وقف الحرب وانهاء التمرد وحماية الانتقال المدني والتحول الديمقراطي والترسيخ الديمقراطي

 


 

 

وقف الحرب وانهاء التمرد وحماية الانتقال المدني والتحول الديمقراطي والترسيخ الديمقراطي في السودان يتوقف على شراكة القوى المدنية التقليدية والحديثة: مقترحات قابلة للتنفيذ مع اعتبار التحالفات والعداوات التاريخية

د. عبد المنعم مختار
استاذ جامعي متخصص في السياسات الصحية القائمة على الأدلة العلمية

التعددية المدنية ووحدانية الجيش

القوى المدنية في السودان بطبيعة الاجتماع البشري متعددة. وتتخذ هذه القوى اشكال مؤسسية حديثة مثل الأحزاب والنقابات واشكال مؤسسية تقليدية مثل الإدارات الأهلية والطرق الصوفية واشكال غير مؤسسية مثل الأغلبية المدنية غير المنظمة. ونعني في هذا المقال بالقوى المدنية ذات الأشكال المؤسسية تقليدية وحديثة.

بين هذا القوى المدنية التقليدية والحديثة وداخل كل منها تعدد كبير ومعقد وتضارب مصالح وصراعات مزمنة وحادة احيانا يجب دراستها وفهمها واستيعابها بغرض معالجتها وذلك من أجل خلق توافقات وتحالفات لازمة بين القوى المدنية التقليدية والحديثة لتعديل موازين القوى المدنية-العسكرية المختل لصالح القوى العسكرية منذ الاستقلال والى يوم حربنا هذه.

ان توافق القوى المدنية الحديثة وحده غير كاف لوقف الحرب والانتقال المدني والتحول الديمقراطي ثم الترسيخ الديمقراطي فالجيوش المتعددة والحروب المتمددة مهددة حاليا جدا لوحدة الأرض ولسلامة الشعب ويتطلب وقفها وحدة أكبر قدر ممكن من القوى المدنية التقليدية والحديثة.

اما الجيش السوداني فهو مؤسسة واحدة لها مصالح موحدة في السلطة والثروة ولا تسمح بالتعددية داخلها وتدير صراعات تياراتها، حتى الان، بطرق سلمية، إذ لم يعاني الجيش من انقسامات داخله وتمكن من ازاحة جنرالاته حين هدد فشل حكمهم وحدة الجيش، فيما درج على تسميته انحياز الجيش لصالح انتفاضات المدنيين ضد الحكم العسكري.

اوزان الجيش والقوى المدنية التقليدية والحديثة السياسية

ظل الجيش السوداني مؤسسة متماسكة لحوالي المئة عام، إذ تأسست قوة دفاع السودان في العام ١٩٢٥. وبهذا سبق تكوين الجيش كل القوى المدنية الحديثة خاصة الأحزاب والنقابات.

لكن تكوين الجيش كان لاحقا لتشكل القوى المدنية التقليدية مثل الإدارات الأهلية والطرق الصوفية. وهذا يفسر، جزئيا، التراتبية في الأوزان السياسية لهذه القوى الثلاث: القوى المدنية التقليدية ما زالت هي الأقوى في السودان يليها الجيش ثم القوى المدنية الحديثة. والادلة على تفوق القوى المدنية التقليدية على الجيش في هذه التراتبية للقوة السياسية هي اولا: تحليل نتائج كل الانتخابات البرلمانية السابقة في السودان يشير بجلاء لتفوق نفوذ القوى المدنية التقليدية في العهود الديمقراطية وثانيا: الحكم غير المباشر للإدارات الاهلية ونفوذ الطرق الصوفية القوي في فترات حكم الجيش وثالثاً: تكوين معظم حركات التمرد المسلحة وكل المليشيات من القوى المدنية التقليدية ورابعا: اغلب قواعد الجيش تنتمي للقوى المدنية التقليدية. أما تفوق قوة الجيش السياسية على القوى المدنية الحديثة فأكبر دليل عليها هو حكم الجيش المتطاول للدولة وهيمنة الجيش على كل فترات الانتقال السياسي ونفوذ الجيش الكبير في فترات الحكم المدني الديمقراطي.

من المهم أن نلحظ تواتر التحالفات بين الجيش والقوى المدنية التقليدية سواء بدعم الأخيرة لكل فترات حكم الجيش اجتماعيا أو امداد بعضها للجيش بالمليشيات القبلية في حربه ضد حركات التمرد المسلحة.

ويمكن أن نرجع ذلك إلى أن الجيش والقوى المدنية التقليدية يتفقان على خطر القوى المدنية الحديثة عليهما معا. وهنا نذكر مواقف العداء بل والمواجهات من قبل الأحزاب غير الطائفية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الحديثة الأخرى للجيش وللإدارات الأهلية والأحزاب الطائفية المتحالفة مع الأخيرة.

التمرد المسلح والمليشيات والحروب الأهلية مرتبطة بحكم الجيش

لم يحتكر الجيش سلطة العنف في جميع أركان الدولة السودانية منذ لحظة الاستقلال والى يومنا هذا، وإن تسيدها. حكم الجيش السودان وسيطر على الدولة بصورة مباشرة لمدة تفوق ال ٥٢ عاماً. وفشل الجيش مرتين في إدارة الدولة: الاولى في فترات السلم بالتنمية غير المتوازنة مما دفع معظم الاقاليم للتمرد المسلح والتحالف مع الأجنبي احيانا والثانية في فترات الحرب بإنشاءه المليشيات القبلية مما مزق النسيج الاجتماعي وقاد إلى إبادة جماعية وتطهير عرقي في بعض الأقاليم.

ارتبط نشوء حركات التمرد المسلحة وتكوين المليشيات الحكومية واندلاع الحروب الأهلية بفترات حكم الجيش. اذ أن حركات التمرد المسلحة بدأت في الجنوب في ١٩٦٣ في فترة حكم الجنرال عبود ثم انتقلت إلى دارفور في ٢٠٠٣ في فترة حكم الجنرال البشير وانتشرت في ٢٠٢٣ في معظم الجغرافيا السودانية في فترة حكم الجنرال البرهان.

بل إن فشل الجيش مكن احد حركات التمرد المسلحة الإقليمية من تقسيم البلاد وإقامة دولة هي جنوب السودان بعد خمسين عاما من الحروب العالية التكلفة بشريا ومادياً. فلا حقق الجيش انتصارا ولا وحدة ابقى. ولن تغفر ذاكرة الشعب هذا للجيش، فكما يقال تعاش الحروب مرتين مرة في ساحة المعركة ومرة في الذاكرة.

كذلك نلحظ أن حركات التمرد المسلحة بدأت بحركة واحدة مهيمنة في الجنوب وانتقلت لحركات متعددة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ثم تكاثرت عددا وتمددت جغرافية اليوم لعدد غير معروف من الحركات في جل أرجاء السودان. والحرب الجارية لم تقتصر ساحتها كسابقاتها على الأقاليم بل شملت لأول مرة الوسط النيلي والمركز العاصمة.

اما قوات الدعم السريع فهو أول مليشيا حكومية تقوى لدرجة محاربة الدولة السودانية التي أنشأتها.

تحالفات الجيش والقوى المدنية التقليدية عبر العهود

اغلب حركات التمرد المسلحة وكل المليشيات الحكومية ذات تكوين قبلي أو عرقي غالب. وبهذا فإن بعض القوى المدنية التقليدية هي الحاضنة الاجتماعية للجيوش الأخرى في الدولة السودانية.

وتعتبر المليشيات القبلية أحد أهم التحالفات الممتدة منذ عهد النميري، وفقا لدكتور سليمان بلدو، بين الجيش وبعض القوى المدنية التقليدية.

ولا يجب أن نغفل عن تفسير تماهي الغالبية العظمى للقوى المدنية التقليدية مع جميع حكومات العهود العسكرية كتحالف غير معلن بينها. اما التفسير الشائع لعلاقة التعايش بين الجيش الحاكم ومعظم القوى المدنية التقليدية فهو تجميل لتبادل مصالح وتحالف مستتر.

عداء القوى المدنية الحديثة غير الطائفية للقوى المدنية التقليدية

تعتبر الأحزاب الطائفية تحالف "سائل" بين القوى المدنية التقليدية والحديثة. ونصف هذا التحالف بالسيولة نسبة للتغيرات التي تطرأ على اوزان القوى التقليدية والحديثة داخل هذه الأحزاب خاصة في فترات الحكم العسكري.

لم تشهد علاقات القوى المدنية التقليدية والحديثة تحالفات فعالة خارج الأحزاب الطائفية. بل ساد العداء البارد والمواجهة الحادة احيانا بينها أغلب العهود ابتداء من النشأة الأولى لمؤتمر الخريجين المعادية للقوى المدنية التقليدية مرورا بالمواجهة العنيفة بين الطرفين إبان حكومة ثورة أكتوبر الاولى ومذكرة الشفيع أحمد الشيخ الداعية لحل الإدارات الأهلية وانتهاء بتحالف الإدارات الأهلية مع انقلاب البرهان-حميدتي ضد القوى المدنية الحديثة.

ويمكن أن نفسر غياب القوى المدنية التقليدية من كل تحالفات القوى المدنية الحديثة ضد الجيش اثناء عهود الحكم العسكري وعند الانتفاض ضده بأنه حالة تتراوح بين غياب المصالح المشتركة والعداء المستتر.

الانتقال المدني والتحول الديمقراطي المعادي للقوى المدنية التقليدية

ارتبط الانتقال للحكم المدني والتحول الديمقراطي في خطاب وممارسة اغلب القوى المدنية الحديثة ليس فقط بتجريد الجيش من السلطة والثروة بل أيضا بتقليص سلطة وثروة القوى المدنية التقليدية. وهذا هو أكبر معوق لتحالف القوى المدنية التقليدية والحديثة.

لذا فإن على القوى المدنية تقليدية وحديثة البحث عن مصالح مشتركة وجعل الانتقال المدني والتحول الديمقراطي يخدم مصالح الطرفين. ويتطلب ذلك في تقديري التالي:

1. على القوى المدنية الحديثة نبذ الخطاب الاستعلائي والغاء الأجندة الإقصائية ضد القوى المدنية التقليدية.

 

2. ايجاد صيغ دستورية لشراكة القوى المدنية التقليدية والحديثة في سلطة الانتقال وفي النظام الديموقراطي مثل التمثيل النسبي للقوى المدنية التقليدية والحديثة في الحاضنة المدنية السياسية للانتقال وفي البرلمان الانتقالي ثم في مجلس للولايات وفي هياكل الحكم المحلي بعد الانتقال عبر صيغة تمثيل نسبي في الانتخابات.

 

3. على القوى المدنية التقليدية التوقف عن دعم الأنظمة العسكرية وحركات التمرد المسلحة والمليشيات الحكومية بل ومعارضتها بقوة.

 

4. يجب صناعة ونشر وعي مجتمعي عبر التعليم والإعلام وغيرهما حول ترابط حكم الجيش والتمرد المسلح والمليشيات والحروب الأهلية مع التركيز على توثيق ونشر تفاصيل حول حقيقة أن اكبر المتضررين من كل ما سبق هو القوى المدنية التقليدية، لأن التمرد المسلح والمليشيات والحرب الأهلية تسفك أساساً دماء هذه القوى المدنية وتحرق ارضها وتقوض مصالحها وتهدم سلطتها وتنهب ثروتها.

5. يجب تغيير السياسات والافعال والخطاب وفق الوعي الموصوف أعلاه ومن جانب القوى المدنية التقليدية والحديثة، وليس احاديا.

 

6. يمكن أن تكون أولى الخطوات لبناء علاقات إيجابية بين القوى المدنية التقليدية والحديثة وبناء الثقة وتكوين المصالح المشتركة وصولا لشراكة فعالة هو تشكيل تحالفات قاعدية، وليس فوقية، بين القوى المدنية التقليدية والحديثة في المناطق المتضررة بالحرب وذلك من أجل تخفيف اثار الحرب والحد من جرائم أطرافها ضد المدنيين وتقوية التكافل الاجتماعي وإيصال المساعدات الإنسانية. وهناك نماذج عملية تطورت بالفعل على الأرض يمكن استصحابها. وبناء على تلك التحالفات القاعدية يمكن بناء تحالف مركزي بين القوى المدنية التقليدية والحديثة حول لا للحرب والشراكة في الانتقال المدني والتحول الديمقراطي.

7. تحالف القوى المدنية التقليدية والحديثة حول لا للحرب والشراكة في الانتقال المدني والتحول الديمقراطي يحب أن يكون تحالف انداد وليس مجرد توسعة لتحالف قوى مدنية حديثة قائم. وهذا يتطلب اما تأجيل المؤتمر التأسيسي لتحالف تقدم وإعادة بناء تقدم وفق شراكة فعالة للقوى المدنية التقليدية والحديثة، او تأسيس تحالف جديد.

8. يمكن لحزب الأمة والحزب الاتحادي، بحكم تكوينهما، أن يعملا كجسر لبناء علاقات إيجابية بين القوى المدنية التقليدية والحديثة وصولا لتحالفات وطنية متينة بينها لوقف الحرب الحالية وانهاء التمردات المسلحة وحماية الانتقال المدني وتشكيل التحول الديمقراطي ثم الترسيخ الديمقراطي.

 

لا شك لدي بأن تحالف القوى المدنية التقليدية والحديثة يسحب اي حليف وحاضنة مدنية محتملة للجيش والحركات المسلحة والمليشيات ويشكل قاعدة صلبة لوقف الحرب وانهاء التمرد وحماية الانتقال المدني فالتحول الديمقراطي ثم الترسيخ الديمقراطي.

moniem.mukhtar@googlemail.com

 

آراء