د. سيف الدين حسن العوض
أستاذ الإعلام المشارك- كلية الإعلام – جامعة أم درمان الإسلامية
تمهيد:
ذكرنا في المقال الأول والثاني والثالث من هذه السلسلة أن الأداء الإعلامي السليم والصحيح في أي مجتمع من المجتمعات هو نتاج ثلاثة عناصر ضرورية هي القانون والأخلاق والحرية، وأكدنا أن العناصر الثلاثة القانون والحرية والأخلاق الإعلامية، ليست بأهمية بعضها، لكن غياب أحدها يهدد رسالة الإعلام وحسن سير عمله، فمن دون حرية يصبح مضمون الإعلام بيانات رسمية، ومن دون قوانين تصبح المهنة الإعلامية مشرعة الأبواب وغير محمية وعرضة لكل التجاذبات، ومن دون أخلاق يصبح الإعلام فاسد فتتراجع الضوابط ويتهدد دوره الرئيس المراقب والناقد. وعرَفنا القانون والحرية وتناولنا بصورة أكبر الحديث حول الأخلاق والأخلاقيات لأهميتها، وعرفنا قوانين الإعلام، وذكرنا انها مطلوبة في ظل النظم الديمقراطية كما هو الحال في فرنسا وانه لا يمكننا فقط الاعتماد على الاخلاقيات في تنظيم العلاقة بين الإعلام وأفراد المجتمع كافة كما هو الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا. كما استعرضنا تجارب كل من إنجلترا وفرنسا وأمريكا في مجال تقنين قوانين وأخلاقيات العمل الإعلامي للأستفادة من تلك التجارب ولا نكررها، ولنبدأ من حيث انتهي الآخرون، ولا نبدأ من حيث بدأوا. وخلصنا إلى أن المدرسة الانجلوسكسونية (انجليزا والولايات المتحدة الأمريكية) تعطي الأولوية للحرية والاخلاق، أما المدرسة الأوروبية) اللاتينية) (فرنسا كمثال) فتتجه عموما نحو «قوننة وسائل الإعلام»، انطلاقاً من أن القانون يحمي الصحافي ويحمي مصالح الجمهور. وأوضحنا كذلك ان المدرستين الانجلوسكسونية واللاتينية تلتقيا على أهمية أخلاق المهنة وعلى تلازمها مع الحرية والقانون، مع ملاحظة ان المدرسة الإنجليزية تهتم بالأخلاقيات وبالسلوكيات أكثر من المدرسة الأميركية. وفي هذا المقال وهو الرابع ضمن هذه السلسلة نتناول التجرية العربية في مجال تقنين قوانين وأخلاقيات العمل الإعلامي، أيضا للأستفادة منها ولكي نتجنب ما مارسته بعض الدول العربية من قيود وضوابط، مما جعل بعض المنظمات الدولية تصنف حرية الإعلام في معظم الدول العربية إلى غير حرة أو حرة جزئياً، علماً بإن التقارير العالمية تصنف حرية الصحافة في دول العالم إلى ثلاث فئات استناداً إلى ما تسمح به كل دولة من حرية في تدفق المعلومات، وهي (حرة، وحرة جزئيا، وغير حرة). ويتم الحكم على حرية الصحافة في كل دولة وفقاً لمعيار أساسي وعدد من المعايير الفرعية. والمعيار الأساسي هو معيار الحرية الفردية الذي يستند إلى نص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يقول «لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت، دون تقيد بالحدود الجغرافية».
القانون والأخلاقيات في الدول العربية:
بحصول الدول العربية على استقلالها اعتباراً من خمسينيات القرن الماضي، قامت بعض الحكومات الوطنية بوضع أسس تقنين العمل الصحفي والإعلامي من خلال اعمال الدساتير الجديدة التي نصت على حرية الصحافة إلا أنها أحاطتها بشرط يفرغها من محتواها وهو «في حدود القانون» . وباستثناءات قليلة لا زالت حرية التعبير محدودة للغاية في الدول العربية. وتعاني الصحافة في بعض الدول العربية من تناقضات عديدة أهمها:
عدم تقيدها بنصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فيما يتصل بحرية التعبير والصحافة وحرية تداول المعلومات، رغم أن العديد من هذه الدول صدقت على هذه المواثيق الدولية، كما يتعرض الصحفيون للتوقيف والسجن، وقد يحكم عليهم بدفع غرامات باهظة لا يستطيعون توفيرها مما يؤدي إلى استمرار توقيفهم أو اضطرارهم إلى بيع صحفهم إن كانت هذه الصحف مملوكة لهم.
بجانب استمرار انتهاكات حرية الصحافة فيما يتعلق بمنع بعض الصحفيين والكتاب من الكتابة والنشر، ووضع قوائم للمحظورات، والتحكم في تعيين رؤساء تحرير موالين للحكومة، فضلاً عن استمرار سيطرة الدولة على ملكية وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، واستمرار سيطرة الدولة على خدمات الانترنت وعلى غالبية الصحف المؤثرة.
القيود القانونية على العمل الصحفي في الدول العربية:
يمكن تقسيم القيود القانونية المفروضة على العمل الصحفي في الدول العربية إلى نوعين أساسيين من القيود هما: (1) القيود المطلقة على حرية الصحفي: وتشمل القيود المتصلة بنشر أسرار الدفاع الوطني، ومداولات المحاكم، وقضايا الأحوال الشخصية. (2) القيود النسبية: وتشمل القيود المتصلة بنشر الأخبار المتعلقة بالقضايا، والأحداث، والقيود المتصلة بممارسة مهنة الصحافة.
والقيود التي تفرضها الدول العربية على حرية الاصدار لا تقتصر على الصحف الدورية التي تصدر في مواعيد منتظمة وتحت اسم واحد بل اتجه المشرع العربي في بعض الدول إلى توسيع دائرة التقييد ليشمل كافة المطبوعات بصرف النظر عن دوريتها أو طريقة عملها، والعبرة فقط بطرح المطبوع للتداول الجماهيري. وبالتالي أخضعت هذه التشريعات كافة المطبوعات لقيود واحدة.
كما اشترطت كافة تشريعات المطبوعات والنشر في الأقطار العربية الترخيص المسبق كشرط لإصدار المطبوعات التي تصدر بصفة دورية وباسم واحد كالصحف والمجلات والنشرات. وضعت تشريعات بعض الدول العربية قيوداً على حرية إصدار الصحف بوضع حد أدنى لرأسمال الصحيفة.
إن استمرار القيود الإدارية الحكومية علي إصدار الصحف وتراخيص البث الإذاعي والتليفزيوني، هو ما دفع إلى استمرار ظاهرة الصحف ووسائل الاعلام العربية المهاجرة التي تصدر من الخارج والتي تفوق بعضها على الصحف ووسائل الاعلام التي تصدر من داخل العالم العربي وذلك لأسباب تتعلق بالحرية المتاحة والتطور التكنولوجي الهائل الذي استطاعت هذه الصحف ووسائل الإعلام العربية المهاجرة الاستفادة منه.
ولا يقتصر الترخيص المسبق على عملية إصدار الصحف بل أن تداول الصحف وتوزيعها على الجماهير يخضع هو الآخر للترخيص المسبق في الدول العربية. وتخضع عملية بيع وتداول المطبوعات في الطريق العام أو في محل عمومي ولو كان ذلك بصفة عارضة أو مؤقتة إلى الترخيص المسبق. وفي كثير من البلدان تشترط قوانين المطبوعات والنشر ضرورة الحصول على ترخيص مسبق قبل إنشاء دار نشر.
ويُعد المنع من التداول عن طريق الضبط الإداري أو تعطيل الصحف إداريا، أي بقرار من السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الإعلام او وزارة الداخلية، من أبرز ما ورد في قوانين المطبوعات والنشر في بعض الدول العربية وقد أعطت هذه التشريعات سلطات الضبط الإداري حق منع الصحيفة من التداول .
لا تخلو كافة التشريعات العربية من النص على حق جهة الإدارة في الإلغاء الإداري للصحيفة في حالة توقفها لفترات منتظمة أو غير منتظمة عن الصدور. التعطيل القضائي للصحف: توسعت التشريعات العربية في الأحوال التي يجوز فيها للقضاء تعطيل الصحيفة ومنعها من التداول في حالة مخالفة أحكام قانون المطبوعات. يبدو هذا الامر شديد الوطأة على حرية الصحافة في الدول العربية اذا علمنا ان مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء غير قائم في غالبية الدول العربية.
يتضح من عرض نماذج من القيود المفروضة على اصدار الصحف في العالم العربي أن الترخيص بإصدار الصحيفة والسماح لها بالاستمرار في الصدور مرتهن برغبة الحكومات ولا يعبر دائما عن ايمان بحرية الصحافة. لعل هذا ما أدي الى بروز ظاهرة الصحافة العربية المهاجرة التي تصدر من خارج الدول العربية وتوزع داخل الوطن العربي، الى جانب ظاهرة القنوات التليفزيونية الفضائية العربية التي تعمل من خارج المنطقة العربية نظرا لاستحالة الحصول على رخصة بالبث التليفزيوني الأرضي في غالبية الدول العربية.
ورغم كل تلك هذه القيود إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن هناك تحولات مهمة تشهدها بعض الدول العربية لتخفيف تلك القيود في الممارسة العملية. فمع بقاء النصوص القانونية كما هي دون تعديل في غالب الاحيان، تتجه بعض الحكومات العربية إلى اغماض عينيها والتجاوز عن الصحف التى توزع داخل الدولة ولديها ترخيص من الخارج وليس من داخل الوطن. بجانب السماح ببث قنوات تلفزيونية فضائية للقطاع الخاص مع إبقاء القيود المفروضة على البث الأرضي كما هي.
وضع الصحافة المستقلة في العالم العربي:
علي خلاف الصحف الحكومية المدعومة كليا من ميزانيات الدول، يواجه قطاع مهم من قطاعات العمل الصحفي في الدول العربية، ونعني به قطاع الصحافة المستقلة عن الحكومة بالاضافة الى الصحف الحزبية المعارضة عقبات اقتصادية كثيرة هي نفسها تقريبا ما تعاني منه الصحافة بصفة عامة في العالم العربي وهي: ضعف التمويل، والمصادر المالية المحدودة، و ضعف القاعدة الإعلانية، وضعف قاعدة القراء.
الصعوبات التي تواجهها الصحف المستقلة في الدول العربية:
يمكن تقسيم الصعوبات التي تواجهها الصحف المستقلة في الدول العربية إلى نوعين هما: (1) صعوبات اقتصادية وتكنولوجية ناتجة عن تدخل حكومي لحرمان الصحف غير الموالية للحكومة من الإعلانات الحكومية، والتضييق عليها في التوزيع ومنع اشتراك الإدارات الحكومية فيها. و(2) صعوبات ناتجة عن الأوضاع الاقتصادية والمالية العامة المتردية في بعض البلدان العربية، مما أدى إلى توقف عدد كبير من هذه الصحف عن الصدور.
لماذا توقف عدد كبير من الصحف المستقلة عن الصدور؟
يمكن تفسير هذا الأمر الذي تكرر مع أكثر من صحيفة وفي أكثر من دولة عربية بان المناخ الجديد من الحرية الذي شهدته بعض الدول العربية قد أغرى بعض الصحفيين إلى المسارعة بإصدار صحف مستقلة عن الحكومة فور حدوث التغير السياسي في بلادهم دون التفكير في مسألة التمويل والموارد المالية اللازمة لاستمرار هذه الصحف، الأمر الذي أدي إلى الاختفاء السريع لبعض هذه الصحف. وتتدخل الحكومة للتحكم في السياسات التمويلية للصحف من خلال:
(1) احتكار استيراد وتوزيع ورق الطباعة على الصحف وفقا لقربها أو بعدها عن الحكومة،
(2) التشدد في قوانين الاستيراد مما يؤثر سلبا في صناعة الصحافة ويحرم الصحف غير الحكومية
(3) التمييز بين الصحف الحكومية والصحف غير الحكومية في الاعانات والإعلانات الحكومية: ويرى البعض أن السياسات الإعلانية التي تنتهجها الحكومات العربية تمثل نوعاً من الرقابة غير المنظورة على الصحافة. إذ تقوم هذه السياسات علي حرمان صحف المعارضة من الإعلانات الحكومية أو من إعلانات الشركات والمؤسسات التابعة للحكومة.
(4) اعفاء الصحف الحكومية من الضرائب والزام الصحف غير الحكومية بأداء هذه الضرائب.
وتمثل حرية تدفق المعلومات وتلقيها جوهر الحق في الاتصال. وتمثل الرقابة على مضمون الرسالة الإعلامية، أبرز انتهاكات هذا الحق، لأنها تمثل إخلالاً بحق القارئ في المعرفة ومعرفة الحقائق والمشاركة بفاعلية في إدارة شؤون البلاد. تمثل هذه الحرية ركيزة أساسية لنشر تعاليم ثقافة حقوق الإنسان من خلال رصد وتوثيق الانتهاكات وبداية وضع الحلول لمعالجة وضعية حالة حقوق الإنسان وتبادل الخبرات والقيم الإنسانية المتعلقة بحقوق الإنسان، لذلك تعتبر الرقابة أحد معوقات نشر تعاليم ثقافة حقوق الإنسان.
كما أخذ المشرع العربي من الوسائل القادمة من الخارج موقفاً متشدداً وأخضعها لعملية الرقابة المسبقة وضرورة الترخيص المسبق للتداول ولإجراءات الضبط والمنع الإداري. بل ان بعض التشريعات في بعض الدول تجيز حذف أي عبارة أو فقرة من المطبوع بإقطاع الفقرة المحظورة بالمقص أو بطمسها بحبر خاص أو بأية طريقة أخرى وفي حالة استحالة ذلك، بالإمكان منع المطبوع من التداول في البلاد.
احتكار الدولة للمعلومات:
تعتبر المعلومات في بعض الدول العربية، حقا للجميع وتتعدد في مصادرها ووسائل نقلها وإبلاغها للرأي العام دون تدخل من السلطة الحاكمة سواء بالمنع أو التوجيه. ولكن عندما تحتكر الحكومات وسائل الإعلام فإنها تفرض قيوداً قانونية وأخرى غير منظورة لتتحكم في صناعة المعلومات إنتاجاً وتوزيعاً، بحيث يقتصر دور المواطن على التلقي فقط لخدمة سياسات معينة.
ومن أمثلة القيود القانونية لاحتكار الدولة للمعلومات هو الحظر الوارد على الإطلاع على وثائق الدولة إلا بعد مضى مدة معينة قد تصل إلى خمسين عاماً، واحتكار الأجهزة الحكومية لمصادر المعلومات كاحتكار نشر النتائج أو البيانات أو المعلومات الإحصائية إلا من واقع إحصاءات جهاز حكومي معين وضرورة الموافقة المسبقة على النشر، وفي حالة عدم وجود هذه البيانات أو المعلومات فلا يجوز عمل الاستبيانات أو استطلاعات الرأي أو المسوح إلا بعد موافقة الجهاز الحكومي، ومن بين هذه القيود أيضاً تقييد حرية الموظف العام في الإدلاء ببيانات عن أعمال وظيفته، وأيضاً التوسع في حق القضاء في منع النشر وفرض السرية على القضايا التي تهم الرأي العام.
اخلاقيات العمل الإعلامي في الدول العربية:
قفز موضوع الأخلاق الإعلامية في السنوات الأخيرة في الدول العربية إلى الواجهة، وحظي باهتمام مميز سواء من قبل المؤسسات الإعلامية ومعاهد الإعلام، أو على مستوى منظمات المجتمع المدني، وذلك بعد ما تبين أن تطبيق هذه القيم الأخلاقية هو لنصر أساسي لنجاح وسائل الإعلام في أداء دورها وللحفاظ على مستواها المهني. وقد ظهر بوضوح أن غياب القيم الأخلاقية شرًع المهنة أمام كل أبواب الفساد الممكنة واضعف ثقة الناس بها.
كما تبين أن الحرية، وان كانت أساسية لوجود صحافة مسؤولة، غير أنها ليست وحدها بكافية. فهي تتحول إلى فوضى وتهدد مهمة الصحافة، كما تسيء إلى المجتمع عموماً إذا لم يلتزم الإعلاميون بقيم مبدئية تنظم عملهم وممارساتهم. فالالتزام بهذه القيم يحد من جنوح الفرد وأهوائه من ناحية، ويحمي من الإغراءات التي تعترض طريقه من ناحية ثانية.
أما لماذا برز الاهتمام باخلاقيات العمل الإعلامي في الآونة الأخيرة في الدول العربية، فإن القناعة السائدة أن موضوع الأخلاق الإعلامية يشكل تحدياً ورهاناً للمجتمع، ويمكن القول أن مستقبل وسائل الإعلام يكمن في الحفاظ على رسالتها وعلى موقعها كسلطة مستقلة، ولا يتحقق لها ذلك إلا من خلال التمسك باخلاق عالية تبعد عنها كأس الإغراءات المتعددة.
هذا الاهتمام بموضوع أخلاق المهن الإعلامية يعود بالدرجة الأولى إلى بروز اتجاهات خاطئة وممارسات شاذة في التعاطي المهني عند عدد كبير من الإعلاميين باتت تهدد دور وسائل الإعلام الأساسية وتدفع بالصحافيين إلى تقديم اهتماماتهم الشخصية على المصلحة العامة خلال أداء عملهم، الأمر الذي يتنافى مع مفهوم الخدمة العامة التي تقوم عليها أسس الصحافة.
اخلاقيات الإعلام في العالم:
غير أن موضوع الأخلاق الإعلامية ليس بجديد وان لم يكن في الماضي يحظى بالاهتمام الكبير. فهو رافق، وان بمفاهيم بدائية، مهنة الصحافة منذ نشأتها وتطور معها عبر المراحل التي قطعتها في تجارب مختلفة من بلد إلى آخر. ولكن قفز إلى الواجهة في أوروبا في منتصف السبعينات بعد “إعلان ميونيخ” حيث تحول إلى “موضة جدلية” في أوساط الإعلاميين. ثم اخذ أبعادا غير مسبوقة في العقدين الأخيرين لاسيما بعد جنوح الصحافة ووقوعها في أخطاء كبرى.
وقد أدت عوامل مستجدّة إلى طرح الموضوع بإلحاح، خصوصاً مع تركز وسائل الإعلام في شركات ضخمة، ومع الاهمية المتزايدة لهذه الوسائل المرتبطة بالمنافسة أو بتبعيتها للإعلانات، الأمر الذي شد بصحافيين إلى منحدر الصحافة السهلة، الديماغوجية، المبهرة والجذابة. هذا الأمر وإن لم يكن معمّماً، غير أنه أعطى صورة سيئة عن المهنة. كما لعبت التقنيات الحديثة في ميدان الإعلام الرقمي، خصوصا مع ثورة الانترنت والفضائيات، دورا بارزا في تطوير المهنة وبالتالي زيادة الحاجة إلى ضوابط أخلاقية لها.
أسباب غياب القيم الأخلاقية في الدول العربية:
على مستوى دول العالم مع تطور وسائل الإعلام الجديد غابت القيم الأخلاقية بشكل فاضح في أوساط الصحافيين والقيمين على المؤسسات الإعلامية في ظل ما يتردد عن رشاوى وعن غياب المبادئ الأساسية في التعاطي الأخلاقي مع الخبر ومع الجمهور، وعن طغيان المصالح الفردية الجامحة، بحيث يسعى الصحافي من خلال مهنته إلى تحقيق طموحاته الشخصية على حساب المصلحة العامة، فضلاً عن أخطاء مهنية فادحة سببها غياب القيم الأخلاقية. لذلك بات من الممكن الحديث عن فساد إعلامي كما هي الحال في الميادين الأخرى في بعض الدول العربية.
لكن يضاف إلى الفساد في أوساط مهنة الصحافة، جهل بقواعد الأخلاق الإعلامية، نظرا لغياب النقابات الصحفية في غالبية الدول العربية، ولعدم الإلمام بالقواعد السلوكية التي ترتقي بالمهنة. انطلاقا من هنا كان الدافع الرئيسي لنشاة النقابات الصحفية وجمعيات الصحافيين في الدول العربية للاهتمام بموضوع الأخلاق الإعلامية وتحديد أطرها ومفاهيمها العامة، ومن ثم تطبيقها.
التنظيمات المهنية العربية ومواثيق الشرف ومجالس الصحافة:
برزت الاتحادات النقابية والمهنية في الوطن العربي في العقد الأول من القرن العشرين الماضي، وقد بدأت هذه المحاولات بصورة مرتبكة ومتعثرة ولم تصدر أي تشريعات في أي قطر عربي إلا مع بدايات العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين وبذلك تكون الهيئات النقابية العربية قد تأخرت كثيراً عن اللحاق بالركب العالمي. ويعود سبب هذا التأخير لسببين هما: أولاً: عدم اقتناع وحماس السلطات العربية أو بالأحرى عدم اعتراف هذه السلطات بحق الصحفيين في تشكيل تنظيماتهم النقابية. وثانياً: تأخر ولادة الحركة النقابية العربية.
مهام نقابات وجمعيات الصحفيين:
بدأت التشكيلات المهنية العربية الصحفية تنتشر في ستينيات القرن الماضي في عدد من الدول العربية وتتخذ مسميات مختلفة فدول أطلقت عليها نقابة وأخرى أطلقت عليها جمعية، وتقوم هذه الهيئات بالمهام الاتية:
(1) ترتيب وتوفير الاشراف على الضمانات اللازمة لمتطلبات الممارسة المهنية السليمة سواء ما يخص الاعتبارات الاقتصادية أو الاعتبارات المهنية.
(2) تشكل الضمانات المهنية لهذه التنظيمات حق الصحفي في الاطلاع على الحقائق مهما كانت قاسية.
(3) عدم جواز ممارسة ضغوط على الصحفي لإفشاء اسرار المهنة وحريته في الحفاظ على سرية مصادره.
(4) حقه في نقد تصرفات أي مسؤول رسمي في حدود القانون والمصلحة العامة.
(5) عدم جواز محاكمته إلا في ظل القانون والقضاء العادي.
(6) تأمين حرية انتقال الصحفيين وإلغاء القيود المفروضة عليهم.
(7) عدم اجبار الصحفيين على القيام بعمل يغير من طبيعة عمله.
(8) عدم إيقاف الصحفي أو سؤاله بسبب ما يكتب أو ما ينشره ووجوب احالته الى الهيئة التأديبية في حالة ارتكابه مخالفة تتصل بالمهنة.
(9) الإقرار بحرمة مقار منظمات الصحفيين ودور الصحف وعدم جواز تفتيشها الا بحضور نقيب الصحفيين او من يمثله.
(10) من حق الصحفي ان يرفض الأوامر المخالفة التي تسير عليها المؤسسة الصحفية التي ينتمي اليها او لا يتفق معها، ومن حقه ايضاً أن يكون في حل من أي ضغط يفرض عليه لتبني آراء تخالف معتقداته أو لا يقرها ضمير.
متى عرفت مواثيق الشرف الصحفية والإعلامية لأول مرة في العالم العربي؟
إن مواثيق الشرف الصحفية لم تعرفها الدول العربية إلا في العقود المتأخرة من القرن الماضي، وابرز التنظيمات المهنية التي ساهمت في احيائها خلال العقود الأربعة الماضية، الاتحاد العام للصحفيين العرب، والذي أهتم منذ نشأته الأولى بتحديد المسؤولية الاجتماعية للصحفيين العرب حيال مجتمعاتهم ودولهم، فقد نص دستور الاتحاد الذي صدر عن الاجتماع التأسيسي خلال الحادي والعشرين من شهر يناير 1964م على مسؤوليات الصحفيين العرب المهنية والأخلاقية حيال مجتمعاتهم، وقد اعتبرت هذه المسؤوليات ملزمة للصحفيين العرب بحكم التزامهم بالقواعد المهنية لنقاباتهم المكونة للاتحاد.
إن العناية والالتزام بمواثيق الشرف الإعلامي لا ينتبه إليها الصحفيون في العالم العربي كثيراً، ولهذا صار ميثاق الشرف الصحفي أو الدعوة لميثاق الشرف الصحفي نوعاً من النزعة النصية التطهيرية، فما لم تتأسس حرية الصحافة على ثقافة، وسط الجماهير ووسط الناس ووسط الصحفيين، فلن يكون الالتزام بها قوياً، فكتابة نص ميثاق الشرف الصحفي وحده لا يكفي ولكن لابد من تطبيق ما كتب.
هل هناك ميثاق شرف صحفي وإعلامي عربي؟
عرفت مواثيق الشرف العربي بعد منتصف العقد السابع من القرن الماضي، ففي الاجتماع الذي عقد في القاهرة أقر مجلس الجامعة العربية في الرابع عشر من شهر أيلول 1978م ميثاق الشرف الإعلامي العربي، والذي جاء تنفيذاً لميثاق التضامن العربي الصادر عن مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الدار البيضاء بالمغرب في عام 1965م، والذي جاء انطلاقاً من قرارات مؤتمرات القمة العربية والأجهزة المعنية في الجامعة.
كما صدر ميثاق الشرف الصحفي العربي الصادر عن اتحاد الصحفيين العرب في عام 1980م، والتي من أبرز مبادئه الالتزام بأهداف الجماهير وحق الأمة العربية في وحدتها وحريتها وتقدمها، ويجب على الصحفي قبل مباشرته مهنته وفق نظام منظمته الصحافية أن يؤدي اليمين الآتي: قسم بشرف المهنة أن أؤدي عملي بالأمانة والصدق وأن أحافظ على سر المهنة وأن أحترم قوانينها وتقاليدها وأن أدافع عن كرامتها.
أما أخلاقيات الاعلام ومواثيق الشرف الصحفي على مستوى كل دولة عربية فقد وافقت مجالس الصحافة في كل مصر والسودان وتونس والمغرب والجزائر على اصدار ميثاق شرف صحفي، وذلك اعتباراً من تسعينيات القرن الماضي اعتباراً من العام 1998م في مصر، كما صدرت مواثيق في بعض الدول للإعلام السمع بصري، وصدرت مواثيق شرف للعاملين باتحاد الإذاعة والتلفزيون. كما صدرت مواثيق شرف خاصة بالإنتاج الإعلامي في مجال الدراما والبرامج التلفزيونية والسينمائية في عدد من الدول العربية. هذا فضلاً عن صدور مواثيق واخلاقيات المهنة في بعض الفضائيات العربية.
مواثيق الشرف الإعلامي والقانون في الدول العربية:
إن مواثيق الشرف الإعلامي لها في بعض الاحيان قوة أكثر من قوة القانون، لأن الميثاق نشأ اصلاً باعتباره تنظيم ذاتي يقوم به الصحفيين أنفسهم، وهو يعني أن الصحفيين تعاهدوا أن يمتنعوا عن أشياء معينة تنافي الأخلاق، ومن يخرج عن هذه الاخلاق يعتبر خارج عن أخلاقيات العمل الصحفي، وينظر إليه نظرة احتقار، صحيح أنه لا تقع عليه عقوبة مالية أو عقوبة بالإبعاد عن العمل الصحفي، ولكن العقوبة المعنوية كانت كبيرة جدا، فبمجرد أن يصدر قراراً أو يصدر أمراً بإن صحفي معين أو صحيفة ما، حادت عن أخلاقيات المهنة أو المدونة الأخلاقية التي كتبت بعد مقتل الاميرة ديانا، فاذا خرجت الصحيفة أو خرج الصحفي عن أخلاقيات المهنة فهذا كافٍ بأن يقلل من شأن هذا الصحفي، أو يقلل من شأن الصحيفة، ولذلك هم يخشون جدا الوقوع في هذه المشكلات، ولا يعتبرون الخروج عن الأخلاقيات نوعاً من الفرسنة أو نوعاً من الشطارة، كما يحدث في بعض دول العالم الثالث.
هل هناك ميثاق شرف صحفي وإعلامي إسلامي؟
أول ميثاق شرف صحفي إسلامي خطه اعضاء المؤتمر العالمي الأول للإعلام الإسلامي الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في جاكرتا في العام 1400هجرية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الأول للإعلام الإسلامي، ولكن لا أحد من الصحفيين في الدول الإسلامية أهتم به، ولكن الغريب في الأمر إن الميثاق الإعلامي الإسلامي الأول اهتم به جدا في الغرب، فترجم أولاً للغة الانجليزية واللغات الأجنبية كافة، ومن ثم صار بعد ذلك مرجعاً، فلإذا اردت أن تبحثه عنه الان ستجد نصه باللغة الانجليزية لان الغرب يهتم كثيراً بجانب مواثيق الشرف الإعلامي أو الصحفي، حتى من باب الدراسة الاكاديمية، ولكن لا يوجد في الدول العربية والإسلامية هذا الاهتمام.
أما ميثاق الشرف الصحفي والإعلامي الإسلامي الثاني فقد كتبه ووقع عليه اعضاء المؤتمر العالمي الثاني للإعلام الإسلامي في جاكرتا أيضاً في العام 2011م، فهل سيظل الميثاق وديعة فقط لأضابير رابطة العالم الإسلامي واضابير وزارات الثقافة والإعلام وللمؤسسات الإعلامية في الدول الإسلامية، أم من المحتمل أن يكون قد أطلع عليه جمع من الصحافيين والاعلاميين، وعملوا بما جاء فيه؟
ونواصل… بإذن الله تعالى.
safeelawad@hotmail.com
////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم