خطاب الأزمة الشهير لحمدوك يوم ٢٣ يونيو ٢٠٢١ م، و مبادرته الطريق إلى الأمام، لخصت مآلات شراكة التناغُم الخبيثة، و مثلت فِي حد ذاتها هروب مِنهُ إلى الأمام.
فخطاب حمدوك شبيه إلى حد كبير بخطاب الأزمة الذي قدمه الرئيس البوليفي السابق سانشيز دي لوزادا سنة ٢٠٠٢ م في الإنتخابات العامة البوليفية، بإيعاز مِن فريق عمله و مستشارته الأمريكية.
يُمكِن للمُهتمِين مُراجعة فلم: سُمعتنا فِي أزمة، و الذي سَيُلَخِص لَكُم قِصة حياة حمدوك مِنْ البداية إلى النهاية.
إن أقصى ما يُمكِنْ أن يُقال عن الإعلان السياسي للمجلس المركزي لقحت المُوقَع يوم ٨ سبتمبر ٢٠٢١ م، أنه قفل الضمنة طرشا.
قِوى المِيثاق الوطني، و كرد فِعل سياسي سريع غير مدروس، بادرت إلى توسيع الشقة السياسية، و قامت بالتوقيع على إعلان سياسي مُضاد فِي قاعة الصداقة يوم ٢ أكتوبر ٢٠٢١م.
إغلاق الشرق من قبل مجموعة تِرك القبلية، استغله فلول المؤتمر الوطني، و مِن خلفهم المنظومة الأمنية، لخنق الحكومة الإنتقالية.
تنظيم إعتصام جمهورية الموز يوم ١٦ أكتوبر ٢٠٢١م أمام القصر الجمهوري، يُعتبر عمل سياسي غير ناضج و غير مسؤول، و ذلك لإستغلاله لعموم البسطاء، و الزج بهم فِي المعارك السياسية.
الراجِح عِندي أن أول إعتصام موز في التأريخ السوداني الحديث قام به حزب الأمة عِند زيارة محمد نجيب للسودان في يوم ١٣ مارس ١٩٥٤ م.
هُناك إعتصام موز آخر قام بِه حزب الأمة ضِدْ حكومة الجزولي دفع الله الإنتقالية في ديسمبر ١٩٦٥ م.
و مِنْ ثَم توالت إعتصامات الموز حتى قيام نِظام الإنقاذ، و الذي حول السودان كله إلى جمهورية موز و إعتصام موز كبير.
مع توالي أزمات حكومة حمدوك الإنتقالية، فقدت الشراكة و الوثيقة الدستورية المرقعة مفعولها، و إنتهت مدة صلاحيتها، حتى وصلنا إلى الإنسداد السياسي الكبير في شهر سبتمبر ٢٠٢١ م.
إنقلاب المدرعات يوم ٢١ سبتمبر ٢٠٢١ م، مِنْ قِبَل فلول النظام البائد، يكشف عن حالة التراخي الكبيرة فِي تطهير المنظومة الأمنية.
التراشق الإعلامي بين البرهان و حميدتي من جهة و منسوبي قحت المجلس المركزي من جهة أخرى، يحتاج مِنا إلى إعادة وقفة و تأمل، خصوصاً بعد خروج الحمام الصامِت مِنْ قفص المعتقلات.
تم إستلام رسالة النجمات المُشَفَرة التي بعث بها حمدوك، في خطابه بتأريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢١ م، و التي كانت تعني عملياً مُحاصرته و البداية الفعلِية للإنقلاب.
إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ المُرَكَب، و قبل إعلان بيانه، تمت مُحاصرته داخلياً و خارجياً بشكل كبير، و إصطدم بحائط الإرادة الشعبية الصَّلِبة، و أوشك على السقوط الكامِل فِي غضون أسابيع، لولا قُبلَة حمدوك الإسعافية، و التي أعادته مُجدداً للحياة.
رضوخ جميع الحركات ألمُوقِعَة على إتفاق سلام جوبا، لِشروط و ترتيبات قائد الإنقلاب، جاء مخيباً للآمال، و فيه درس بليغ و عِبرَة قاسية للحركة الجماهيرية السودانية.
إتفاق ٢١ نوفمبر ٢٠٢١ م بين حمدوك و البرهان،
قام بفرملة الإنقلاب مِنْ السير فِي طريق اللاعودة و السقوط العنيف، و في نفس الوقت وفر مخرج آمن للإنقلابيين، كما طالبت الولايات المتحدة مِنْ الطرفين.
إن تقييم الإتفاق السياسي الأخير، و محاولات فهمه، يجب أن لا تخضع للعاطفة الشخصية، أو للمزايدات السياسية الجمعِية.
فالسيد عبد الله حمدوك، لم يكن يوماً جزءاً من الثورة السودانية ليخونها، أو ليموت مِنْ أجلها، و لكنه جاء لتنفيذ رؤية مجموعته الخاصة، و تنفيذ رؤية الجهات الخارجية التي تقِفْ خَلفَهُ.
هذه هي إمكانيات السيد حمدوك الحقيقية، و هذا هو أقصَى ما يُمكِنْ أن يُقدِمهُ للثورة السودانية، و يجب ترك مسألة شكره أو زمه للتأريخ.
نفس الجماهير الغوغائية التي قالت شريف خيري بطل قومي (شكراً حمدوك)، هي نفسها التي قالت شريف خيري خائن عميل.
لكن شريف خيري فيِ حَقيقتهِ المُجردة، هو أنه شخص عادي، تم إبتزازه بتصوير مَقطع جِنسي، كما فِي فلم السفارة فِي العمارة.
بعد ذلك الإتفاق السياسي العجيب، أصبح الطريق الآن مُمَهداً، للتأسيس لنظام سياسي جديد فِي السودان.
إن قِصة حمدوك، يمكن تشبيهها أيضاً مِنْ زاوية أخرى، بِقِصة طالوت في العهد التوراتي القديم، فبعد أن آتاه الله الملك، أمره أن يُسخِن القتل في أعدائه و لا يُهادنهم أبداً، و لكنه بدلاً عَنْ ذلك قام بمصالحتهم و إجراء الشراكات معهم، فكانت النتيجة أن تخلى الرَّب عنه، و تم نقل الملك إلى داؤود.
كُل ذلك وفقاً للتسلسل التوراتي، يجعل أمر الحكم في السودان، لا يستقِر بعد اليوم لأحد، إلا لِمَنْ يمتلِك قوة و حكمة داؤود، و نزوعه نحو الحق.
ما لا يعلمه كثيرون، أن هذه الثورة السودانية المُقَدسَة المُباركة، يُشرِف عليها الرَّب شخصياً، و بدون تفويض لأحد، فحاضنتها السياسية حاضنة ربانية.
و لاآت الشارع الثلاثة: لا تفاوض، لا شراكة، و لا مُساومَة مع الإنقلابيين، هي في النهاية تنزيل أرضي لإرادة الله.
على الجماهير أن تدرك، أن تنفيذ تِلك اللآت الثلاثة عملياً، سيتطلب بالضرورة إستخدام القوة لاحقاً فِي مرحلةٍ ما، و لو بصورة محدودة ! فالمليونيات وحدها لا تكفى للحسم الثوري النهائي.
لجان المقاومة و تجمع المهنيين و الحزب الشيوعي السوداني، كلهم معنيين بحراسة و متابعة تِلك المطالب الجماهيرية.
الإنقسامات داخِل حِزب الأمة الرَّجعِي، تطرب لِسماع أخبارها الأذان و ترقص لها القلوب، و تعتبر ظاهرة صحية، و أمر ضروري لعمليات التحديث و الإنتقالي السياسي الديمقراطي في السودان، و هي شيئ يجب تشجيعه و تغزيته بقوة.
إرتباك المجلس المركزي لقحت، و إنقساماته الغير مُعلَنَة، تجعلنا نتسائل عن مدى جديته فِي مُقاومة الإنقلاب.
لماذا لا يذهب المجلس المركزي لقحت إلى التحالف و التنسيق مع الحزب الشيوعي؟ إذا كان جاداً فِي إسقاط الإنقلاب !
و لكننا لا نقول فيهم إلا ما قاله المرحوم فاروق أبو عيسى.
الإحالات الواسِعة فِي الأجهِزة الأمنية جاءت لفك الضغوط الداخلية على البرهان.
إن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بخصوص الإتفاق السياسي، و لقاءات السيد فولكر بيرتس بلجان المقاومة، وضعت الدور الذى تقوم بِهِ بِعثة يونيتامس و منظمة الأمم المتحدة بأكملها فِي السودان، تحت التساؤل.
إستمرار أزمة الشرق، حتى بعد الإطاحة بالمسار السياسي الإنتقالي الدستوري، تحتم علينا إعادة قراءتها، و إجراء المراجعات اللازمة.
إن الإنقسامات العرقية العميقة في شرق السودان، بين مكونات البجا و البني عامر القبلية، يقف عائقاً كبيراً أمام أي حَل سياسي عادل يلوح في الأفق القريب.
لكن الأزمة الحقيقية و السؤال الكبير هو: لماذا عجزت القِوي المدنية الحديثة فِي الشرق و الأحزاب السياسية الخرطومية، في التعبير الحقيقي عن مطالب إقليم كامل؟ و تركته فريسة للافتات القبلية !
الأحداث الأمنية في دارفور و جنوب كردفان، تضع إتفاقية محاصصات جوبا في المحك، و تنزع عنها أي مشروعية سياسية و أخلاقية.
الخطاب الإعلامي و السياسي الذي تُصَدِرَهُ الحركات الدارفورية المسلحة لقواعِدها، يُصِر على أن العرب و الزرقة يقتتلون في دارفور، لأن جلابة المركز هُم الذين يفتنونهم مع بعضهم البعض.
و بدلاً عن إجراء المصالحات الإجتماعية و القبلية المطلوبة في إقليم دارفور، ما فتئ قادة الحركات المسلحة الدارفورية يحدثوننا عن المصالحة مع الكيزان في المركز، و منذ اليوم الأول لقدومهم إلى العاصمة فِي أكتوبر ٢٠٢٠ م.
إن إستقالة السيد عبد الله حمدوك في ظِل الوضع السياسي الراهن، لا يوجد فيها أي مصلحة سياسية، أو مكاسب ثورية للحركة الجماهيرية السودانية، خصوصاً بعد أن أعطَى الإنقلاب شرعية قانونية، و فك عنه الإختناقات الداخلية و الخارجية.
أكثر المتفائلين، لايستطيع تصور إستمرار حمدوك، و بدون ضغوط، لمدة أكثر مِنْ سِتة أشهُر.
إن إستمرار حمدوك لعام و نصف فِي منصبه، حتى قيام إنتخابات مزورة في العام ٢٠٢٣ م، يعني إستمرار تطبيق مشروع البنك الدولي في السودان.
إذا فشل مشروع البنك الدولي في السودان، بعد إكتمال تطبيقه، بحلول العام ٢٠٢٤ م، سيؤدي ذلك لاحقاً إلى صعود اليسار الإشتراكي سياسياً، كما حدث فِي بوليفيا بصعود موراليس فِي ديسمبر ٢٠٠٥ م.
أما إذا نجح مشروع البنك الدولي فِي السودان، و حقق تراكم رأسمالي، فسيؤدي ذلك إلى صعود اليمين الشعبوي، كما حدث فِي البرازيل مع بولسونارو في يناير ٢٠١٩ م.
على الشارع الآن أن يَكُف عَن الضغط على حمدوك، و يتجه إلى الضغط على البرهان، حتى نتمكن مِنْ إعادة خلط و ترتيب الأوراق.
نريد أن نَصنع فوضى خلاقة، و نَشك أوراق اللعب مِنْ جديد، حتى لا يفهم أي شخص أي شيء !
ماذا خسرت الثورة السودانية عملياً، بخروج التعايشي و حسن قاضي و تاور و ود الفكي مِنْ مجلِس السيادة ؟
الإجابة: لا شيء ! لأنهم كانوا أصفار على الشمال.
ما هو الفرق الجوهري بين أبو القاسم برطم و بين الأسماء السابقة ؟
الإجابة الأمينة: برطم أفضل.
الشيء الوحيد الذي يشفع لود الفكي، هو عمله السابق فِي لجنة إزالة التمكين و الأراضي، و هو أمر ليس له علاقة بموقعهم بمجلس السيادة.
حتى لجنة إزالة التمكين لم تكن تعمل بالصورة الصحيحة المطلوبة، و قراراتها كلها تفتقر للحصانة القضائية، و يستطيع أصغر قاضي فِي أي محلية إلغائها بجرة قلم.
الشراكة السابقة لم تحقق أهداف الثورة، و فضها أيضاً لن يحقق أهداف الثورة، و عملياً لا يوجد فرق جوهري، حتى نتباكى على الوثيقة الدستورية المُمَزقة.
ما يحقق أهداف الثورة، هو العمل على توسيع الديمقراطية، عن طريق إستنهاض الجماهير و توعيتها و إعادة رصها.
لماذا سكتت جماهير الشعب السوداني، على تنفيذ مشروع البنك الدولي خلال الأعوام الماضية؟ و لماذا ترفضه الآن؟
هناك فرق بين الإنتقال السياسي الدستوري الذي أُجهِض، و بين الإنتقال السياسي الغير دستوري الذي لا يستطيع أحد إيقافه، و الذي في جوهره هو عملية إستمرارية الثورة الشعبية.
ليس فِي مصلحة الثورة السودانية تقييدها بوثيقة دستوري مرة أخرى، و لكن مصلحتها فِي إستمرارية الشرعية الثورية.
إن مُستَقبَل الحِراك الجماهيري التقدمي السوداني، و وصوله إلى النتائج الإيجابية المرجوة، رهين بعملية إعادة تنظيم الجماهير، و بعملية ترميم التحالفات السياسية، و مُحاصرة قِوى المُساومَة البرجوازية الصُغرَّى.
magboul80@gmail.com
/////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم