وداعاً إدريس الطاهر النيل 

 


 

حامد بشري
2 يوليو, 2022

 

رحل في الخامس والعشرين من يونيو في هدوء وصمت كاملين . وفي غير عاداته تعمد أن لا يودعنا حتي نكون علي موعد لقاء مع ضحكته القادمة . أبي أن يذكرنا بحالته الصحية حتي لا يسبب لنا قلقاً وتوتراً . آخر أتصال عن طريق الفيديو معه حينما كان هو ورفيقة دربه الهام محمود أبوبكر وأبنته دينا وأبنه الطاهر  حضوراً معه لمراجعة نظره حيث أجري عملية جراحية في أحدي العينين بالقاهرة . وحتي وهو علي الكرسي المتحرك لم يفت عليه أن يطلق نكته من العيار الثقيل .

علاقة الصداقة التي ربطتني معه قد تكون حتي أقوي من علاقة الدم فهو أبن خالي، الطاهر النيل شقيق الوالدة زينب النيل . أذكر في زمن مضي حيث كان أدريس يحضر بدراجته من ودنوباوي متجهاً الي دار الرياضة بالخرطوم يتوقف في العباسية لاداء التحية ورؤية ذويه هذه المسافة قد تربو علي العشرين كيلومتر. وعندما ما التحق بجامعة الخرطوم بعد أن مكث بكلية الشرطة لفترة تدريبية قصيرة أستحبطه مرة لكي يري نتيجة الأمتحانات التي كانت تعلق في لوح زجاجي علي الممر في الكلية وكانت هذه أول زيارة لي لجامعة الخرطوم. في تلك الفترة تعرفت عن طريقه الي أسماء سطرت نضالها في صفحة ناصعة من تاريخ السودان  علي عبدالقيوم ، عثمان جعفر النصيري ، بندق ، هشام الفيل ، أحمد عبدالله ، عبدالله جلاب وآخرين كثر . في تلك السنين النضرة لا يفوتني أن أذكر طرفة للراحل المقيم أدريس مع أحد أصدقائه والعهدة علي الراوي في أحدي الامسيات كانوا يتناولون الشاي عند المغيب وكل ممسك بسجارته ومن حيث لا يدرون دخل عليهم الخال الطاهر وحياهم فما كان من أدريس الأ أن ناول السيجارة التي كان يمسك بها الي زميله الآخر أذ لم يكن من الآداب والسلوك القويم أن يدخن الشخص أمام من يكبره سناً خاصة أذا كان هو الوالد . مضت الأيام والشهور ولم يأتي زميل أدريس الي زيارة المنزل فأفتقدته الأسرة وحين أراد الخال الطاهر الأستفسار عنه سأل أدريس ( وين صاحبك داك أب سجارتين ) مما يدل علي أن أمر تدخين أدريس أفتضح .

مر أدريس بتجارب صقلته ومن أكثرها ايلاماً وتأثيرأ أتهامه وضلوعه في الأحداث التي جرت علي مسرح الجامعة في أعقاب رقصة العجكو . علي أثرها تم حبس أدريس وتقديمه الي محكمة بتهمة قتل زميله الطالب . كانت محاكمة تاريخية دافع فيها عنه مجموعة من المحامين الشرفاء وكان علي رأسهم عبدالوهاب بوب والسر خليل . كنا حينها طلبة في المرحلة الثانوية نتابع الجلسات وفي بعض الأحيان نحضرها الي أن تمت تبرأة أدريس من التهمة وعاد الي مواصلة دراسته الجامعية التي أكملها بنجاح . تركت هذه الحادثة أثرها البالغ علي أدريس وذويه .

بعد التخرج عمل أدريس لفترة بوزارة الشباب والرياضة ثم التحلق بوزارة التعليم العالي (لجنة تمويل التعليم العالي) ومنها أنتدب الي العمل بالملحقية الثقافية بلندن . هنالك توسعت صداقات أدريس وجمعت الوان الطيف وقدم فيها مساعدات لا تحصي لعدد من المبعوثين السودانيين بغض النظر عن أتجاهاتهم السياسية . الكل أحب الملحقية والتعامل معها عكس ما كان عليه نمط الملحقيات في عهد حكومة النميري . زادت المنح الدراسية وأنتظمت الأعانة الشهرية التي كانت تأتي من الخرطوم . وعندما عاد أدريس الي السودان ساهم بهمة عالية وإخلاص في أنشاء هذا الصرح ( جامعة أمدرمان الأهلية ) وعلي ما أعتقد تولي في أحدي الفترات عمادة الجامعة . تعامل مع الجامعة كأنها أحد أفراد أسرته الحميمين . أهتمام أدريس بالتعليم أنعكس علي مسلكه في العائلة مما جعله يساهم بقدر ما أستطاع لمساعدات شباب وشابات العائلة في الالتحاق بمؤسسات التعليم المختلفة سواء في السودان أو خارجه . كذلك كان لأدريس نشاط مكثف في العمل التطوعي ، خدم رئيساً مكلفاً لجمعية أصدقاء الأطفال وقدم الكثير من أجل حقوق الأطفال وخاصة الأطفال المشردين وأطفال الأصلاحيات ودار رعاية الطفولة . أسهم مع الآخرين في المحافظة والأبداع في تطوير الشعلة الثقافية الأمدرمانية ( مركز عبدالكريم ميرغني ) وخاصة جائزة الطيب صالح السنوية التي يقدمها المركز للمبدعين في حقل الكتابة . عذائي للقائمين علي المركز ولكمال في هذا الفقد .

رحل أدريس قبل أن يشهد زوال الحكم الغاشم وقبل أن يري الوطن يتعافي تحت ظل حكم ديمقراطي ينعم بالتعددية والمساواة وقبل أن يري التعليم العالي الذي وهب حياته له يسترد عافيته ويعود علي عهده الأول بمجانيته وفرصه المتكافأة لابناء وبنات الشعب وبمكانته المرموقة في الترتيب العالمي للجامعات. أدريس علي الدوام كان يراهن علي نهاية هذا النظام وعلي قرب الفرج ساعده في وضوح هذه الرؤية أبتعاده كلية عن السلوك الأنتهازي والمواقف الرمادية أضافة للمعارف التي أكتسبها وتحصن بها والتصاقه المباشر بالعمال حيث أُتيحت له فرصة ألاحتكاك الحقيقي بهم  في ورشهم وسكنهم ومشاركته مأكلهم ومشربهم ومعرفة أحتياجاتهم اليومية البسيطة وذلك قبل أن تأخذه المؤوسسات التعليمية التي أصبح مكسباً أكاديمياً وأجتماعياً وثقافياً لها حيث تخرجت علي أيديه طلبة وطالبات متميزين.

فقيدنا أدريس كان من غمار الناس في مسكنه ومأكله ومشربه علي الرغم من حصوله علي التعليم العالي الذي أعتبره  جزء مقدر من المتعلمين رافعة أجتماعية لهم . حكي لي في أحدي المرات أنه الوحيد الذي بقي في الوطن مرابطاً علي الجمر من أبناء الدفعة . كان حين تأتيه أول فرصة للتخلص من زي الفرنجة تراه مرتدياً حلة لباسه البلدي الجلباب والعمامة والمركوب. كان مُحباً لكل ما هو سوداني أم رقيقة والملوخية والكسرة والشاي الساده ويطربُ للحقيبة ومصطفي سيد أحمد ووردي. لا يعطيك أي أنطباع أو أحساس حينما تجالسه بأنه بروفسير أو حتي أستاذاً جامعياً . متواضعاً حتي الثمالة تجده يتحدث عن هموم الناس اليومية ويملأ المجلس مرحاً بضحكته التي تعطيك يقيناً وطمأنينةً ويجعلك تحسُ في داخلك أن هذا البلد بخيره ولا يستطيع أي من كان أن يُركِّع شعبه رغم النكبات السياسية التي مر ويمر بها. لا يستفز مستمعية بمعرفته في مجال تخصصه ولا يحشر المصطلحات والكلمات العجمية أثناء تحدثه في مجال غير الجغرافيا والبيئة والي أن فارق هذه الزايلة لم يحمل حقداً أو ضغينة علي أحدٍ . أدريس ذو خصائل حميدة جمة ومن ضمن تلك التي لا تخطئها العين الكرم والشهامة التي جُبل عليها منذ أيام الطلب . لا غرابة في أن أشبهه بالأولياء والصالحين ، الذين دعوه الي مجالستهم فأستجاب رب العزة الي مطلبهم .

في عزائك يا صديقي أقتبس هذه الجزئية مما سطره الزميل أمين محمد أبراهيم في وفاة رفيق دربه الخاتم عدلان لانها صالحة لكل زمان ومكان ولكل من ضحي في سبيل الوطن من أجل حياة كريمة

"ولئن غيبك الموت جسداً فإن ذكرك سيظل ماثلاً وحاضراً في قلوبنا وضمير وذاكرة الشعب الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ولئن أحزننا رحيلك فإننا فخورون بأن جمعتنا بك الأيام وتشاركنا هموم الحياة وصارعنا معاً لتغيير واقعها المختل الى الأفضل قدر المستطاع تحقيقاً لأحلام وأشواق مشروعة لسواد الناس في التقدم. فنم مطمئناً في سلام فمثلك لا يموت ، فقد بذلت حياتك في تجرد ونكران ذات لقضية تستحق أن تكرس لها كل الحياة بسخاء لا يعرف المن ولا الأذى وإقدام لا يعرف التردد فالحياة يا صديقي تعطي مرة واحدة، ونشهد أنك قد عشتها كما ينبغي وبما يرفع ذكرك في ذرى المجد ويشرِف كل من انتميت إليه أو انتمى إليك وعزاؤنا أنك خالد في الخالدين وقد علمتنا الأيام أن نسموا على أحزاننا وآلامنا ونلعق جراحاتنا ونمضي نعزف أجمل الألحان ونغني ونحن نزف أوسم الفتيان عقولاً وأكثرهم نباهة ونبلاً إلى رحم الأرض الولود الخصيب في القرى والمدن والأصقاع البعيدة في أرجاء الوطن الواسع نبذرهم (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) صدق الله العظيم "

برحول عمدة آل النيل ، العزاء للجميع وحرى تعازيّ القلبية إلى رفيقة دربك الصابرة الهام محمود أبوبكر ولذريتكما دينا وداليا والطاهر وإخونك معاوية ومهدي ومحمود وفيصل وأخواتك الصابرات زينب ونون ونوال وصهريك آل العالم وآل محمود أبوبكر والوالدة عائشة محمود وأهلك وعشيرتك وأصدقائك الكثر الذين شاركوك النضال والذين يضيق المجال عن ذكرهم وزملاء دراستك والذين التقيت بهم في مسيرة الكفاح .

اللهم يا مذكوراً بكل لسان ويا مقصوداً في كل آنٍ ويا مبدئاً لكل شأن ٍويا من بيده الأكوان ويا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن ويا مالكاً لكل جرم وعرض وزمان أسئلك بما توليت به الأولياء المقربين الذين لهم عندك شأن أن تصلي وتبارك علي أدريس فها هو بين يديك فأني لنا أن نزكية لك ، نسألك أن تكرم مثواه بقدر ما أعطي لطلابه ولوطنه علماً ونفعا ًوبقدر ما كان طيب العشرة ونقي السيرة والسريرة . اللهم نسألك أن توسع مرقده وتآنس وحدته وتنقله من ظلمة اللحد الي مراتع النور وأن لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره وتغفر له وتعفُ عنه وتشمله برحمتك يا أوسع الراحمين . وأن تدخله فسيح جناتك مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا وأن تلهمنا من بعده الصبر والسلوان ، وأنا لله وأنا اليه لراجعون .


حامد بشري/ كندا


hamedbushra6@gmail.com

 

آراء