هل هناك حوجة إلى تحالف سياسي مختلف؟ .. بقلم: هالة الكارب


قدم شباب وشابات لجان المقاومة نموذجاً جديداً للحراك السياسي القاعدي الشعبي المغاير الذي يشكل نقله تاريخية في ممارسة السياسة، وتجارب النضال السلمي في السودان.
وتنال اللجان دعم السودانيين بمختلف خلفياتهم وخلفياتهن لارتباطها بالسواد الأعظم من الشعب على مستوى القواعد، وقد كسرت اللجان احتكار ممارسة السياسة على مجموعات الأفندية والأفنديات المعزولة في خطابها وممارستها للفعل السياسي بشكل واضح، مما تسبب في إرباك سدنة السياسة التقليدية، وتغيير ملامح المشهد السياسي السوداني بشكل عام.
ولعل أهم ما يميز اللجان كتنظيمات قاعدية؛ انها اخترقت دوائر الانتفاضات المقتضبة التي ظلت تصاحب محاولات التغيير والتحرر من قبضه الحكم العسكري في السودان منذ الاستقلال، حيث ظل تراكم الغضب الشعبي يقود الى انتفاضة شعبية عارمة تدعمها اضرابات مهنية وعصيان مدني، وتنتهي تلك الانتفاضات او الثورات القصيرة المدى بهرولة من الأحزاب السياسية لاحتواء الثورة بصدد الحصول على مناصب الحكم عبر التوافق مع المؤسسة العسكرية، ومن ثم تعاود المؤسسة العسكرية السيطرة على مقاليد الحكم كما حدث خلال حقبة قصيرة من الزمن، في أعقاب ثورات أكتوبر 64 وابريل 86.
ولعل تجربة اعتصام الخرطوم العظيم ما بين 11 ابريل 2019 وحتى الثالث من يونيو 2019؛ قد أسهمت الى حد كبير في ترسيخ جذور الثورة وإبقاء جزوتها مشتعلة الى الآن، فقد نجح السودانيون في فترة الاعتصام في انتزاع مساحة ديمقراطية شاملة ومتنوعة وخارجة عن سيطرة البنية السياسية التقليدية، والتي طالما احتكرت توجهات ومقاليد الحكم والحراك السياسي في البلاد.
ورغم جسامة التضحيات التي صاحبت فض الاعتصام؛ الا ان التجربة الثرة في حد ذاتها قد ألهمت الشباب والشابات الى إمكانية حدوث سودان يحكم بشكل عادل وديمقراطي. وعليه فقد امتدت تجربة لجان المقاومة الحالية منذ العام 2019، ونمت خلال اعتصام الخرطوم وهي تنضج وتتسع بشكل منتظم. حيث تُقدم اللجان منصات نضال شعبية واسعة وممتدة ومرتبطة بمصالح الجماهير وآمالها وتطلعاتها، في خلاص السودان من منظومة الحكم العسكري بشكل حقيقي. هذا الأمل الذي طالما تم إجهاضه لعقود من الزمان في دولة ما بعد الاستقلال السودانية.
فقد ظلت الأحزاب السياسية تتبنى نفس الاستراتيجية المكررة في بناء تحالفات خفية او علانية ما بينها والمؤسسة العسكرية، وظلت تلك الصيغة هي التصور الأمثل الذي بنت عليه الأحزاب السياسية السودانية تطلعاتها في الحكم، وصاغت عليها بنياتها الداخلية والتي أصبحت بمرور السنوات لا تمت بصلة لشعار الدولة المدنية الديمقراطية الذي طالما رفعته على السطح ذات الأحزاب. حيث أصبح وجود الأحزاب السياسية في الساحة رهين للمؤسسة العسكرية والموقف منها، وليس باعتبارها أجسام اً سياسية تمثل الشعب وتعبر عنه، وتفتح أبوابها له ولقضاياه ومصالحة.
وفب ظل حكومة المؤتمر الوطني التي استندت على تحالف تنظيم الاخوان المسلمين مع الجيش؛ فقدت الأحزاب السودانية آليات تواصلها مع قواعدها، وتعرضت للقهر والتشرذم والعزلة، وأصبحت مهمومة بالحفاظ على مجرد تواجدها في الساحة السياسية. ومن هنا ضاع منها سؤال المشروعية بالكامل، وأصبحت تمارس السياسة بالوكالة وليس عبر آليات ديمقراطية وانخراط شعبي أو استراتيجيات مقاومة خلاقة.
وقد اتضح بشكل جلي مخاطر انعدام المشروعية وغياب الآليات والممارسة الديمقراطية والشفافية في بنية الأحزاب السياسية خلال العامين السابقين، حيث رصدنا نحن السودانيين/ات كيف أصبحت أسئلة مهمة وخطرة تستوجب التشاور والتوضيح مثل قرارات رفع الدعم مثلاً، يتم اتخاذ القرار فيها دون أن يُبذل أي مجهود في إيجاد أي مساحات تشاورية وتوضيح الرأي والرأي المغاير.. وقس على ذلك. حيث تتخذ القرارات ما بين مجموعات فرضت نفسها من واقع الوكالة على الملايين من الشعب السوداني، واتخذت تلك المجموعات قرارات معقدة وشائكة نيابة عن الشعب دون ان تكلف نفسها عناء الحصول على أي مستوى من مستويات المشروعية والتفويض. ويتجلى ذلك بوضوح في بنية “تحالف قوى الحرية والتغيير”، والذي وجد كبنية فرضتها ضرورة الاحتياج لتحالف حد أدنى للتفاوض مع بقايا نظام البشير لتسليم السلطة للمدنيين. الا أنه وفي تقديري فقد ظلمت المجموعات المكونة للحرية والتغيير الشعب السوداني، وظلمت أيضاً مكوناتها ومجمل تجربة 2019 بتجاهلها التام لسؤال المشروعية ومجافاتها لمبدأ الشفافية كأحد الشروط الأولية للتحالفات الثورية.
وكان من الممكن لهذا التحالف أن يستثمر في تقوية بنيته الداخلية، ويعمل على اكساب الحرية والتغيير مشروعية وآليات تفويض فاعلة وعمق في مختلف أقاليم ومجتمعات السودان، كما كان يمكن توسيعه كتحالف حد أدنى يلتف حول حماية الوثيقة الدستورية التي وقعتها الحرية والتغيير مع المؤسسة العسكرية، والانخراط في حماية الاتفاق وإيجاد اليات لتكوين المجالس التشريعية والتصعيد للمجلس التشريعي القومي. ولكن تحول تحالف “الحرية والتغيير” الى جسم فاقد الملامح ضعيف الى أقصى حد في صلاته بالسودانيين وقضاياهم، ومستهلك في خلافات غير مفهومة للمواطن العادي، وساحة معترك لرغبات ذاتية محدودة واجندة صغيرة لا تمت بصلة لتطلعات السودانيين والسودانيات.
من بين براثن العنف الممنهج اليائس والتخويف تخرج الثورة السودانية لتكتسح القديم الرث، هذا النضال الشعبي الشامل العميق الذي اشتعل منذ 25 أكتوبر والذي يلتف حوله السودانيين والسودانيات من الشابات والشباب الطلاب والخريجين والباعة المتجولين في شوارع المدن، وأصحاب المهن الهامشية وأطفال الشوارع وتلاميذ المدارس، الى التجار والمهنيين/ات بمختلف خلفياتهم/هن في المدن والريف؛ هو تغيير كاسح شئنا أم أبينا. وهو تغيير يحمل دلالات ان هناك ارضية سياسية جديدة تتخلق في السودان. وان تلك الأرضية تجاوزت ممارسة سياسة المعارضة التقليدية.
حيث هزم هذا الحراك حواجز الخوف الموروثة، ونقل نضالات السودانيين/ات من مربع ضحايا الأنظمة الشمولية مثل: المعتقلين والمفصولين وجموع المعارضين باعتبارهم قيادة الحراك ضد الحكم الشمولي المظلم، الى توسيع مساحات المقاومة السلمية العريضة والممنهجة، والتي أصبحت لا تنتهي باعتقال او تعذيب الشخوص.
فقد حول حراك لجان المقاومة العمل النضالي ضد المؤسسة العسكرية وتوابعها الى ثورة عميقة تتحدى بنيات التعالي واستحقاقات المواطنة، “البلد دي حقتنا ومدنية حكومتنا”، هذا الشعار ترجمته اللجان الى خطاب مواطنة ومحبة للوطن، وهكذا تبني الشعوب مواطنتها. وليس عن طريق اجترار الأمجاد الشخصية التي تترجم مباشرة الى استحقاقات في كعكة السلطة.
ما يحدث الان في السودان هو الثورة بكل معانيها، حيث تصبح الأفعال البطولية جزءً أصيلاً من مسيرة التحرر بما في ذلك الاعتقال التعذيب او الموت او الاعتداء الجنسي. والابطال هم الناس العاديون اهل البلد من الشابات والشباب والنساء والرجال الصناع الحقيقيون للتغيير.
وفب نفس الوقت تقدم الثورة السودانية فرصة ذهبية لمن أراد من الأحزاب السياسية ان يلحق الموكب. فلأول مرة في التاريخ يستفتي السودانيون وبشكل واضح لا لبس فيه ان ما نريده وما ينفعنا، هو دولة مدنية ديمقراطية جزء من هذا العالم، دولة محاسبة وعدالة قانونية واجتماعية، وهذا هو طريق خلاصنا من دوائر العنف والتخلف.
الشاهد في الأمر ان هذه الدولة المدنية الديمقراطية مركزية او لا مركزية لا يتم بناؤها الا عبر أحزاب متماسكة في بنيتها ونهجها والتزامها بالديمقراطية في تكوينها في المقام الأول، قبل ان تطرحها كبرامج عمل، وان لا أحد كبير على الشعب، حيث ان الصفات الاعتبارية لم تعد ذات معنى، فالاعتبارية تأتي فقط من المصداقية والاتساق في المواقف.
والاهم، يحتاج الشارع الى أحزاب تعبر عنه وتعكس في تكويناتها وقياداتها ملامحه. وتعطي الثورة التي انطلقت مع لحظة التصدي للانقلاب في 25 أكتوبر 2021 مساحة واسعة للأحزاب لبناء تحالفاتها الجماهرية وقواعدها، وطرح برامجها الاقتصادية ورؤاها للتغيير الاجتماعي والسياسي بشكل واضح، بعيداً عن التصورات التقليدية (البتلف وتدور في مسمار جحا.. التحالفات مع العسكر)، الامر الذي ظل لعقود يشكل المرجعية الأساسية لتصورات الأحزاب للحكم.. (لكن خلوني اوريكم: هذا الشعب لن يحكم بهذه الطريقة من هنا ولي قدام).
ووفق لتقديراتي فإن بناء الحكم المدني الديمقراطي في سودان اليوم يتطلب الوعي بأهمية وشمولية التحاور دون حصر الحوار والحراك السياسي في الخرطوم، واختزال كل مناطق وسط السودان وشماله باعتبارها خرطوم، وفي نفس الوقت اختزال دارفور ومناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان باعتبارها حكراً للحركات والجماعات المسلحة. فتمدد حراك المقاومة السلمي داخل مناطق النزاعات بداية من اعتصامات السلام والاعتصامات المتعددة التي حدثت في مختلف مناطق السودان آخرها اعتصام مرشيننق؛ كلها أوضحت للعيان تماهي وقبول السودانيين في مناطق النزاعات ممن ذاقوا الأمرين من ويلات الحروب للمقاومة السلمية، واداركهم/هن ان ذلك هو السبل الذي سوف بؤدي الة سلام حقيقي.
ويبقى السؤال، هل هناك ضرورة لبناء تحالف أو عدة تحالفات لا مركزية وواسعة عبر أقاليم ومدن السودان، ما بين الأحزاب والحركات المسلحة الملتزمة بالتحول الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية واللجان بصدد التوصل الة اتفاق حول حكم السودان وفق متغيرات الواقع المعاش؟؟ أم سوف نركن الى نظرية “الجن التعرفو” والرجوع الى دروب قديمة ودائريه ترجعنا دوما الى نفس نقطة الانطلاق.
إذا ارادت الأحزاب السياسية الجادة ان تحكم فلا مفر من العمل الدؤوب والخروج من “عقدة العساكر المسيطرة على مخيلة الساسة التقليديين، كما ان نظريات الدروب المختصرة قد استنزفت وكل السكك مكشوفة.
المسألة اذًا تتطلب: شجاعة واستثمار في بناء تحالفات حد أدنى تتبنى آليات ديمقراطية وأسس شفافية تخوضها الأحزاب مع اللجان وفق لبرامجها، ومن ثم تشكيل جبهة عريضة تستعين بخبراء ومستشارين يعملون على إيجاد اليات تمثيل عبر عينات انتخابية او تصعيد عبر المحليات لحكومات الولايات، ومن ثم تشكيل المجلس التشريعي الذي من المفترض ان يشكل النواة الاولى لقيام الحكومة التنفيذية الانتقالية في البلاد، لحين التوافق على عملية واليات صناعة الدستور والتعداد وقانون الانتخابات وغيرها من إجراءات الانتقال.
ان الخوض في إعادة انتاج تجربة 2019 لم يعد ممكنا كما يتضح جليا للمراقب الواعي. كما ان احتمالات ان تكون هناك دولة سودانية مستقرة تحت راية المؤسسة العسكرية ذلك لم يعد ضمن الخيارات الممكنة أيضا.
فالأحزاب السياسية هي الاجسام التي ينبغي عليها ان تدخل الى مركز الدائرة وتملأ الفراغ السياسي وتعد نفسها لإدارة الحكم، والجدير بالانتباه ان الانتخابات القادمة في السودان ستكون انتخابات مفصلية ونتائجها ستكون محكومة بأداء الأحزاب السياسية خلال المرحلة الحالية.. حيث تتجاوز نسب الشباب ما بين 16 الى 30 حوالي ال 70% من تعداد سكان السودان، ولأول مرة منذ ستينات القرن الماضي يتقدم الحراك السياسي في السودان شباب تتراوح أعمارهن/هم ما بين 16-30، ويحدث ذلك في ظل توارى لملامح السودان القديم، وقادم جديد يُولد عبر مخاض عسير وتضحيات جسام.

aishasiha@gmail.com
//////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!