دكتور محمد عبدالله
منذ هيروشيما وناغازاكي، لم يعد السؤال عن الحرب الكبرى سؤالاً عن قدرة الدول على خوضها، بقدر ما أصبح سؤالاً عن قدرتها على منعها. فقد نقل السلاح النووي الحرب بين القوى العظمى من نطاق السياسة والعسكرة إلى مساحة تهدد وجود البشرية ذاتها. وفي عام 2026 تبدو الصورة أكثر التباساً مما كانت عليه في عقود مضت. لا توجد مؤشرات تقول إن حرباً نووية وشيكة، لكن البيئة الاستراتيجية التي حالت طويلاً دون استخدامها أصبحت أكثر هشاشة.
تقدر مؤسسة ستوكهولم الدولية لأبحاث السلام “سيبري” أن الدول التسع المالكة للسلاح النووي — الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل — كانت تمتلك في يناير الماضي نحو 12,187 رأساً نووياً، منها قرابة 9,745 في المخزونات العسكرية المخصصة للاستخدام المحتمل، فيما كان نحو 4,012 رأساً منشوراً مع الصواريخ والطائرات. وتقدر المؤسسة أن ما بين 2,100 و2,200 رأس نووي كان في حالة تأهب عملياتي مرتفع، معظمها لدى الولايات المتحدة وروسيا.
لكن الأخطر من حجم الترسانة نفسها هو الاتجاه الذي تتحرك فيه القوى النووية. تقول “سيبري” إن الدول التسع واصلت خلال العام الماضي تحديث ترساناتها، وإن بعضها أدخل أنظمة جديدة قادرة على حمل أسلحة نووية أو مصممة لهذه الغاية. وفي الوقت نفسه، تتراجع القيود التي نشأت في مراحل سابقة للحد من سباق التسلح، بينما تعود الأسلحة النووية إلى الواجهة باعتبارها جزءاً من حسابات القوة والأمن القومي.
المشكلة هنا ليست بالضرورة أن تقرر دولة ما، في لحظة واحدة، شن حرب نووية شاملة. الخطر قد يبدأ من مكان آخر: أزمة عسكرية، ضربة تقليدية، سوء تقدير، إنذار خاطئ، أو اعتقاد لدى أحد الأطراف بأن خصمه يستعد للهجوم.
قام الردع النووي تاريخياً على معادلة بسيطة وخطيرة في آن: إذا كان الطرفان يعلمان أن الحرب ستؤدي إلى دمار لا يحتمله أحد، فإن كليهما سيمتنع عن البدء بها. لكن الردع لا يعمل في فراغ. إنه يحتاج إلى قنوات اتصال، ومعلومات دقيقة، ووقت كافٍ لاتخاذ القرار، وفهم متبادل لعقيدة الخصم، واتفاقات تحد من سباق التسلح. وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات اللحظة الراهنة.
ففي الخامس من فبراير الماضي انتهت معاهدة “نيو ستارت”، وهي آخر اتفاق رئيسي كان يضع قيوداً قانونية على الترسانتين الاستراتيجيتين الأمريكية والروسية. ووفق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، لم تتجاوز الدولتان حتى الآن الحدود المركزية التي كانت تفرضها المعاهدة، لكنهما لم تعودا ملزمتين قانونياً بها، في وقت لم يتحقق فيه بعد إطار جديد ينظم التوازن النووي بينهما.
وهذا يعني أن العالم فقد شيئاً مهماً، ليس فقط من حيث عدد الأسلحة، وإنما من حيث الشفافية وإمكانية التنبؤ. فالاتفاقات النووية لا تقتصر على تحديد عدد الصواريخ والرؤوس الحربية؛ إنها تتيح أيضاً تبادل المعلومات وآليات التحقق وبناء قدر من الثقة، وهي أمور تصبح أكثر أهمية كلما ارتفعت حرارة الأزمات.
وتزداد الصورة تعقيداً مع دخول الصين بقوة أكبر في الحسابات الاستراتيجية. فلم تعد المعادلة النووية الكبرى محصورة عملياً في واشنطن وموسكو. الصين توسع ترسانتها، بينما تواصل الولايات المتحدة وروسيا تحديث أنظمتهما النووية. وهكذا يتشكل تدريجياً نظام أكثر تعقيداً، تتداخل فيه ثلاث قوى نووية كبرى بدلاً من اثنتين.
وهذا الوضع يجعل الحسابات أصعب: ما الذي تفعله دولة عندما لا تعرف على وجه اليقين حجم ترسانة خصمها أو نواياه؟ وماذا يحدث إذا اعتقدت إحدى القوى أن خصميها الآخرين يتعاونان ضدها؟ وماذا لو دخل الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة واتخاذ القرار العسكري؟
هذه ليست أسئلة خيالية. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من النقاش الفعلي حول مستقبل الردع النووي. وتحذر “رابطة الحد من التسلح” من أن إدخال الذكاء الاصطناعي في العمليات النووية يمكن أن يضغط على الوقت المتاح أمام القادة لاتخاذ القرارات، ويزيد مخاطر الاعتماد على معلومات أو تحليلات آلية قد تكون خاطئة. كما أن نقاشاً دولياً متزايداً يدور حول ضرورة إبقاء القرار البشري حاضراً في أي قرار يتعلق باستخدام السلاح النووي.
ثم هناك الحروب الإقليمية. فوجود السلاح النووي في أيدي دول متخاصمة يجعل أي حرب تقليدية أكثر حساسية. وقد أظهرت أزمات الهند وباكستان، والحرب الروسية ـ الأوكرانية، والتوترات المتصلة بالبرنامج النووي الإيراني، كيف يمكن للصراعات التقليدية أن تجري تحت ظل الردع النووي. ولا يعني ذلك أن أياً من هذه الأزمات سيؤدي حتماً إلى استخدام السلاح النووي، لكنه يوضح أن السلاح النووي لم يعد مجرد سلاح مخزون بعيداً عن السياسة اليومية.
ولعل أكثر المؤشرات دلالة أن “نشرة علماء الذرة” ضبطت في يناير الماضي “ساعة يوم القيامة” عند 85 ثانية قبل منتصف الليل، وهو أقرب موضع بلغته الساعة منذ إنشائها. وهذه الساعة ليست أداة علمية لقياس احتمال اندلاع حرب نووية، وإنما مؤشر رمزي يضعه مجلس من العلماء والخبراء للتعبير عن مستوى المخاطر التي تهدد البشرية. وقد ربطت النشرة قرارها بالمخاطر النووية، وتراجع التعاون الدولي، والتوترات بين القوى الكبرى، إلى جانب المخاطر المناخية والتكنولوجية.
لكن من المهم ألا يتحول هذا كله إلى اعتقاد بأن الحرب النووية أصبحت قدراً محتوماً. فلا دليل يثبت أن العالم متجه حتماً إلى حرب نووية. بل إن المفارقة التاريخية أن البشرية نجحت، رغم أزمات بالغة الخطورة، في تجنب استخدام السلاح النووي منذ عام 1945. وكان الردع، إلى جانب الدبلوماسية وقنوات الاتصال واتفاقات الحد من الأسلحة، جزءاً من منظومة ساعدت على إبقاء هذا السلاح خارج ساحات القتال.
المشكلة أن نجاح الماضي قد يغري الأجيال الجديدة بالاعتقاد بأن النظام سيستمر تلقائياً.
الحرب النووية لا تحتاج بالضرورة إلى زعيم يريد تدمير العالم. قد تبدأ من زعيم يعتقد أنه يستطيع السيطرة على التصعيد، أو قائد عسكري يفسر إشارة بصورة خاطئة، أو نظام إنذار يطلق تحذيراً كاذباً، أو أزمة تقليدية تفلت من حدودها. ولهذا فإن أخطر ما في العصر النووي ليس فقط الرغبة في استخدام السلاح، وإنما احتمال أن يفقد البشر السيطرة على سلسلة الأحداث التي يمكن أن تقود إليه.
لقد تغير العالم منذ الحرب الباردة. تعددت القوى النووية، وتشابكت الحروب التقليدية مع التكنولوجيا السيبرانية والفضاء والذكاء الاصطناعي والصواريخ بعيدة المدى. وفي المقابل، تراجعت بعض آليات ضبط المنافسة النووية التي نشأت في القرن العشرين.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل ستندلع حرب نووية؟ بل: كم من الأخطاء يستطيع النظام الدولي أن يتحمل قبل أن يصبح الخطأ الأول كارثياً؟
لا تكمن الإجابة في إضافة المزيد من الأسلحة إلى ترسانات العالم، بقدر ما تكمن في إعادة بناء ما فقده من قنوات اتصال واتفاقات للحد من التسلح وآليات للتحقق والإنذار المبكر وقواعد واضحة لإدارة الأزمات. فكلما زادت الأسلحة، وقلت الشفافية، وضاقت مساحة الحوار، أصبح الأمن العالمي أكثر اعتماداً على افتراض واحد: أن جميع القادة، في جميع الأزمات، سيتخذون القرار الصحيح في اللحظة الصحيحة.
وهذه ليست استراتيجية أمان بقدر ما هي مراهنة على ألا يخطئ الإنسان.
