و ها أنا ذا من جديد ، أبحث عن وثيقة سفري بين أوراق دفاتري المبعثرة ، وسط تلك الأدراج المعبأة بمقتنيات عزيزة ، و خطابات تجمعت بمرور الأيام والسنين ، و بعض الهدايا الصغيرة تحمل ذكريات مختلفة ، أبحث عنها لأحصل علي أذن الوصول اليك بعد أكثر من ثلاثة أعوام ، أحسبها كل يوم ، وأنا أصارع ظروف عمل مضني مستمر لا ينتهي ، لأجد يوم فراغ في أيام الأسبوع السبعة ، من اسابيع الشهر الأربعة ، ليكتمل العام بأشهره الأثني عشر ، الزمن والعمل ، كل يقسو بطريقته ، كل يضع عقبات في سبيل الوصول اليك بعد هذه السنوات الطويلة ، الوصول اليك يحتاج إلي ختم علي جواز سفري ، وأنا من كنت آتيك من غير ميعاد ، آتيك في كل الاوقات ، كانت تطول الأزمنة بحسابات الزمن ، لكنني لمن أجد يوماً حاجزاً في طريق الوصول إلي عينك ، لم تقف المسافات يوماً في درب الوقوف علي منارات ضفتيك ، لكن بلا شك ، هي أقدار الزمن العنيد ، هي تباريح الدهر الضنين .
شايلاه وين النيل معاك
عصفورة جنحاتها النجوم
وأنا بي وراك
بسأل عليك مدن مدن
وأعصر سلافة الليل حزن
بسأل عليك في المنفى في مرفأ السفن
إمكن طيوفك أخريات الليل تمر
تملا البراحات “للبعيد ” طول العمر
* * *
تبعدني عنك الأميال والمسافات ، وتربطني بك كل الأوقات والأزمنة ، لماذا أنت في خاطري وأعماق قلبي ، لماذا تحتوين أفكآري و وجميع أخيلتي ، وأنت مستعصمة بذلك البعد المضني ، وأنا من كنت آتيك في كل عام مرة ، و أنا من كنت أتطلع لرويتك في كثير من الأوقات ، بدون ميعاد أو حتى وعد مسبق متفق ، من الذي جعل هذا البعد واقعاً ملموسا ، شي حتمي أقبل به وأنا افتقد الي القوة والمقدرة ، منذ نعومة أظافري كنت آتيك من الشمال البعيد محملا بخبز وزاد من أمي ، كل ماتزودني به من دواخل تلك النخيل الشامخة علي ضفاف النهر العظيم ، وعندما تقدم بي العمر كنت أتيك من الوسط الخصيب ، أحمل رائحة الدعاش والمطر و روعة اهلها بين جنباتي ، من ذا الذي خط هذا البعد الطويل ، وأنا من بدأت الحضور أليك بصندوق به خبز أمي ، وفارقتك أحمل حقائب خالية الي غربة طويلة شرعية كانت أم غير شرعية ، فارقت فيها شعرك الأسود و سماوات عينيك السمراء ، الي ذوات شعر اشقر وعيون زرق .
و أدريس جماع ، ذاك السابق لعهده وزمانه يكتب عن النيل التليد ، وفي أشعاره وكلماته أجد ذاك المتنفس الوحيد الذي يأخذني من منبع النيل الي مصبه وأنا خملُ ثملُ ، كيف لا وهو يقول:
النيل من نشوة الصهباء سلسلة
وساكنو النيل سمار وندمان
وخفقة الموج أشجان تجاوبها
من القلوب التفاتات وأشجان
لك أن تذهب بعيدا بخيالك في وصفه للنيل وتشبيهه لسكانه ، وقمة الوصف لحال أشجان تلك الموجة الوالهة ، والتي يتجلي في توصيف تلك الالتفافات والأشجان من قلوب قطّانه و سمّاره ، حتي يصل الي أعلي قمة ، و أروع مكانة في الوصف والتشبيه عندما يقول :
إذا العنادل حيا الليل صادحها
والليل ساج فصمت الليل آذان
حتى إذا ابتسم الفجر النضير لها
وباكرته أهازيج و ألحان
تحدر النور من آفاقه طرباً
واستقبلته الروابي وهو نشوان
و مرة أخري جماع يدهشنا ويحير النقاد والكتاب في رائعته ” أنت السماء بدت لنا ” و تتعدد الروايات حول مناسبتها ، جماع جمعني معه عشق النيل والمساء ، أخذتني حروفه بعيداً ، كانت معي دوماً علي ضفاف النيل ، عندما أفتح ذاك الباب الخلفي الصغير في منزلنا الكبير المطل علي النيل ، و أجد خطواتي وقد أخذتني إلي ضفافه بعد سنين من الأبتعاد والهجرة ، لكن تلك الثنائية مع الجميل سيد خليفة ، كانت تأخذني إلي فضاءات أبعد و آفاق أرحب ، سماء تبعثرت فيها النجوم نوراً ونقوشاً مضيئة ، والمجرات البعيدة عناقيداً و قناديلاً منيرة :
يا شعلةً طافتْ خواطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا
أنـسـت فيكَ قداسةً ولــمستُ إشراقاً وفناً
ونظـُرتُ فـى عينيكِ آفاقاً وأسـراراً ومعـنى
كلّمْ عهـوداً فى الصـبا أسألْ عهـوداً كيف كـُنا
كـمْ باللقا سمـحتْ لنا كـمْ بالطهارةِ ظللـتنا
ذهـبَ الصـبا بعُهودِهِ ليتَ الطِـفُوْلةَ عـاودتنا
د.زهير عامر محمد عبد الكريم
المملكة المتحدة
١٦ أغسطس ٢٠٢٦
