زهير عثمان
في لحظة فارقة من تاريخ السودان المثقل بالجراح، لم تكن رسالة الدكتور علي الحاج لرفاق الأمس في التنظيم الإسلامي أو كما يتوهمون بالتيار الاسلامي العريض ليست مجرد وعظ سياسي عابر، بل جاءت كصافرة إنذار مبكر تستند إلى قراءة واقعية وتحليلية عميقة للمشهدين الداخلي والدولي
وهي رسالة صوت العقل التي تحاول انتشال ما يمكن إنقاذه قبل أن تطوي الأرض من يرفضون قراءة التحولات المتسارعة
من عقوبات الدولة إلى حصار الأفراد
يكمن جوهر التحذير الذي أطلقه علي الحاج في التمييز الذكي بين حقبة التسعينيات والواقع الراهن
فبينما كان السودان سابقاً يواجه عقوبات شاملة كدولة، انتقلت الاستراتيجية الدولية اليوم إلى الجراحة الدقيقة؛ حيث تستهدف العقوبات والتصنيفات الأفراد مباشرة
هذا التحول يعني أن العناد السياسي لن يدفع ثمنه الوطن وحده هذه المرة، بل سيترجم فوراً إلى ملاحقات قضائية دولية، تجميد حسابات شخصية، وحظر سفر. إنها رسالة واضحة للقيادات الانخراط في الصراع أو رفض التسوية لم يعد مغامرة سياسية، بل هو انتحار شخصي ومؤسسي
تقاطع العدالة الأموال كأدلة إدانة
لم يغفل الحاج البعد القانوني الجنائي، بربطه بين “أموال التمكين” والملاحقة الدولية ففي رؤيته، لم تعد تلك الأموال مجرد مكاسب سياسية، بل تحولت إلى “أدلة إدانة” مادية تضع أصحابها تحت طائلة القانون الدولي بتهم الفساد والنهب
ومن هنا، تكتسب الرسالة ثقلاً أخلاقياً عبر الربط بين العدالة الإلهية والعدالة الأرضية، مما يضع المتلقي أمام مسؤولية تاريخية تجاه استقرار المجتمع والدولة
انهيار رهانات الحماية الإقليمية
بواقعية سياسية جافة، يقطع علي الحاج الطريق أمام المراهنين على ظهير إقليمي
فالدول التي كانت تُعتبر حليفة أو ملاذاً، مثل تركيا أو مصر، باتت هي الأخرى محكومة بتوازنات دولية وضغوط داخلية تجعل من توفير الحماية للإسلاميين السودانيين عبئاً لا ترغب في تحمله السياسة الواقعية هنا تقول , لا أحد سيخاطر بمصالحه الدولية من أجل إنقاذ تنظيم يرفض التأقلم
خيار النجاة: التسوية أو الفناء
تطرح الرسالة “التسوية العقلانية” كاستراتيجية بقاء لا بديل عنها. الحاج هنا لا يبيع أوهاماً، بل يقدم عرضاً برغماتياً: الحفاظ على ما تبقى من حرية ومال مقابل الانخراط في حل سلمي وسلطة مدنية. وتعزيزاً لهذا الطرح، استند إلى مرجعيات دينية لتحويل النص من مناورة سياسية إلى “ميثاق أخلاقي” يحمي الفرد والجماعة من تكرار تجربة حصار 1993، ولكن بنسخة أكثر قسوة تستهدف الأفراد في صميم حياتهم
خاتمة: خريطة طريق للمستقبل
إن تداعيات هذه الرسالة تتجاوز حدود التنظيم؛ فهي تدفع نحو تعزيز فرص الحوار الوطني والبحث عن حلول سلمية بعيداً عن لغة السلاح
رفع مستوى المسؤولية الفردية تجاه الملاحقات الجنائية الدولية (لا سيما ملفات الإبادة والأسلحة الكيماوية التي لم تُغلق بعد)
تغليب لغة النجاة الواقعية على أوهام العودة إلى الماضي والاصرار علي انهم الاقوي
رسالة علي الحاج هي نداء أخير للتعقل؛ هي محاولة لرسم خريطة نجاة سياسية وأخلاقية وسط حقل ألغام دولي. فهل يلتقط “رفاق الأمس” القفاز، أم يختارون المواجهة مع مجتمع دولي لا يرحم؟
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم