وزير المالية (مفيش فايدة)!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم
abdullahaliabdullah1424@gmail.com

قرار وزير المالية والاقتصاد دكتور جبريل ابراهيم الاخير برفع الدعم، الذي مهد له بوجود سعرين للوقود، يمثل قفزة جديدة في الظلام. ليس لان القرار خاطئ من ناحية اقتصادية حسابية (بل هو صحيح علي الورق)، ولكن لانه كالعادة يلقي عبء المعالجة كاملة علي كاهل المواطنين، والمحير ان القرار يصدر متزامن مع ما رشح عن تقارير، تتحدث عن ان ثلث السكان يتعرضون لخطر المجاعة في غضون الثلاثة شهور القادمة! فكيف يكون حال هؤلاء مع هكذا قرار ضاغط؟ وما ينتظر الثلاثان المتبقيان من ايام عجاف اذا قدر لهم الحياة اصلا. وطالما الامر كذلك اين التفكير خارج الصندوق المنتظر، من بشريات وعد بتقديمها، من خلال عكس نموذج مغاير للوزراء. ولكن يبدو ان ما يهم ولاة الامر هو ارضاء إله البنك الدولي، طمعا في تحقيق انجاز اعلامي خارجيا، بعد ان عجزت الحكومة المدنية، بقيادة الخبير الاممي الجهبذ المعلم العظيم الدكتور حمدوك، من تحقيقه داخليا! لدرجة اصبحت نغمة شكرا حمدوك، اما مثار سخرية او غضب ممذوج بشعور الخذلان والخديعة. اي الغاية في الاصل ليس اصلاح الاقتصاد، وإلا لتطلب ذلك الشفافية، وتوسيع فرص الاختيار بين البدائل. وانما الظهور بمظهر لائق يستحق المدح، لطالب حريص علي ارضاء استاذه! ومرجع ذلك، تبعية تتغذي علي شعور بالنقص، يدفع صاحبه للمبالغة في اظهار الطاعة والولاء. وفي هذا دلالة علي تجذر ثقافة العبودية في نخب العالم الثالث، وان تلبست ارقي مظاهر الحداثة، التي تعني قبل كل شئ التحرر من التسلط واحترام الذات.
والمفارقة ان العديد من خبراء الاقتصاد الوطنيون ذكروا ان، لا اعفاء الديون يتم بهذه السهولة، ولا اعفاءها اذا ما تم، وهو امر مشكوك فيه علي كل حال، سيكون له تاثير عصا موسي، طالما البيئة الداخلية طاردة للاستثمار! ولكن يبدو ان ما سنته الانقاذ من سنة سيئة، مثل الترويج للاحلام الوردية، والنجاحات الوهمية، واستسهال الامور. هو ذاته ديدن حكومة افتراضية ( علي وسائل الاعلام حصريا) اكثر منها حضور فاعل علي ارض الواقع. الذي تحكمه الفوضي (العسكر والمليشيات والحركات المسلحة) وانعدام الامل في الخروج من المآزق المتناسلة.
وعموما، هنالك عدة ملاحظات تجدر الاشارة لها، بخصوص مؤتمر وزير المالية ومقطورته وزير الطاقة، حول زيادة اسعار الوقود، الذي يقض مضاجع الحكومة بسبب الدعم المزعوم، وكأن الدعم ينتقص من كرامة وسمعة وكفاءة مواطنين فقراء، والاصح افقروا نتيجة لعقليات وسياسات وخيارات الحكام المستبدين، وصراعاتهم العبثية حول كرسي السلطة! اي نحن حيال حالة من لوم ومن ثمَّ، معاقبة الضحايا علي كونهم ضحايا، وليس المسؤولون الذين يبدو انهم خلقوا للسلطة والقيادة والسيادة، وتاليا لا يجوز في حقهم المساءلة او اللوم؟! ومن اهم الملاحظات:
اولا، رغم ان اسئلة الحضور وتعليقاتهم كانت في غاية المباشرة والصراحة، بل والحدة احيانا، إلا ان ذلك لا يمنع التساؤل حول اسلوب وطريقة عقد هذه المؤتمرات الصحفية، التي تتعهدها سونا بصفة دورية او يومية؟ وكيفية الاعداد ودعوة الحضور؟ وهل هو حضور نوعي للمختصين او الدعوة عامة؟ حتي لا تتحول هكذا مؤتمرات لنوع من حوار الطرشان، والعراك بالكلمات، او توجيه الاسئلة للوصول لغاية محددة سلفا! وكذلك ادارة الحوار نفسه لابد من السيطرة عليه، حتي لا يخرج من الغرض وينحرف لمجال آخر. اما اسوأ ما في الامر، ان تتحول هذه المؤتمرات لنوع من تبرير الحكومة لقرارتها، غض النظر عن مدي معقوليتها او الآثار المترتبة علي تطبيقها عمليا. عوض ان تصبح فرصة لاعادة النظر، في كل ما يثبت انه غير مقنع او عملي، لانه ليس هنالك ما يمنع ان تتراجع السياسات والقرارات، طالما القصد المصلحة العامة، ومنابر الاعلام هي احد ادوات الاصلاح والمراجعات، وليس ابوق او ترديد صدي لصوت الحكومات. من هذه الزاوية دكتور جبريل مقنع كسياسي مجادل، ولكن كوزير اقتصاد مسؤول عن وضع السياسات والخطط، التي تتلاءم واحوال البلاد الاقتصادية الراهنة، فهذه مسألة فيها نظر! بل الصحيح انه يحُث الخُطا في ذات اتجاه البدوي وهبة من قبله. والحال هذه، لماذا التدوير في كرسي وزير المالية والاقتصاد، طالما هنالك طريق واحد الجميع سالكه؟ اي اذا حضر جبريل او غاب البدوي او اتحفتنا هبة بطلتها البهية، فالحال من بعضه؟! والتبرير نفسه كان يمكن ابتلاعه، اذا كنا حيال حكومة مسؤولة امام شعبها او في وسعه محاسبتها، وليس حكومة مُنتَحِلة صفة الشعبية والثورية، وهي مهمومة ومهوسة بمصادرة القرار والمصير الوطني، لخدمة او اقلاه ارضاء جهات خارجية.
اما اذا تعللت الحكومة بان رفع الدعم هو احد اشتراطات الدائنين لاعفاء الديون، فان ذلك يرجع لقلة خبرة وكفاءة المفاوض السوداني، الذي لم يكترث لتعقيدات الاوضاع الداخلية، التي لا تحتمل هكذا جراحة، قد تقود لتفجير الاوضاع وانفراط عقد البلاد، او اقلاه سماع بيان العسكر بحجة ضبط الامور! وما يدلل علي قلة كفاءة الحكومة السودانية وعلي راسها حمدوك، انها تتصرف من غير مشورة او رقابة او محاسبة او مسؤولية تجاه الشعب، بعد الاصرار علي تغييب المجلس التشريعي. اي فرض حالة من الوصاية لا تليق إلا بالمغرورين والمستبدين واصحاب الاجندة الخفية.
ثانيا، علق احد الحضور صادقا ان مؤتمر يتحدث عن المالية يفتقر للارقام؟! وهذا يلخص المسألة، بانه مؤتمر لا يكشف عن الحقائق او يميط اللثام عن الخفايا، وانما يهدف لفرض قرارات سابقة حتي علي دراسة عواقبها الاقتصادية وآثارها الاجتماعية. وهذا ليس غريب علي سلطة جسدها في الداخل وعقلها وقلبها معلق بالخارج. وغالبا مرد ذلك، الايمان بعقائد دوغمائية، مجبولة علي قسر الواقع، ليتسق مع مقدماتها ويلبي الطلب علي نتائجها! عوض التواضع ودراسة الواقع كما هو في خصوصيته، بعيدا عن الاحكام والمعالجات المسبقة! وهو ما لا يمكن القيام به، إلا عبر قبول الواقع بكل تقلباته وتناقضاته، ومن ثمَّ الاستجابة لشروطه وممكناته. وان تطلب ذلك اجراء التعديلات علي اسلوب ومناهج القراءة والمعالجة المتاحة، او استحداث غيرها اكثر مواكبة. اي باختصار الغاية تحسين وترقية شروط حياة الانسان في هذه الحياة، اما الكيفية والوسيلة فهي مفتوحة علي كافة الاحتمالات والفرص. وبالرجوع لحمدوك ووفده المفاوض نجدهم لا ينطلقون في حواراتهم ومفاوضاتهم مع الخارج، من دراسة وافية لاحوال الداخل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتاليا التوصل لما هو ممكن قبوله وما يجب رفضه، وما بينهما من مساحة قابلة للاخذ والرد. بتعبير آخر، كيف تذهب لمفاوضات وانت لا تعلم مصادر قوتك وضعفك، وكذلك الاحاطة بكل مخططات الطرف الآخر (الخصم في هذه الحالة)؟ وكيف لحمدوك ان يتأتي له ذلك، وهو يفتقر ليس الالمام بكل مشاكل الداخل، ولكن حتي الرغبة في قبول نصح اصحاب الوجعة، ومن ثمَّ الاكتفاء بشلة مستشارين لا يعرف احد حقيقية خبراتهم او طبيعة الصلة التي تربطهم بحمدوك؟ وهذا ناهيك عن عدم توافره علي برنامج واضح للعمل، او خارطة طريق للخروج بالفترة الانتقالية الي بر الامان؟ وما يحير ان ابسط استحقاقات الفترة الانتقالية، والتي تليه حسب نص الوثيقة الدستورية، عجز عن تلبيتها، بهروبه مرة وبمكره وخبثه اكثر المرات! وهو يعتقد ان مجرد عمله في الامم المتحدة، او صفة الخبير التي تلصق به بمناسبة ومن غير بمناسبة، او الظهور بمظهر المتحضر العفيف! تبيح له العمل كما يحلو له، بل ويتوقع استمرار التصفيق له، وكانه المخلص او مانديلا السودان. اما ما جهله حمدوك بسبب ارتباطه بالخارج، ان مصدر قوته يكمن في الداخل والتفاف الشعب حوله، وهذا الخطأ في الحسابات، لم يكلف حمدوك هامشية التحكُّم في الفترة الانتقالية فقط، ولكنه جعل الفوضي وانسداد الافق ومخاطر الانتقال، هي البديل الوحيد المسيطر، بعد تحويل دفة التحكُّم لصراع حميدتي والبرهان وقادة الحركات المسلحة.
ثالثا، من الملاحظات المحرجة المحزنة، عندما سُئل عن عدم تقشف الحكومة، بما يتسق ويُطلب بصورة مستفزة من الفقراء الكادحين، وعلي الخصوص ما يتعلق بسلوك الوزراء وكبار المسؤولين. نجده برر ترف المسؤولين (الثوريين!) بانه لا يقارن بما يصرف يوميا علي الحرب!! وفي هذا دلالة واضحة علي نوعية قادتنا الثوريين، وحقيقة انتماءهم للطبقة الثورية الفاخرة (خمسة نجوم)! ولذلك كم كان التذكير بتجربة ملس زيناوي محرجا، حيث لا وجه للمقارنة مع ثوريته المتقشفة، وانعكاسها علي ما تشهده اثيوبيا من نهوض اصبح يضرب به المثل. وما فات علي خليل ابراهيم ان هنالك ارتباط بين سلوك الحاكم ونوعية الحكم واثر ذلك علي الدولة. والدليل علي العكس من تجربة ملس زيناوي، هو ما مارسته الانقاذ من سلوكيات مترفة لقادتها واسلوب حكمها، انعكست وبالا علي الدولة والمجتمع، غض النظر عن شكل الشعارات. ويبدو ان جبريل ابراهيم في خضم دفاعه عن سياسية رفع الدعم، فات عليه الانتباه لمغزي السائل، وهو ان للقائد او المسؤول او الحاكم وتاليا الحكومة، اثر علي المحكومين، فاذا تقشف وعف اليد واللسان واتسقت افعاله مع اقواله، لتنزل ذلك علي موظفي الدولة ومن ثم ترك اثره في المجتمع. لانه في الاصل قيمة النضال لا تتعلق بالشخص المناضل، ولكن بسلوكه الذي يلامس قيم ذات ابعاد انسانية وبطولية و وطنية وعقدية..الخ. وكما ان السلطة الحاكمة هي نموذج لما تحتها من سلطات وعلاقات حاكمة، ومن هنا خطورة السلطة وضرورة ضبطها (رقابتها ومحاسبتها)، لتساهم في انضباط المجتمع وسهولة تنظيمه.
وهذه الجزئية الاخيرة قد تكون هي المدخل لمقاربة علة الفترة الانتقالية. فهي وبسبب افتقادها لاي برنامج يوضح ملامحها ويضبط توجهاتها، اضافة لغربتها عن قيم وشعارات الثورة، فكان لابد ان تتبع خُطا الانقاذ وقع الحافر! ابتداءً من اتصاف قادتها بذات صفات قادة الانقاذ، سواء من ناحية الترف والصرف البذخي، او من ناحية تبرير كل قرارات وتصرفات الحكومة او من ناحية الكنكشة في المنصب مهما كانت درجة الفشل! وليس انتهاءً بفرض الوصاية علي الشعب، بوصفهم الاكثر دراية ومسؤولية واخلاقية ونضالية، ومن ثمَّ استحقاق لاحتكار السلطة. والخلاصة، من يتخذ النضال وسيلة لبلوغ السلطة، تستحيل السلطة لديه الي وسيلة تميُّز، وعندها ينتهي به المطاف الي اعادة تجربة الانقاذ. وذلك ولو كانت مبررات نضاله رفض ذات تجربة الانقاذ. وللاسف هذا نموذج جبريل ابراهيل ومني اركو مناوي ومبارك اردول وغالبا غيرهم من قادة الحركات المسلحة.
وهذا بدوره يقودنا لعلة اساسية اعاقت بناء الدولة السودانية، وهي علة علاقة السلطة بالمواطن. فتغول السلطة في نسختها الاستبدادية علي حقوق المواطن، وتجييره لخدمتها والتضحية من اجلها. عمل علي سحق المواطن وحرمانه ابسط حقوقه. والحال كذلك، دافع الثورات تصحيح العلاقة بين السلطة والمواطن، لتصبح السلطة خاضعة لرغبات المواطنين، وفق صيغ مؤسسية ورابطة مواطنية. في هذا الاطار ثورة ديسمبر كثورة تحرر، مطمحها ليس جعل المواطن اصل السلطات فقط، ولكن محط اهتمام السلطة ومدار عملها. اما محاولة ركل كل ذلك، عبر مصاردة حق المواطنين، ليس في التحكم في القرارات المصيرية التي تمس حياتهم ومستقبلهم فقط، ولكن حتي مجرد الاطلاع علي الكيفية التي تتخذ بها تلك القرارات، او معرفة مصدر تلك القرارات، او لمصلحة من تصدر تلك القرارات، وفي اي اتجاه تصب؟ وبما ان المواطن هو آخر من يعلم، إذا صادف وعلم اصلا، فالمؤكد هو الغافل والخاسر الاكبر! وعليه، كل ذلك لا صلة له لا بالثورة ولا يحزنون، وهو ليس اكثر من استبدال التعيس (الفاسد) بخائب الرجاء (الفاشل).
رابعا، عندما سُئل عن الاموال التي تذهب للدعم، لماذا لا يتم توظيفها في الخدمات؟ برر ذلك بانه اصلا لا توجد اموال ليتم توفيرها، ولكن الغرض من ايقاف الدعم، عدم طبع المزيد من النقود، لكبح جماح التضخم! هذا المنطق صحيح من ناحية اقتصادية بحتة، ولكنه للاسف يحمل عدة اشكالات تقع فيها الحكومة؟ منها انه يُكذِّب حديث البدوي الذي برر رفع الدعم بتوجيهه لتطوير الخدمات! ومنها، هل يعلم وزير المالية بحق حجم الكتلة النقدية المتداولة، قبل ان يتحدث عن كبحها؟ والاهم هل يسيطر علي عملية طباعة النقود؟ ام ان هنالك جهات اخري هي من يسيطر علي عملية طباعة النقود! وغالبا من غير علم المسؤول عن ادارة المال في الدولة! هل نحتاج للتذكير بحاويات اوراق طباعة النقود التي استوردها الجيش؟ وانكر بنك السودان في البداية علمه بها، قبل ان يسارع بعد فترة وجيزة في نفي انكاره، الذي يشبه الاثبات؟ وكذلك لو كان الغرض اصلاح الاقتصاد الذي تأخر كثيرا، كما يقول الوزير، ومن اجل ذلك يقسو علي المواطن حاضرا، لتتفتح له ابواب المستقبل فسيحة، لماذا لا يسعي لتغيير العملة بذات الحماس؟ رغم فوائده الظاهرة والاساسية علي اصلاح حال الاقتصاد، كمعرفة حجم الكتلة النقدية، والخلاص من الاموال المزورة، ووضع سجل ضريبي علي اسس صحيحة، وتمكين لجنة التمكين من وضع يدها علي الاموال، التي لا يثبت اصحابها احقيتهم بامتلاكها، او يبرروا مصدرها او اوجه النشاط الذي اكتسبوها منه؟ وكذلك لقطع الطريق علي اصحاب الاموال المشبوهة وتحجيم ممارساتهم، وغيرها مما يعلمه اهل الاقتصاد؟ اما اذا تحجج بعدم توافره علي تكلفة طباعة عملة جديدة، فيمكن ان يطرح ذلك امام الراي العام للتفكير في البدائل. اي هي فرصة ليقوم المواطنون بواجبهم في المساهمة بطباعة العملة، وكتشجيع يمكن منح شهادات بحجم المساهمة، ليُعطي اصحابها امتيازات في خدمات اخري (اعفاءت ضريبية او جمركية او رسوم خدمات). او اقلاه يمكن ان يتاح المجال امام اهل الشان من المصرفيين وغيرهم، لابتكار افكار و وسائل تمكن من اعادة النقود للمصارف باقل كلفة. اي الاشكال يستحيل ان يكون مادي اذا كانت هنالك ارادة حقيقية للفعل.
وعموما، اذا كانت السياسة الاقتصادية المطبقة هي نفسها، غض النظر عن من يشغل كرسي الوزارة، فدكتور البدوي هو الاحق من ناحية كفاءة ودراية بما يفعل. وحقيقة كان هنالك دائما اعتقاد ان حمدوك لا يملك برنامج، وهو صحيح، ولكن الاكثر صحة ان لديه توجهات وسياسات يسعي لتطبيقها، كمريد مخلص لشيخه البنك الدولي. ولكم هو شغوف علي تطبيق وصفاته غض النظر عن العواقب! والحال كذلك، نحن لسنا حيال قادة دولة يملكون رؤية للتعاطي مع قضايا معقدة تسم فترات الانتقال، بقدر ما تورطنا مع موظفين امميين، لا يعصون الخارج ما امرهم. ولهذا السبب تحديدا يتضح انه ليس هنالك خلاف بين حمدوك والمكون العسكري! وطالما حمدوك ينفذ ما هو مطلوب منه من سياسات خارجية، والعسكر يسيطرون علي الامور الداخلية، يظل هنالك تحالف قائم بصورة معلنة او خفية. وهنا يبدو حمدوك صادقا لاول مرة، في ان هنالك تنسيق ونموذج للشراكة المدنية العسكرية، حيث يكسب فيها العسكر شرعية خارجية وسيطرة داخلية، ويكتفي نموذج حمدوك بدور المحلل من ناحية، وحصان طروادة الذي تعبر من خلاله مشاريع المجتمع الدولي، التي تبحث عن منفذ لموارد الدول الفقيرة، قبل بحثها عن رفاه تلك الشعوب. وللاسف هذا النموذج الماكر الذي يعيد انتاج الاستبداد العسكري (رهن موارد البلاد لحماية ورفاه العسكر وحلفاءهم من الراسمالية الطفيلية) بواجهات مدنية، اصبح النموذج المفضل في قارة افريقيا المنكوبة، حيث امتدَّ للجزائر بصورة غير مباشرة، ثم تشاد واخيرا مالي بصورة مباشرة.
لكل ذلك يصح ان الخلاف ليس بين حمدوك والعسكر، وانما بين تحالف حمدوك والعسكر وبين شباب الثورة وداعميها من كل التيارات. لانه لو كان حمدوك وحكومته المدنية (المزيفة) حقا مع الثورة والثوار، لكان حريصا علي تلبية مطالب الثوار، وتنزيل شعارات الثورة علي ارض الواقع، وبين يديه ما يمكنه من فعل ذلك! ولما ارتضي السطو علي كل ما يخص مدنية الدولة، وتزييف برلمانها بمجلس الشركاء مرة، وآلية اتفاق العسكر ومجلس الوزراء مرة اخري! فمثل هذا الضعف والتواطؤ والاستسلام من جانب حمدوك، يصعب رده لحسن النية او دماثة الاخلاق او الصبر الجميل، خوفا من استفزاز العسكر ومن ثم هد المعبد علي الجميع. ولكنه ببساطة يؤكد ان لحمدوك دور مرسوم يؤديه في هذه المسرحية العبثية، وهو دور يمكن وصفه بكل شئ، إلا كونه مع الثورة او يحرص علي مدنية الدولة.
ولكن هذه الخاتمة المحبطة لا تبعث علي الراحة او الاطمئنان، ليبرز سؤال ما العمل؟ والثورة لم تاتِ أُكلها؟ والمستقبل مظلم؟ والحاضر تحاصره الاخطار من كل حدب وصوب؟ وفي اوضاع كهذه ليس اسهل من الدعوة للثورة والمقاومة كوسائل مجربة، ولكن للاسف لانجاز نصف المطلوب، الذي يتحول بواسطة انتهازي الثورات، الي مصادرة علي المطلوب (فرض واقع مضاد لمطالب الثورة)! لانه ببساطة ليس هنالك امكانية لكي يحكم كل الثوار او الشعب، ومن ثمَّ لا بد ان يحكم توازن القوي مصير الثورة، وهو ما يستدعي، اما ابتكار وسائل نضال جديدة تغير في توازن القوي الحاكم، او ان تستقطب الثورة احد مكونات القوي المؤثرة علي توازن القوي، الي خطها. ورغم انه غير مستساغ الاستعانة بقوي غير ثورية لدعم الثورة، إلا ان الواقع قد يفرض ذلك مرحليا. والسبب ان مخاطر انزلاق البلاد لما لا يحمد عقباه، تظل متوافرة، بعد ثلاثة عقود من الحرب علي الدولة والمجتمع، والنهب المنظم للموارد العامة.
واخيرا
نموذج وزير الطاقة (المشاتر) سواء كحديث مغبون او لغة جسد او وعي للمنصب كاستحقاق وراثي، يؤكد ان المحاصصة علي مستوي مناصب تتطلب الحياد والتاهيل والكفاءة، لا يقل سوء وشؤم (نعيب غراب) ينذر بالخراب، من التمكين الذي سنته الانقاذ. وعندما يضاف الي ذلك كم الخذلان الذي اصبانا من معارضين، كنا نعدهم من الاخيار، لنجدهم لا يفترقون عن الانقاذيين، كنكشة في المناصب وادمان للاضواء، ولو صاحب ذلك إراقة لماء الوجه! تصبح صدمتنا ما لا قبل لنا بها. ولكن ان يعقب ذلك التهافت والابتذال والعسر والفوضي والخراب، ثورة عظيمة، ضرب فيها الشباب ارقي مثال للنبل والتضحيات والتنظيم والصبر وطول النفس. فذلك يدعونا للتساؤل، هل هذه البلاد مصابة بالجن الكلكي، اذا صح ان هنالك جن كلكي، قبل ان يصيب الدول الراقصة علي مسرح اللامعقول، افتونا يا اهل علم النفس، ان كنتم ببواطن الامور عالمون؟! ودمتم في رعاية الله.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً