د. سيف الدين حسن العوض
أستاذ الإعلام المشارك- كلية الإعلام – جامعة أم درمان الإسلامية
تمهيد:
ذكرنا في المقال الأول والثاني من هذه السلسلة أن الأداء الإعلامي السليم والصحيح في أي مجتمع من المجتمعات هو نتاج ثلاثة عناصر ضرورية هي القانون والأخلاق والحرية، وأكدنا أن العناصر الثلاثة القانون والحرية والأخلاق الإعلامية، ليست بأهمية بعضها، لكن غياب أحدها يهدد رسالة الإعلام وحسن سير عمله، فمن دون حرية يصبح مضمون الإعلام بيانات رسمية، ومن دون قوانين تصبح المهنة الإعلامية مشرعة الأبواب وغير محمية وعرضة لكل التجاذبات، ومن دون أخلاق يصبح الإعلام فاسد فتتراجع الضوابط ويتهدد دوره الرئيس المراقب والناقد. وعرَفنا القانون والحرية وتناولنا بصورة أكبر الحديث حول الأخلاق والأخلاقيات لأهميتها، وعرفنا قوانين الإعلام، وذكرنا انها مطلوبة في ظل النظم الديمقراطية كما هو الحال في فرنسا وانه لا يمكننا فقط الاعتماد على الاخلاقيات في تنظيم العلاقة بين الإعلام وأفراد المجتمع كافة كما هو الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي هذا المقال نستعرض تجارب بعض الدول (إنجلترا وفرنسا وأمريكا) في مجال تقنين قوانين وأخلاقيات العمل الإعلامي لنستفيد من تلك التجارب ولا نكررها، ولنبدأ من حيث انتهي الآخرون، ولا نبدأ من حيث بدأوا.
القانون والأخلاقيات في التجارب العالمية:
تختلف أهمية العناصر الثلاثة (القانون، والحرية، وأخلاقيات الإعلام) باختلاف المدارس والظروف الاجتماعية والسياسية العامة، فالمدرسة الانجلوسكسونية (انجليزا والولايات المتحدة الأمريكية) تعطي الأولوية للحرية والاخلاق، فهي المدرسة الحرة والليبرالية التي تؤمن بقدرة السوق على إيجاد توازن بنفسه لمجرد وجود حرية العرض والطلب، انطلاقاً من دور الجمهور )الزبائن) الضاغط على المؤسسة، وترى هذه المدرسة (الانجليزية والامريكية) أن بالإمكان الحد من أي تجاوزات ممكنة بالأخلاق، فالمفترض أن يعاقب السوق السلعة السيئة من خلال التخلي عنها، بينما يكافئ السلعة الجيدة من خلال الإقبال عليها.
أما المدرسة الأوروبية) اللاتينية) (فرنسا كمثال) فتتجه عموما نحو «القوننة»، انطلاقاً من أن القانون يحمي الصحافي ويحمي مصالح الجمهور، وتعتبر هذه المدرسة أن مبدأ السوق غالبا ما يكون في صالح الطرف الأقوى، فضلاً عن أن خيار الجمهور ليس دائما الأفضل، لذلك لا يمكن الوثوق به دوماً أو الركون إليه في عملية الاختيار.
غير أن عنصري الحرية والقوانين وإن كانا ضروريين لكنهما يتضمنان أخطارا كثيرة، لذلك تلتقي المدرستان على أهمية أخلاق المهنة وعلى تلازمها مع الحرية والقانون، وإن كانت المدرسة الأوروبية تهتم بالأخلاقيات وبالسلوكيات أكثر من المدرسة الأميركية، تكفي الإشارة إلى أن وسائل الإعلام الأميركية، حتى الأفضل منها، بقيت لأكثر من عام مأخوذة بمحاكمة سيمسبون (الملاكم المتهم بقتل زوجته) وبقضية مونيكا لاونسكي، المتدربة في البيت الأبيض، عشيقة الرئيس بيل كلينتون، وذلك على حساب قضايا وطنية كبرى.
أولاً: التجربة البريطانية في تقنين قوانين واخلاقيات العمل الإعلامي:
الصحافة في بداياتها في انجلترا وهى مجرد كتيبات إخبارية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام تسلط الحكام. والصحفيون الأوائل تحايلوا على القيود المفروضة عليهم بابتكار طرق جديدة لاستمرار صدور صحفهم، وهو ما يؤكده تاريخ الصحافة في العالم. وخلال القرن العشرين في بريطانيا وضعت النقابة الوطنية للصحافة عام 1938م ميثاقاً تضمن القواعد المهنية التي يجب على الصحف تبنيها.
شهدت الصحافة في إنجلترا تطورا ملحوظا، منذ القرن الثامن عشر بإلغاء قانون الترخيص الذي فتح الباب أمام كل الراغبين في إصدار الصحف، ولكنه ألقي أعباءً مالية كبيرة على الصحف ومنعها من تخفيض سعر بيعها، ولهذا لجأت الصحف – لعدم زيادة أسعار بيعها – إلى التوسع في نشر الإعلانات التجارية لتغطية نفقاتها وتمكين الجمهور من شرائها، وكانت الصحف تخصص صفحتين لنشر الإعلانات وصفحتين لنشر الأخبار. ومن ثم فقد صدر قانون جديد للمطبوعات في 1792م، حصلت بمقتضاه الصحافة الإنجليزية على حريتها. أعطى القانون الضمانات الكافية لحرية الصحفيين وأصحاب المطابع وأصحاب الصحف، وأعطي الحق للجمهور في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد مرتكبي جرائم النشر.
وفي القرن التاسع عشر فقد تمتعت الصحافة الإنجليزية بأوسع معانى الحرية، حيث أعطت لنفسها الحق في نقد الوزراء وكبار رجال الدولة، وصارت قوة لا يستهان بها في إنجلترا، وألغت الحكومة الإنجليزية ضريبة الدمغة على الإعلانات، ثم – ألغت ضريبة الدمغة على الصحف، ثم ألغت ضريبة الورق. وفي الربع الأخير من القرن الـتاسع عشر حصلت الصحافة على أقصي قدر من الحرية، واختفي الضمان المالي، ونص قانون 1881م، على ضرورة تسجيل الصحف حتى يمكن في حالة التقاضي التعرف بسهولة على أصحاب الصحف. ودخلت الصحافة الإنجليزية القرن العشرين وهى تتمتع بأكبر قدر من الحرية والانتشار، ولم يحد من هذه الحرية سوى قيام الحرب العالمية الأولي في عام 1914م، فقد اقدمت الحكومة لاعتبارات الامن القومي اثناء الحرب على الحد من حرية الصحافة، وخضعت الصحف أثناء الحرب للرقابة الوقائية التي قررها القانون الذى صدر في 14 أغسطس 1914م، لحماية المملكة المتحدة، وفي نوفمبر 1914م، منحت الحكومة وزارة الداخلية سلطة تفتيش الصحف ومصادرتها كلما تبين للوزارة أن ما ينشر في الصحف يهدد الأمن العام. وبعد انتهاء الحرب بانتصار الحلفاء، ألغت إنجلترا وغيرها من الدول الغربية الرقابة التي كانت مفروضة على الصحف أثناء الحرب. وأعادت العمل بقوانين الصحافة القديمة التي تمنح الصحف حريتها كاملة غير منقوصة.
وتتميز انجلترا بانها ليس لديها دستور مكتوب، ولا تعرف تقاليد الفصل بين السلطات، وليس هناك رقابة على الحكام (رؤساء الوزراء) سوى صوت الناخب والنواب في البرلمان الذين يستطيعون إسقاط الحكومة بحجب الثقة عنها.
وتتمثل القيود التي يفرضها المجتمع البريطاني على صحافته في ثلاثة أنواع من القيود. النوع الأول من القيود: قانون الأسرار الرسمية الذي تم تدعيمه في الثمانينات، وهو يسمح للحكومة بفرض حظر النشر حول بعض الأحداث أو الموضوعات التي لا تريد الحكومة النشر فيها. فقد تم اسناد اتخاذ قرارات حظر النشر الى لجنة خاصة تضم ممثلين عن الحكومة وممثلين عن الصحف ووسائل الإعلام، لمنع إطلاق يد الحكومة في إصدار قرارات حظر النشر، ولضمان حرية الصحافة وحق المجتمع في المعرفة.
أما النوع الثانى من القيود فهي القيود المفروضة على الصحف في متابعة أعمال المحاكم، أو متابعة اخبار المحاكم فلا يسمح للصحف إلا بالمتابعة الخبرية أي ما يحدث في الجلسات العلنية للمحاكم دون التدخل بالرأي في القضية أو القضايا المنظورة. وفي بعض الحالات قد لا يسمح للصحف بمجرد التغطية الخبرية لجلسات المحكمة.
وأما النوع الثالث من القيود فيتمثل في الحق الممنوح للحكومة بإصدار تشريعات خاصة بالصحافة طالما حازت هذه التشريعات على موافقة البرلمان ودون أن تكون هناك إمكانية نقضها بالطريق القضائي، وقد استخدمت الحكومة البريطانية في عام 1988م هذا الحق في إصدار تشريع يمنع الصحفيين والإذاعيين من نشر أو إذاعة ما يصدر عن 11 منظمة وصفت بأنها منظمات إرهابية، ومعظمها من المنظمات التي تسعى إلى استقلال ايرلندا الشمالية، ومن بينها الجيش الجمهوري الايرلندي.
ثانياً: تجربة فرنسا في تقنين قوانين وأخلاقيات العمل الإعلامي:
ساهمت القيود التي وضعتها الملكية الفرنسية على المطبوعات والصحافة في تأخر ظهور الصحف اليومية في فرنسا خمسة وسبعين عاما عن ظهورها في إنجلترا، وأوجدت هذه القيود ظاهرة الصحف المهاجرة التي كان يصدرها فرنسيون في الخارج ويتم تهريبها سرا إلى داخل فرنسا، كما أدت هذه القيود إلى ظهور الصحف السرية التي كانت تطبع سرا وتوزع سرا. وكانت الصحافة الفرنسية على موعد مع تغيرات عميقة مع اندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789م، وابرز هذه التغيرات هو إقرار حرية الرأي والتعبير والصحافة لأول مرة في العالم كحق من حقوق الإنسان. إذ نصت المادة 11من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 28 أغسطس 1789م، على: «حرية الاتصال والفكر وإبداء الرأي من حقوق الإنسان الثمينة وكل مواطن له الحرية في أن يتكلم ويكتب ويطبع». وتنفيذاً لذلك تم إلغاء الرقابة على المطبوعات والصحف الذي كان معمولاً به ابان الملكية الفرنسية، كما تم إلغاء نظام الترخيص المسبق لإصدار الصحف. وكان من نتيجة ذلك أن عاشت صحافة فرنسا فترة من الحرية الكاملة، ظهرت خلالها مئات الصحف والدوريات بلغ عددها في عام 1789م نحو 250 نشرة وجريدة، ولكن ذلك لم يدم طويلاً.
ولكن خلافا لما هو شائع، فإن حرية التعبير التي تفتخر فرنسا بأنها أول من أقرتها لم تتحقق للصحافة الفرنسية سوى لمدة أربع سنوات ونصف على مدار قرنين من الزمن. وبلغت رقابة الدولة على الصحف مداها في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وامتدت إلى عام 1954م، وشهدت تأميم كل الصحف تقريبا. النظام الإعلامي القائم في فرنسا حاليا، وإن كان يحافظ على الحريات رسميا، خاضع للرقابة من خلال: امتلاك الحكومة نصف أسهم وكالة الأنباء الفرنسية «فرانس برس»، كما يتم تكريس مفهوم الرقابة الذاتية عبر بعض المنح والمزايا الاجتماعية والضريبية الممنوحة للصحفيين، بجانب الدعم المباشر للصحف اليومية الكبيرة، فضلاً عن ممارسة الرقابة على القنوات التلفزيونية والإذاعية من طرف مجلس أعلي للإذاعة والتلفزيون.
ويرجع ازدهار الصحافة في فرنسا في القرن التاسع عشر إلى جو الحرية الذي توفر لها وتطور النظرة العامة إلى حرية الصحافة وتزايد الاقتناع بأنها حق من حقوق الإنسان. فمنذ سقوط حكم نابليون الأول حتى منتصف القرن التاسع عشر، صدر في فرنسا 18 قانونا يخص الصحافة، وكانت غالبية هذه القوانين في صالح حرية الصحافة.
ويمكن تحديد ابرز معوقات حرية الصحافة في فرنسا في القيود المفروضة على المعلومات والحصول على الوثائق: إذ يتوقف الأمر على رغبة الإدارات الحكومية بالإضافة إلى فرض السرية على الوثائق المتصلة بشئون الدفاع والأمن القومي، إلى جانب تعطيل مبدأ حق الصحفي في حماية مصادره في بعض القضايا مثل قضايا الإرهاب، فضلاً عن وقوع وكالة الأنباء الوحيدة (فرانس برس) تحت سيطرة الحكومة، وبالتالي فإن استقلالها التحريري لازال مشكوكا فيه خاصة وان نصف مواردها يأتي من الدولة، واستمرار الدعم الحكومي غير المباشر للصحف اليومية، مثل النسبة المخفّضة للضرائب (2.1% بدلا من 19.6%)، والأسعار التفضيلية في البريد.
وتمارس الحكومة الفرنسية من خلال هذا الدعم غير المباشر، بالإضافة إلى الدعم المباشر الذي تقدمه للصحف اليومية السيطرة على الصحف من خلال منع هذا الدعم عن بعض الصحف مما يؤدى إلى إفلاس الصحف المعارضة للحكومة، والتدخل الحكومي في سوق الإعلانات، عن طريق تحديد القطاعات التجارية التي يمكن لها الإعلان في وسائل الإعلام، بالإضافة إلى محاولات التدخل للحفاظ على توازن اصطناعي بين هذه الوسائل في عائدات الإعلان، إلى جانب ممارسة المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون نوعا من الرقابة على القنوات المحلية، ثم على القنوات الفضائية، ويسند إلي المجلس توزيع الموجات الإذاعية وفقا لقاعدة مطاطة هي «الأفضل ثقافيا»، فضلاً عن التحكم في توزيع الصحف عن طريق مؤسسات توزيع تعاونية: يتوجب على الصحف الانضمام إلى واحدة من هذه المؤسسات لكي يتم توزيعها في الأكشاك، ولا يمكن بيع الصحف بطريقة أخرى، ويتم تفضيل بعض الصحف في التوزيع على حساب صحف أخرى لضمان تقدمها في التوزيع على حساب منافسيها.
ثالثاً: التجرية الامريكية في تقنين قوانين واخلاقيات العمل الإعلامي:
منذ أن تبنت الولايات المتحدة الامريكية نظرية المسؤولية الاجتماعية في اوائل القرن العشرين، والتي نبعث من كتابات وليم كنج وجون ملتون وغيرهم من اعضاء لجنة الحرية الصحافية ومن عملوا على وضع آداب لمهنة الصحافة في العام 1926م، والتي أقرتها المؤتمرات العامة التي قامت تباعاً في الولايات المتحدة، ورأت فيها خيراً كثيراً للمجتمع، وتبعهم بعد ذلك الانجليز فاندفعوا لتطبيق مبادئ نظرية المسؤولية الاجتماعية، حتى أصبح يطلق عليها نظرية الانجلوأمريكية.
وقد تأثر ظهور الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية بتجربة الصحافة الأوروبية، خاصة التجربة الإنجليزية، وذلك لأن النسبة الأكبر من المهاجرين والمستوطنين الأوائل في أمريكا كانوا من الإنجليز. نقل المستوطنون إلى العالم الجديد، بالإضافة إلى المطبعة، نمط العلاقة التي كانت قائمة بين الصحف الوليدة وبين الحكومات. في البداية – كما كان الحال في أوروبا- كانت الصحف مرتبطة بالحكومة. نقل الإنجليز إلى الولايات المتحدة نظام الترخيص الخاص بإصدار الصحف والذي كان قائما في إنجلترا، والذي كان يجرم أي نقد للحكومة.
لم تكن الصحف الوليدة مرتبطة بالحكومة سياسيا وقانونيا فقط، ولكن اقتصاديا أيضا نتيجة نظام توزيع الصحف الذي كان يعتمد على التشريعات الخاصة بالبريد. كان غالبية أصحاب الصحف في البداية من رجال البريد الذين كان من السهل عليهم استخدام البريد في الحصول على الأخبار وفي توزيع صحفهم. دخل السياسيون مجال إصدار الصحف في منتصف القرن السادس عشر (1750) لتقديم أنفسهم وبرامجهم إلى الجماهير. بدأت الصحف الوليدة تتحدث عن الحريات المدنية ومن بينها حرية الصحافة، وحماية المطابع والصحف من الحكومة. كان صدور الدستور الأمريكي سنة 1788 نقطة تحول مهمة في اكتساب الصحافة الأمريكية مزيدا من الحريات.
على المستوى القانوني والتشريعي، لم تتعرض الصحافة الأمريكية إلى أي نوع من الرقابة إلا أثناء الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. أدى دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء إلى صدور قانون التجسس في عام 1917م الذي أعطى وزير البريد حق مراقبة الصحف. أثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م) صدر قانون في عام 1942م يسمح للصحافة أن تراقب نفسها. كان قانون الحرب يعطى للسلطات الأمريكية حق فرض رقابة شاملة على الصحف.
يستمد الإعلام في الولايات المتحدة فلسفته وحريته من القيم الاجتماعية والثقافية الأساسية السائدة في المجتمع الأمريكي، والتي تتمثل في: الفردية، وعدم الإيمان المطلق في الحكومة والشك فيها. لذلك يتميز النظام الإعلامي في الولايات المتحدة الأمريكية عن مثيله حتى في الدول الغربية في كونه أقل مركزية وأكثر استقلالا عن الحكومة، وأكثر تجارية. قامت الممارسة الصحفية وازدهرت في الولايات المتحدة مستندة إلي فكرة أن الصحافة هي “كلب الحراسة” الذي يتولي نيابة عن المجتمع متابعة كل ما يجري فيه وتنبيهه إلى الأخطار التي يواجهها، وان الصحافة يجب أن تكون في موقف “العداء” الدائم مع الحكومة وليس في موقف التابع. لا يقتصر الإيمان بحرية الصحافة على المواطن الأمريكي العادي ولكنه يصل إلى رؤساء الدولة. مثال: رفض الرئيسان السابقان رونالد ريجان وجورج بوش فكرة دعم محطات راديو وتلفزيون عامة من أموال الضرائب.
وإذا كنا ننظر إلى حرية الصحافة على أنها تعنى تحرر الصحافة من التأثير الحكومي قبل وبعد الطبع، فإن الصحافة الأمريكية – بهذا المعنى- تعد أكثر الصحافة حرية في العالم كله. لا يمكن أن نأخذ فقط بهذا المعنى القاصر الذي يمنح حرية الصحافة للذين يملكون القدرة المالية على إصدار الصحف. ينفى بعض الباحثين وجود أية مسؤوليات للصحافة الأمريكية تجاه المجتمع الأمريكي، فالصحافة تعمل حرة من كل قيد وشرط. وصل الأمر بأحد رؤساء تحرير الصحف الكبرى وهى وول ستريت جورنال إلى القول بان الصحيفة ليست مسؤولة سوى أمام مالكها. المجتمع الأمريكي ينظر إلى صحافته على أنها مشاريع تجارية من الطبيعي أن تسعى إلى الربح. صارت حرية الصحافة في الولايات المتحدة مضرب المثل في جميع المحافل الإعلامية والسياسية حول العالم. خاصة وان الدستور الأمريكي يحيطها بضمانات ليس لها مثيل في أية دولة من دول العالم.
ولكن ترى جمعية “صحفيون بلا حدود” أن حرية الصحافة في الولايات المتحدة قد تراجعت بسبب “الحرب على الإرهاب” التي أعلنها الرئيس بوش الابن في أعقاب تفجيرات نيويورك وواشنطن في عام 2001م، إلى جانب محاولات الإدارة الأمريكية التأثير في التغطية الإعلامية لمناطق النزاع في العالم خاصة تلك المناطق التي تعمل فيها قوات أمريكية وعلى رأسها العراق وأفغانستان. وتأخذ هذه المحاولات أشكالا متعددة تحد من حرية الصحافة، مثل: عدم السماح لكبار المسؤولين الأمريكيين بانتقاد الموقف الأمريكي آو محاولة تفسيره بشكل يشير إلى خطأ حسابات الإدارة الأمريكية. مثال: إجبار ألبيرتو فرنانديز مدير الدبلوماسية العامة في قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية علي الاعتذار العلني عن تصريحات كان قد أدلي بها لقناة الجزيرة حول السياسة الأمريكية في أزمة العراق، وصف فيها هذه السياسة بـ”المتغطرسة والغبية”. كما طالب بعض أعضاء الكونجرس بمنع (سي إن إن) من تغطية الأحداث في العراق لأنها تنشر تقاريراً وصورا عن عمليات المسلحين العراقيين ضد القوات الأمريكية، مما يضعف الروح المعنوية للجنود الامريكيين وأسرهم.
هذا الانقلاب على حرية الصحافة يتسق مع انقلاب الإدارة الأمريكية على الحريات العامة الذي شمل إخضاع المواطنين الأمريكيين للتصنت دون إذن قضائي، وملاحقة البعض بسبب انتماءاتهم العرقية والدينية مثل العرب والمسلمين. يمثل هذا الانقلاب ضررا شديدا لصورة الولايات المتحدة في العالم يفوق الأضرار التي قد تترتب علي الهزيمة العسكرية في العراق.
نخلص من التجارب الثلاثة السابقة إلى تأكيد عدد من المسلمات فيما يتعلق بتقنين قوانين وأخلاقيات العمل الإعلامي وهي:
(1) إن التجارب الثلاثة تلتقي على أهمية أخلاق المهنة وعلى تلازمها مع الحرية والقانون، وإن كانت المدرسة الإنجليزية تهتم بالأخلاقيات وبالسلوكيات أكثر من المدرسة الأميركية.
(2) إن المدرسة الانجلوسكسونية والليبرالية (انجليزا والولايات المتحدة الأمريكية) تعطي الأولوية للحرية، أما المدرسة الأوروبية )فرنسا كمثال) فتتجه عموما نحو القوننة، انطلاقاً من أن القانون يحمي الصحافي ويحمي مصالح الجمهور.
(3) إن تكنولوجيا الاتصال الجديدة تثير دوما خوف الحكام والأنظمة السياسية من أن تؤدي إلى إثارة الشعوب عليها، وبالتالي تلجأ هذه الأنظمة إلى مقاومة حرية الاتصال سواء بمنع الاتصال من الأساس (الترخيص) أو بفرض رقابة مشددة عليه وتجريم أي نقد للحكومة.
(4) إن الطابعين والصحفيين ورجال الإعلام عموما، يجب أن لا يقفوا في الغالب مكتوفي الأيدي، بل عليهم أن يواجهوا الحكومات والأنظمة السياسية القمعية بوسائل جديدة تمكنهم من الاستمرار في مخاطبة الرأي العام مثل: إقامة المطابع السرية والصحف السرية وإصدار الصحف المهاجرة وتضمين الكتب الأخبار السياسية واطلاق القنوات الإذاعية والتلفزيونية من دول أخرى أو عبر الانترنت.
(5) بدون شك ستثمر جهود الصحفيين والإعلاميين السودانيين الحادبين في إقرار حرية الإعلام، وفي مفرداتنا مثل يقول: “ما يضيع حق وراءه مطالب”، ونرجو أن لا نقول كما قال الشاعر المصري المعروف أحمد مطر: يقولون: لا يضيع حق وراءه مطالب.. لكن في بلادي يضيع الحق ويضيع المطالب.
ونواصل… بإذن الله تعالى.
safeelawad@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم