بقلم مرتضى القسم عوض الكريم
مر على استقلال السودان اكثر من سبعين عاما، والسودانيون ما بين حلم مؤجل ووعد مكرر بالنهضة والاصلاح.
تنوعت الاطروحات وتعددت الزعامات وتكررت التجارب، وكلها باءت بالفشل. وفي كل مرة تخيب الامال وتتحطم الاحلام لنفس الاسباب:
حسابات خاطئة، وخطط ارتجالية، واداء هزيل لنخب نرجسية ضعيفة القدرات، انتهازية تستبيح كل شيء للوصول الى السلطة.
صراع وجودي لاحتكار الحكم بلا ضوابط ولا محرمات، يتمخض عنه هيمنة واقصاء، يقابلهما خضوع وتحته تربص وتعويق ومراهنة على الفشل.
تطبع المغلوب بطباع الغالب، وارتهان الفرقاء والبلاد للخارج، فتفتح الثغرات وتستدعى الاطماع والمؤامرات.
فتدار البلاد بالترقيع والمسكنات، وتتدحرج نحو الاستبداد والتبعية والفساد، وتنحدر الاخلاق الى الدرك الاسفل.
داء السياسة السودانية
الخلاف بين الساسة في السودان وفي الحياة العامة صار عداوة. يحسم بمنطق “انا او الطوفان” و “علي وعلى اعدائي”.
ورغم المظاهر العصرية الخادعة، ظلت السياسة السودانية في جوهرها قبائل تتنازع غنائم. والله يقول: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. وشتان بين التنازع والتدافع.
فتجد نظاما عسكريا يبطش بيد من حديد بكل من يخالفه، ولا يلتفت الى التنمية، ويعسكر الحياة كلها.
وتجد ساسة انتهازيين همهم الاول كرسي السلطة الزائف، والمواطن اخر اهتماماتهم.
اذن ما العمل وما الحل؟
اولا: نظام حكم منتج وحوكمة راشدة
لا نهضة بلا دولة مؤسسات. نتفق على نظام حكم رئاسي برجل مدني تكنوقراط، وحكومة مدنية بالكامل يتولى امرها مهندسون غير سياسيين، ليعيدوا هندسة هذه البلاد المنكوبة.
لان طبيعة المهندس لا تحتمل السياسة الفارغة. المهندس يهتم بالانتاج، ويريد نتائج ترى بالعين لا شعارات تذروها الرياح.
وتقوم هذه الدولة على الحوكمة والشفافية. تنشر كل العقود والميزانيات في موقع واحد للشعب. ويكون هناك نظام محاسبي موحد رقمي لضبط نفقات الدولة من الجنيه الاول الى الاخير. فلا مكان لخرافة “المؤامرة السرية” في دولة زجاجية، ولا مكان للفساد في ظل محاسبة صارمة. من فشل يقال، ومن اجرم يحاكم، ولا حصانة لاحد باسم الوطنية.
ثانيا: ثورة في التعليم تبدا من الارض
نحتاج ثورة تعليمية حقيقية تبدا من القرية. تطوير التعليم الفني والصناعي من المرحلة المتوسطة الى الثانوي، ست سنوات تعليم حرفي الزامي للجميع. نبني اليد قبل العقل.
واعادة هيكلة التعليم العالي بتحويل الكليات النظرية الى كليات تقنية تمنح دبلوما تقنيا لمدة سنتين وبكالوريوسا هندسيا. نريد خريجين يبنون لا يتظاهرون.
وبالتوازي مع ذلك ندخل “الاقتصاد المنزلي” و”التربية الزراعية والتشجير” في كل المدارس. نعلم ابننا كيف يزرع شجرة امام بيته، وكيف يدير بيتا منتجا، وكيف يحول النفايات الى سماد. فالشعب الذي لا يغرس ولا يبني لا يستحق ان يحكم.
ثالثا: اقتصاد الانتاج لا الجبايات
لا نهضة بلا ضوء، فتتم هيكلة وزارة الكهرباء وادخال القطاع الخاص وتشجيع الطاقة الشمسية على اسطح المنازل والمصانع.
وفتح المصانع واعفائها من الضرائب والجمارك بشرطين: ان توظف 70% من السودانيين، وان يباع المنتج محليا اولا. نشجع من ينتج ونحفز من يبدع.
اما المحليات الحالية فهي اداة جباية وتعسف. اما ان تغلق نهائيا، او يعاد بناؤها من الصفر لتتحول من خصم للمواطن الى خادم له.
رابعا: دولة تحترم الانسان في شارعه وصحته وامنه
الشرطة يجب ان يعاد بناؤها عقيدة وسلوكا. نريد شرطة في خدمة الشعب لا عدوا له. شرطة تحمي السوق وتحمي العرض وتحمي الطريق. يجب ان يشعر المواطن بالامان عند رؤية الشرطي لا بالخوف والرعب. يسحبون من مهام الجباية مع المحليات ويعودون لاصل مهنتهم: حفظ الامن.
وفي الصحة نعيد هيكلة وزارة الصحة من الجذور. وندخل مادة “اخلاقيات المهنة والتعامل مع المريض” مادة الزامية وراسبة في كليات الطب.
الحقيقة المرة ان الطبيب السوداني الا من رحم ربي اصيب بداء التكبر والجفاء وعبادة المال.
يدخل المريض متالما فيستقبله بعبوس، ويساله متوجعا فيزجره ويستهتر به.
كل همه ان يملأ الورقة بفحوصات ليس لها حوجة، واشعات لا داعي لها، وادوية باهظة فقط ليقبض العمولة.
يحول العيادة الى دكان، والمريض الى زبون، والمرض الى سلعة.
نسوا ان الطب رسالة قبل ان يكون تجارة، وخدمة قبل ان يكون وجاهة، ورحمة قبل ان يكون مهنة.
لابد من ضبط هذا الخلل. نعلم الطبيب ان يبتسم قبل ان يكتب الدواء، وان يصبر قبل ان يصرخ، وان يحترم المريض الفقير كما يحترم الغني.
وننشئ مجالس محاسبة لمراقبة الوصفات العشوائية والفحوصات الوهمية. من لم يتأدب بادب المهنة فليتركها لغيره.
اما مدننا فهي مرآة دولتنا. لذلك نلزم كل دكان وكل سوق بانشاء حمام صحي نظيف. يكفي منظر البول في الطرقات والاوساخ في الميادين. دولة لا تحسن عمل الحمامات ولا تحترم نظافة شوارعها لا تستحق ان توصف بالدولة. النظافة ايمان، والمدينة النظيفة دليل على حكومة محترمة.
خامسا: الكف عن التضييق وفتح باب العمل
عدم التضييق على المواطن نهائيا. الدولة وجدت لخدمته لا لمعاقبته. شجع المنتج، وارفع يدك عن الكادح، وافتح الطريق لمن يريد ان يعمر. ازرع معه، وابن معه، ولا تقف في طريقه.
سبعون عاما من التجريب اثبتت ان العلة فينا لا في الخارج. العلة في عقل يحكم بالهوى، وفي نخبة تحكم بالغنيمة، وفي شعب صبر كثيرا.
والنهضة لا تاتي بالتمني، بل بالعمل. ولا تبنى بالشعارات، بل بالمصانع. ولا تقوم بالخطب، بل بالمدارس. ولا تستقيم بلا حوكمة، ولا تحرس بلا شرطة محترمة، ولا تتداوى بلا طبيب رحيم، ولا تزدهر بلا شجرة وبيت منتج.
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
فاما ان ننهض كمهندسين وبنائين وغارسين ومعالجين، او نبقى كمتسولين ومتنازعين ومتالمين. والخيار لنا.
