وقفات مع رواية: ” فلاة أم قناطير ” .. بقلم: د. خالد محمد فرح
14 سبتمبر, 2013
د. خالد محمد فرح, منبر الرأي
35 زيارة
Khaldoon90@hotmail.com
صدرت رواية سودانية جديدة بعنوان: ” فلاة أم قناطير ” من تأليف الأستاذ سيف الدين عبد الحميد النعيم في مطلع هذا العام 2013م ، عن شركة مطابع السودان للعملة ، وهي رواية قصيرة نسبياً ، إذ أنها تقع في 161 صفحة من القطع الصغير.
ربما يعرف كثير من القراء ، وخصوصاً داخل السودان ، ربما يعرفون الأستاذ سيف الدين عبد الحميد على نحو أكثر بصفته كاتباً صحفياً ، ومترجماً ، وكذلك شاعراً وناقداً ومؤلفاً، صدرت له بضعة أعمال سواء من تأليفه أو ترجمته ، والتي نذكر منها كتابه: ” مقالات في الأدب والسياسة ” الذي كان لكاتب هذه السطور شرف كتابة تقديم له ، وكذلك ترجمته لمذكرات إدواد عطية بالإنجليزية An Arab tells his story تحت عنوان ” عربي يحكي قصته ” ، ومؤخراً ترجمته لكتاب الاداري الاستعماري البريطاني السير هارولد مكمايكل Tribes of Northern and Central Kordofan أو: قبائل شمال ووسط كردفان ، فضلاً عن عشرات المقالات التي ظل ينشرها من تأليفه أو ترجمته ، وفي شتى المواضيع ، من خلال الصحف السودانية ، وخصوصاً في جريدة الصحافة التي كان يعمل بها ردحاً من الزمان.
أما (فلاة أم قناطير) ، فهي أول عمل إبداعي روائي ينشره الأستاذ سيف الدين عبد الحميد. وعلى الرغم من أنه قد مضى على نشر هذه الرواية قرابة العام ، إلا أن من المدهش ألا تجد حتى الآن ما تستحقه حقاً من التجاوب ورد الفعل والدراسة والتحليل من قبل النقاد والباحثين ، والمهتمين بتتبع الاصدارات الروائية الجديدة داخل السودان ، خصوصاً وأنها ليست بتلك الكثرة في بلادنا.
تمزج الحبكة القصصية لهذه الرواية بين مستلهمات بعض الحوادث التاريخية الواقعية ، ليست واقعية حرفية بالطبع يمكن مساءلتها والتحقق من صحتها في المدونات والمحفوظات والحوليات ، ولكن من حيث المعقولية والمقبولية وإمكانية الحدوث في سياقها العام. وهي وقائع مستقاة من تاريخ نهاية فترة الحكم التركي المصري ، مروراً بفترة الثورة والدولة المهدية ، وانتهاء بحوالي منتصف فترة الحكم الثنائي ، بالإضافة إلى بعض الشخوص والوقائع المتخيلة تخيلا محضا. بمعنى أن الكاتب قد عمد إلى معالجة معطيات التاريخ وما ينطوي تحتها من إشارات جغرافية واجتماعية وثقافية معالجة روائية ، أو من منظور روائي خيالي ، مما جعل ذلك الحشد الهائل من الإحالات والمعارف ذات الطبيعة التاريخية والأدبية والجغرافية والانثر بولوجية الذي تذخر به هذه الرواية ، يتوالى على المتلقي في إطار سياق سردي سائغ وسلس وممتع حقا.
وتتلخص حكاية رواية (فلاة أم قناطير) ، في قصة رجل من بوادي غرب السودان ، وبالتحديد من شمال كردفان ، نسبة للقرائن الجغرافية والاجتماعية التي تدل على ذلك من خلال السرد ، يهاجر من ديار أهله مضطراً في أثناء حكم المهدية وهو شاب ، فراراً من جور الجهادية وعسفهم ، وخصوصاً حملهم الرجال على الانخراط في سلك الجندية قسرا ، وينزح إلى ديار البشاريين والعبابدة بنواحي وادي العلاقي بأقصي شمال شرق السودان ، وغيرها من المناطق الواقعة على ساحل البحر الأحمر ، التي لم تكن قد وقعت بعد تحت سيطرة سلطة الدولة المهدية ، وكانت ما تزال تحتفظ ببعض الحاميات العسكرية التركية المصرية مثل حاميتي سواكن وتهموك. لجأ ذلك الشاب إلى إحدى فلوات تلك المنطقة التي استضافه عربانها ، وامتهن بينهم حرفة كتابة التمائم والأحجبة حتى صار يعرف عندهم فقط بلقبه ” سيد الحجاب “. زوجه أولئك القوم فتاة يتيمة تدعى “مستورة” كان قد عالجها من داء ألم بها ، فأنجبت له ولدا أسمته أمه ” بشار ” تيمنا باسم باشا تركي تصادفت زيارة له إلى المنطقة مع ميلاده. ولما أزمع سيد الحجاب هذا ، الذي سوف نعرف لاحقاً أن اسمه الحقيقي هو “التجاني” ، لما أزمع العودة إلى موطنه الأصلي بصحبة امرأته (البجاوية) البشارية أو العبادية تلك وطفله ، رفضت زوجته الذهاب معه ، وفضلت البقاء مع سيدات الجالية التركية المصرية التي اعتادت على خدمتهن وأنسهن في حامية (تهموك) ، كما أنها قد خشيت على طفلها من وعثاء تلك الرحلة الطويلة التي أصر عليها زوجها الذي لم يعتم على أن طلقها في الحال ، وانطلق راجعا الى دياره لا يلوي على شئ. ولما كبر بشار وشب عن الطوق ، عقد العزم على السفر إلى موطن والده للبحث عنه. وبالفعل يصل بشار بعد سفر مضن إلى ديار والده ولكنه لن يهتدي إليه لأنه يسأل عنه فقط بالاسم الذي كان يُعرف به عندهم في الشرق أي: ” سيد الحجاب “. ويعيش بشار في قرية ” أم قطيطة ” أولا تحت كنف شيخ يدعى ” حامد الغبشاوي ” ، ثم ما يلبث أن يتبناه شيخ آخر يسمى ” الفكي التجاني “. يحاول بشار سرقة جمل يخص احد افراد تلك القرية ، فيعاقب بالجلاء عنها والنفي إلى ” فلاة أم قناطير “. وهناك يتم تزويجه من احدى الفتيات بتزكية من الفكي التجاني الذي هو والده في الحقيقة. ثم ينخرط بشار في تجارة ” السنمكة ” بين تلك المنطقة والخرطوم مع بعض الفتيان من أبناء بلدته الجديدة ، وهنالك تعثره الصدفة السعيدة على والدته في السوق بعد ان اضطرت الى النزوح من شرق السودان الى العاصمة إثر تفكيك الحاميات التركية القديمة بعد مجئ سلطة الحكم الثنائي الاستعمارية ، مما دفعها الى السفر إلى العاصمة لكي تعمل خادمة بدائرة طائفة دينية مرموقة تطلق عليها الرواية لقب: ” الجالية الأوزبكية ” التي تقيم بمدينة ” الوابورات ” كما تسميها الرواية أيضا. تسافر مستورة مع ابنها بشار الى فلاة ام قناطير حيث ستعرف هناك ب ” أم بشار “. ويتقدم الفكي التجاني لخطبتها ، فتكتشف أنه زوجها السابق ” سيد الحجاب ” نفسه فيجتمع الشمل بعد طول فراق. أما بشار نفسه ، فيلتحق بتأثير من والدته والبيئة التي جاءت منها بتلك الطائفة الدينية ، ويمحض قادتها الحب والإخلاص التامين ، ويجتهد هو في نشر تعاليمها وأذكارها في منطقته دون نجاح يُذكر ،حتى يستوي شيخاً هرماً ويبلغ السن العالية. ولكن العقدة النفسية التي ظلت تلازمه منذ شبابه بسبب ضبطه متلبسا بمحاولة سرقة ذلك الجمل ، سوف تجعله يعيش هاجسا على الدوام ، بأن تلك الفعلة تقدح في عدالته ومصداقيته ، وتقعد به عن بلوغ مدى التأثير الروحي والنفوذ والسؤدد الذي كانت تتطلع إليه نفسه ، فيجتمع إليه مع اللا إنتماء الاجتماعي بسبب هجنته ، لا إنتماء واغتراب فكري وروحي . إنها أزمة وجودية تلك التي تظل ملازمة لبطل هذه الرواية منذ صباه وحتى وفاته. وبينما كان الشيخ بشار يسير ذات يوم راجلا في خلاء فلاة أم قناطير ، يوافيه الأجل المحتوم ، فيخر صريعا في مكانه على الفور ، فيعثر عليه بعض الأعراب السيارة ، فيجهزونه ويعمدون إلى دفنه في أصل برج ترابي مخروطي الشكل (قنطور) من هذه الأبراج التي تصنعها الأرضة.
السرد في هذه الرواية مباشر ، والأسلوب يجاوز ما بين الواقعية والمباشرة من جانب ، والرمز والإيحاء من جانب آخر ، وذلك في تناغم وانسجام تام ، فهما مثل فرسي رهان. أما السارد ، فعليمٌ محيطٌ بتطور الأحداث ومآلاتها ، وبنفسيات الشخوص ونزعاتهم ، وبما يدور بدواخلهم ، بل يبدو أحياناً عليماً اكثر من اللازم. وآية ذلك أنه قد قال في موضع ما من الرواية في معرض الإشارة لتطور الأحداث واستباقا لها: ” كما سوف نرى لاحقاً “. وهوكثيراً ما يشرح هو بنفسه ويفسر ويعرض الحجج والآراء ويدافع عنها في شيء من الاستطراد والاسترسال ، وبأسلوب كأنه بيداغوجي (تعليمي) أحياناً ، ولو أنه فعل ذلك ضمن تضاعيف السرد بصورة ضمنية ، أو نحله شخوص الرواية الأخرى ، لكان أكثر سداداً من الناحية الفنية. فما كان أغناه على سبيل المثال ، عن ذلك الحجاج العلمي المطول حول تلك الأبراج والنتوءات الترابية (القناطير) التي توجد في بعض الفلوات ، وعما إذا كانت هي من صنع حشرة الأرضة ، أم أنها تعزى لسبب آخر.
أما اللغة الرمزية الموحية في هذه الرواية ، فتتجلى منذ البداية في وصف ” مستورة ” تلك الفتاة البجاوية ، بوصف يحمل بعض القرائن اللغوية ذات المحمولات الإيروسية تحديداً ، التي تشي بما سيؤول إليه حالها فيما بعد ، وبالتحديد زواجها من ” سيد الحجاب ” القادم من غرب السودان ، ذلك الحدث الذي يرهص له السرد بهذا المقطع:
” كانت دائماً ترنو ببصرها إلى الأفق البعيد جهة الجنوب وهي تستنشق الريح الجنوبية وكأنها تحمل في طياتها خبراً من السماء. وكثيراً ما كانت مستورة تصحو في جنح الليل قلقة فتشم رائحة كرائحة طلع النخيل في نسائم الليل المقبلة فترتج أسافل بطنها …. الخ “.
كذلك يتجلى الرمز في هذه الرواية في إشارة الكاتب لما اسماها ب ” الجالية الأوزبكية ” التي تسكن مدينة ” الوابورات ” بالعاصمة ، والتي سوف ينتمي إليها بطل الرواية ” بشار ” ويصبح واحداً من أخلص أتباعها. إنه رمز يستخدمه الكاتب هاهنا تقيةً بكل تأكيد، ولكنه لا يتطلب من القارئ السوداني المستنير خاصة ، كثير فطنة لكي يدرك كنهه.
وإلى جانب ذلك ، تبقى هذه الرواية في اعتقادنا ، مفعمة بصورة ملحوظة باستلهامات جمة من السيرة الذاتية للكاتب ، ومن تجاربه واسقاطاته الشخصية ( حكى سيف الدين عبد الحميد لكاتب هذه السطور مرة – على سبيل المثال – أن جدته لأبيه تنتمي لقبيلة العبابدة ) ، وكذلك من قراءاته الكثيرة والمتعمقة في تاريخ السودان وفي الأدب العربي الكلاسيكي ، والشعبي السوداني ، وكذلك الآداب الغربية وخصوصا الأنجلوسكسونية منها. فالمؤلف سيف الدين عبد الحميد ، يطوف بنا ، ويستعرض أمامنا في هذه الرواية ، قدراً كبيراً من المعارف التاريخية والأدبية والجغرافية والأنثربولوجية التي تتعلق بالسودان ، ويسترجع أمام نواظرنا طرفاً مما ظل يشهده السودان من أحداث عاصفة ، وحراك سكاني ظل يتفاعل بداخله منذ عهد الفونج فما بعده ، مروراً بالعهد التركي المصري ، ثم الدولة المهدية ، ففترة الحكم الثنائي. ونحسب أن الكاتب قد استفاد خبرة كبيرة فيما يلي الخريطة السكانية والإثنية للسودان عموماً ، من كثرة اطلاعه على بعض المؤلفات الشهيرة في هذا الباب ، وقد سبق منا القول أنه قد ترجم كتاب السير هارولد مكمايكل عن قبائل وسط وشمال كردفان.
هذا ، ولما كان فن الرواية من حيث هو ، وبطبيعته ، بالمقارنة مع سائر الأجناس الأدبية الأخرى ، يوفر مجالاً واسعاً يتيح لمجترحه بث آرائه وأفكاره ، وعرض ما يعن له من المواقف ووجهات النظر حيال مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية وخلافها ، فإننا نعتقد بأن سيف الدين عبد الحميد قد استفاد من هذه الميزة تماماً ، ووظفها أحسن توظيف في استعراض جملة من الملامح التاريخية والانثربولوجية ، بل حتى المواقف والرؤى والاسقاطات السياسية والإيديولوجية والذاتية ، ليبلورها في شكل قالب روائي أخاذ ومفعم بالمتعة والإثارة والتشويق.