفاءة على الذين يمدحون ويكسرون التلج (أي الهتيفة والصفيقة). هؤلاء هم أكبر أزمات السياسة في السودان، لأنهم مع كفّة مصالحهم، ومع غياب القيادة الجماعية داخل الأحزاب لذلك تكثر فيها الانشقاقات لعدم وجود منظومة لاتخاذ القرار الجماعى ، وللأسف يخسر الوطن كل عقد أو عقدين من الزمان عدداً من شباب الوطن.
نحو نقد ذاتي وتربية وطنية..على القوى السياسية مراجعة أنظمتها السياسية ورؤيتها، وتقديم نقد ذاتي لتجربتها، تُعطّر فيها التربية الوطنية، وتنمي داخلنا معارضة السياسات لا معارضة الأوطان، لإغلاق الباب الذي يدخل منه الآخر لتجنيد العملاء منا . فعندما تقترن سياسات القوى السياسية السودانية مع غايات الشعب السوداني، عندها تصون كرامته وعزّته، وتوفّر له رفاهية ونماء وتنمية، فالشعب يريد تنافسًا على من يصون كرامته ويوفّر له سبل حياة كريمة.
إشكالية التربية السياسية.لكن للأسف، التجربه السياسية بُنيت على قواعد وهدي خطأ، انتشرت فيها ثقافة العنف ونفي الآخر وتدمير ما بناه الآخر، لأنّ العقل الجمعي السياسي مصلحي، وجلّهم السياسيون لا يعملون بل يكسبون من المال السياسي عبر السلطة أو عبر امتداد لمشاريعها السياسية ذات الامتداد الإقليمي أو الدولي دون أن تعود بالنفع والفائدة على الشعب. فماذا استفاد الشعب من علاقة اليسار مع روسيا أو الصين أو القومية العربية في العراق وسوريا والناصرية، أو التيار الإسلامي مع العالم الإسلامي أو حتى البعد الإفريقي لها، وغيرها لتنفيذ مشاريع التنمية المستدامة للشعب؟
دروس النهوض والمقارنة،السودان زاخر بتنوّعه البيئي والاجتماعي والثقافي، ويمتلك مقومات للانطلاق. فقد نهضت ماليزيا ليس بكثرة الموارد، لكن بالتعليم وتنمية الإنسان، وكذلك بلدان أوروبا الشرقية التي خرجت من دمار الحرب العالمية الثانية، ورواندا وغيرها، لأنّ السياسيين والشعب والمجتمع أيقنوا أنه لا بدّ من وضع الوطن فوق الاعتبار، والكفاءة قبل كل شيء، بعيدًا عن الانتماء الأعمى والانقياد للشلّة.
من الداخل يبدأ البناء..متى ما تمّت مراجعة الأخطاء، والااعتُرف بالخطأ، وتُبنّي منظومة لاتخاذ القرار ودراسة السياسات، وبناء نظام ديمقراطي حقيقي داخل الأحزاب، عبر قيادة جماعية لها، ومشاركة الشباب والنساء، والتخلّي عن النمط الذي اعتاد عليه الشعب من أنّ الزعيم يظل حتى مماته، فلا بدّ من التغيير وسياسة الإحلال والإبدال كلّ فترة، والبناء يبدأ من الداخل. عندئذٍ، وحتماً، سوف ينطلق وينهض الوطن نحو تحقيق تنمية ورفاهية للشعب.
