الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد.. فهذا كتابٌ نادرٌ وغير مسبوق في بابه فيما أعلم. بلى، ربما تكون قد ظهرت في المكتبة العربية والإسلامية خلال الأعوام الماضية بعض المصنفات التي أفردها أصحابها للدراسة والبحث في مواضيع من قبيل: "العلاقات الدولية في الإسلام" أو "الدبلوماسية في التراث العربي والإسلامي"، أو "تأصيل السياسة الخارجية"، و "أصول الفكر الدبلوماسي الإسلامي" هلمّ جرّا. وهذه المواضيع جميعها كما قد يلاحظ القارئ الكريم، إنما يكون قصارها هو التركيز على الأصول والمرتكزات التاريخية للفكر وللممارسة الدبلوماسية في إطار السياسات الشرعية للنظم السلطانية الإسلامية بمختلف دولها وحقبها المتعاقبة، فضلاً عن أن تقاربت تلك المباحث والمواضيع تتم عادة في سياق يغلب عليه الطابع النظري والتجريدي. هذا، بينما (ينحو الأخ والزميل الفاضل السفير سليمان عبد التواب في هذا السفر القيم "تأصيل العمل والسلوك الدبلوماسي" منحاً عملياً تطبيقياً، قصد من خلاله إلى تصنيف ما يشبه المرشد أو المدونة الفقهية التي من شأنها أن تعين الدبلوماسي المسلم على استذكار فقه عباداته في السفر من حيث هو فرد مسلم مأمور بتأدية شعائره التعبدية على الوجه الصحيح شرعاً وديناً، وبوصفه موظفاً دبلوماسياً أو قنصلياً يوكل إليه في كثير من الأحيان القيام بمعالجة بعض القضايا والشؤون التي تهم مواطني دولته المقيمين في منطقة التمثيل الدبلوماسي أو القنصلي، وهي لعمري قضايا وشؤون تتطلب معرفةً دقيقةً، وإلماماً واسعاً بالجوانب الفقهية والأحكام الشرعية فيما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية) من زواج وطلاق ونفقة وخلع وحضانة وغيرها، فضلاً عن فقه الجنائز والصلاة عليها، والمواريث والتركات وما إليها، بالإضافة إلى فقه المعاملات المالية والتجارية من بيوع ووكالات وقروض وما جرى مجراها من الأحكام الشرعية ذات الصلة. فهذا الكتاب إذاً عظيم الفائدة للدبلوماسي المسلم من الناحية المهنية البحتة إذ أنه يقدم له الحكم الشرعي مشفوعاً بأسانيده من مصادره ومظانه المعتمدة.
فلكل ما تقدّم. أحسب أنني لم أكن مغالياً البتة حينما وصفت هذا الكتاب بأنه نادر وغير مسبوق. فجزى الله مؤلفه خير الجزاء على ما أسدى لدينه وأمته ومهنته، وهنيئاً للمكتبة العربية والإسلامية، وللدبلوماسيين المسلمين على وجه الخصوص بهذا السفر القيّم المفيد.
وليسمح لي القارئ الكريم أن أذكر هنا أيضاً، أنني كنت في واقع الأمر شاهداً على ميلاد هذا الكتاب، بل إنني ظللت أتابع مؤلفه عن كثب مشجعاً ومسدداً، وهو يخط ببراعة الصفحات الاولى من مسودته، ونحن يومئذٍ بمدينة "بكين" عاصمة الصين الشعبية، حيث شاركنا في سمنار للدبلوماسيين الأفارقة الذين أود أن أخص منهم بالذكر الأخوين الكريمين محمد الأمين ولد عبد الله وعبد الله بلال وكلاهما من وزارة خارجية جمهورية موريتانيا الإسلامية. وقد نشأت بين مجموعتنا السودانية وهذين الأخوين الفاضلين علاقة أخوية ودودة زانها أُنس جميل، ومناقشات جادة في ألوان مختلفة ومتنوعة من ضروب الأفكار والثقافة، وربما خرجنا من صرامة الجد أحياناً إلى بحبوحة الهزل نروّح به عن أنفسنا حتى ونحن نتجاذب أطراف الحديث في بعض الأمور الفقهية الجادة. ومن ذلك أننا تطرقنا مرة للمواقف التي يتخذها الناس عند تغير الأنظمة السياسية.. فحكى لنا أخونا محمد الأمين عن رجل موريتاني عرفه الناس هناك بالولاء الشديد لنظام سياسي معين، فلما تغير ذلك النظام وذهبت ريحه، غيّر صاحبنا جلده ومال مع الريح الجديدة، فلما قيل له في ذلك.. أجاب منتقديه بقوله: "أنا مالكي المذهب، وكره مالكٌ رحمه الله صحبة من أدبرت أيامه".
ولعلي أكتفي بهذا القدر من الحديث في تقديم هذا الكتاب، ولا أحول بين القارئ وبين الاستمتاع به، والإفادة منه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
Ansa One [osamadaf@msn.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم