بينما تتسابق جامعات العالم في ميادين الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية وأبحاث الفضاء، يخرج وزير التعليم العالي في السودان ليعلن أن الجامعات السودانية أسهمت بثلاثة آلاف مقاتل في الحرب الدائرة.
لم يكن التصريح صادماً بسبب مضمونه فحسب، بل لأنه كشف، بوضوح قاس، عن الكيفية التي تُفهم بها الجامعة داخل مؤسسات الدولة. فعندما يصبح عدد الطلاب الذين ذهبوا إلى ساحات القتال رقماً قابلاً للتفاخر، فهذا يعني أن المؤسسة التي أُنشئت لحماية العقل، بدأت تفقد صلتها بفكرة العقل نفسها.
العالم اليوم يعيش تحولاً علمياً هائلاً يعيد تشكيل مفاهيم المعرفة والحياة. مراكز الأبحاث تطور أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل البيانات والإشارات بلغة بشرية، ووكالات الفضاء تعمل على تقنيات قد تختصر زمن الرحلات إلى المريخ، فيما تقترب الأبحاث الطبية من تحقيق اختراقات كبيرة في علاج السرطان باستخدام تقنيات مستوحاة من الحمض النووي.
وفي مجالات الهندسة الوراثية، تتقدم الأبحاث بوتيرة متسارعة لعلاج أمراض ظلّت لسنوات طويلة خارج حدود العلاج، بينما تُستخدم الحوسبة العملاقة لتحليل موجات الجاذبية ومحاولة فهم نشأة الكون. أما الجامعات الكبرى، فلم تعد مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية، بل أصبحت جزءاً من منظومة التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي مقابل هذا المشهد، لا يزال الخطاب الرسمي في السودان يتحدث بلغة الجماعات المحنطة ، لغة التعبئة والاستنفار، لا بلغة البحث والمعرفة.
وزارة التعليم العالي لم تُنشأ لتكون خزّاناً بشرياً للحرب، بل لتطوير البحث العلمي، وربط الجامعات بالتنمية، وإعداد الكفاءات الوطنية، وخلق بيئة معرفية تدفع المجتمع إلى الأمام. لكن سنوات طويلة من التسييس والتجريف أضعفت الجامعات، ودفعت التعليم العالي بعيداً عن أهدافه الأساسية، حتى أصبح القطاع نفسه واحداً من ضحايا الأزمة السودانية.
تراجعت الجامعات في التصنيفات، وضعفت البنية البحثية، وهاجر كثير من الأساتذة والباحثين، بينما تحولت ميزانيات التعليم والبحث العلمي إلى بنود هامشية داخل دولة تستنزفها الحرب والانهيار الاقتصادي. والأسوأ من ذلك أن الخطاب الرسمي لم يعد ينظر إلى الجامعة باعتبارها مشروعاً للنهضة، بل باعتبارها ساحة يمكن استدعاؤها إلى المعركة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالجامعات ليست مجرد قاعات ومدرجات، بل هي آخر ما تبقى لأي دولة تريد أن تنجو من الانهيار الكامل. وإذا خسرت البلاد جامعاتها، فإنها لا تخسر التعليم وحده، بل تخسر قدرتها على استعادة نفسها.
لهذا تبدو مسؤولية أساتذة الجامعات السودانية اليوم مسؤولية تاريخية. ليس المطلوب منهم الانخراط في صراعات سياسية، بل الدفاع عن فكرة الجامعة نفسها: استقلالها، ورسالتها، وحقها في أن تكون فضاءاً للعلم والمعرفة، لا امتداداً لخطاب الحرب.
فالسكوت على تحويل الجامعة إلى أداة تعبئة يعني، في النهاية، القبول بانهيار آخر حصون العقل في السودان.
وفي الدول التي خرجت من الحروب الكبرى، لم يبدأ الإعمار بالبندقية، بل بإعادة الاعتبار للجامعة والبحث العلمي. لأن الأوطان لا تُبنى بالخنادق ، بل بالأفكار، والمعامل، والمكتبات، والأسئلة الحرة.
أما نحن، فنواصل الابتعاد عن هذه الحقيقة، بينما يمضي العالم بسرعة هائلة نحو مستقبل لا ينتظر المتأخرين.
دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
