وداعاً نصفي الآخر ٩ .. بقلم: د. زهير عامر محمد المملكة المتحدة

 

أبريل ٢٠١٧

لوحة الصباح الباهي تتجدد مع اشراقة كل يوم جديد، تطل علي البلدة المسالمة الوادعة علي ضفة النهر الخالد، اللوحة الزاهية تأخذ الوانها من انفاس أهل القرية الطيبين ، تتشكل من تنوع أشجارها ونخيلها ، تتلون من اختلاط ترابها ورملها ، تطرب من أصوات العصافير والطيور والقماير ، فتبدو كمشهد بديع فرغت أيدي رسامها من تلوينها ، تظهر كمنظر جميل جملها نحاتها وترك نقشه علي صدرها الفتي المتمرد ، فبدت عروس النيل ، فاتنة ، ساحرة ، خلابة للعينين ، آخذة للقلوب والأفئدة .

الحاج أحمد علي ظهر حماره الأبيض الضخم ، يسير بخطوات ثابتة ومتسارعة نشطه صوب الوابور الزراعي القديم ، يسير بين أشجار النخيل المتشابكة ، تحتضن بعضها البعض من علو ، بين الجداول الصغيرة الممتدة علي الطريق ، يقفز تارة ، ولا يعبأ بها تارة اخري ، يصعد به من جدول مرتفع ، ويهبط به بين السواقي الممتدة علي ضفة النهر ، بين شهيق وزفير ، نهيق من فنية لاخري ، طريق خبره الحاج احمد مع حماره الأصيل ، أبتاعه من سنين مضت من عبد المحمود الحلبي ، بعد أن زاد في سعره ، لكن الحاج أحمد كعادته لم يحتج علي السعر كثيراً ، فارتضي بما طلبه عبد المحمود الحلبي ، وها هي الأيام والسنين تمضي والحمار الضخم اصبح في معيته ، أصبح جزءاً من روتين حياته اليومية ، يغدو به صباحاً ويعود به عند المساء ، العرق علي ظهره ، والطين بين حوافره ، والتعب علي ملامحه .

وقصة عبد المحمود الحلبي لاتختلف كتيراً عن قصص الآخرين في البلدة ، أتوها من سنين مضت ، وأزمنة أنقضت ، الحاج بلال أكول من واو علي بحر العرب ، حسب الله من أبناء جبال النوبة ، وحامد أوهاج القادم من هيا ، ليستقر بهم الحال علي ضفاف النيل او بين البيوت القديمة المتهالكة ، التي هجرها اهلها ، أو في السوق الصغير للقرية . كل جاء من بعيد يحمل ريشته وألوانه وأقلامه ، ليخط بها ويلون ويزين ملامح المكان علي شاكلته ، ويترنم بأغاني الحنين والأنتماء ، لمكان اعطاهم الكثير ، ليصبحوا جزءاً من لحن وشدو وتراتيل ، تسود وتغمر القرية مع اطلالة كل فجر جديد .

وعبد المحود قدم من الشمال من زمن بعيد ، قدم مع أبنائه وأخوته علي ظهور الحمير ، وعربات من الكارو التي تجرها الخيول ، واحياناً سيراً علي الأقدام ، لتصل قافلتهم ضفاف النيل ، وترسوا مراكب خيولهم ودوابهم بين سواقي النخيل المترامية ، كثوب اخضر ملتف علي خصر النهر المتمدد المتعرج . تبني بيوتهم من سعف النخيل ، وسيقان السنط ، وتاخذهم الحياة في معيتها ، علو في موسم الفيضان ، وانحسار في شتاء قارس الملامح . السواقي والمزارع وأشجار النخيل الوارفة أصبحت مسكنهم ومأواهم ومصدر رزقهم ، كان الترحاب ديدن أهل البلدة ، ليحل الضجر والتذمر بعد أن وجد ملاك السواقي زرعهم وضرعهم وأرضهم صارت مكاناً لمخلفات البشر والبقر ، ومرتعاً للخيول والحمير ، ليبدأ نوع من عدم الترحاب والصراع الصامت ، ليصل لصراع داوي مع السكان الجُدد القادمين من الشمال .

الحياة علي ضفاف النهر تتلون وتتشكل بلونه عند الفيضان ، وتتجمل وتصفو لتصل الي ابعد درجات الولهان ، عشق وشوق ، كراهب يصل حد التوهان . وبين الصفاء والعشق وفيضان النهر ، تشكلت حياة الناس ، البسطاء منهم كالحاج احمد رجل القرية الصابر رغم رياح الهجرة والأغتراب والأرتحال ، ابن الجنوب بلال أكول ، قذفته الحرب والصراعات والمررات والاطماع الشخصية بعيداً عن بحر العرب ، وأبن جبال النوبة حسب الله ، الذي يشعر بأنه نسر هرم يفتقد قمم الجبال وذري الأعالي ، وأنسان الشرق البشوش أوهاج ، يحمل أحزانه وآلامه علي جسده المتهالك من الفقر والجوع ، العليل بالدرن وأمراض الصدر ، ومن الشمال جاء عبد المحمود سيرًا علي الأقدام وتارة علي ظهور الخيول والحمير . كلهم جاوا من مكان له عطره ولونه ولحنه ، لتحتضنهم هذه البلدة الفريدة ، تحتويهم هذه البقعة الصغيرة ، لتشكل اروع لوحة للتعدد والاختلاف والتجانس ، بمشاعر مختلفة فيها الحب والود ، التنافس والاصرار علي البقاء ، في مكان بالكاد تجد فيه ابسط مايبقيك علي الحياه ، لكنه يسع الجميع ، ويحتضن الآخر .

*قصة قصيرة من خيال الكاتب ، الأسماء والشخصيات واﻷمكنة غير واقعية ، اذا حدث اي تطابق فتلك محض صدفة .

zuheiramir@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً