وين هم الكيزان؟ هسة شايف ليك كوز هنا؟

نزار عثمان السمندل

خلال أيام قليلة، خرجت من عباءة الحركة الإسلاموية تصريحات تشبه بيانات جماعات خارجة على الزمن: ضابط أمن سابق موالٍ للتنظيم يهدد بضرب دول في الإقليم، لحق به قيادي إخواني ملوّحاً بضرب البيت الأبيض، في تصعيد لغوي يتجاوز حدود السودان ليطرق أبواب العالم مباشرة.
بالتوازي مع ذلك، أطلق قيادي إخواني آخر تهديده العاري للمدنيين الذين قادوا الحراك الشعبي وأسقطوا النظام في أبريل 2019، متوعداً إياهم بالموت إن عادوا إلى الشارع، ومقدّماً الجيش بوصفه الغطاء الكامل لهذه الجريمة الاستباقية.

هذا الخطاب لا يصدر عن هامش، ولا عن قوى مطاردة. لغته، وتوقيته، وسقف تهديده، تكشف أنه يتكلم من قلب السلطة لا من خارجها، مما يُسقط، عملياً، رواية البرهان، الذي حاول أكثر من مرة نفي وجود الكيزان في الجيش أو الحكومة، قبل أن يطلق عبارته المرتبكة: «وينهم الكيزان؟ هسع شايفين ليكم كوز هنا؟».

حديث كهذا لا يُقال على سبيل الزلّة، ولا يُلقى في لحظة انفعال. هو أولاً إفلاس أخلاقي، واعتراف فجّ بعجزٍ عن التفكير خارج منطق البطش المسلّح. رسالة محسوبة، موجهة إلى الداخل لترويع المجتمع، وإلى الخارج لاستعادة صورة «التنظيم القادر»، حتى ولو كان الثمن هو إعادة السودان إلى خانة الدول المشتبه بها أمنياً.

العودة إلى هذا الخطاب اليوم، وسط حرب طاحنة، ليست مجرد حنين أيديولوجي، إنما مقامرة فظّة بمصير بلد بالكاد يقف على قدميه. تعني فتح الأبواب نفسها التي أُغلقت بشقّ الأنفس، وإرسال إشارة خطيرة بأن بعض القوى لا ترى في الدولة سوى منصة تهديد، ولا في السياسة سوى مقدّمة للعنف.

ذاكرة هذا البلد تعرف هذا السيناريو جيداً: استضافة أسامة بن لادن، جوازات سودانية لمتطرفين، محاولات اغتيال وتفجيرات عابرة للحدود. تاريخ كُتب بالدم والعزلة، ودفع ثمنه شعبٌ كامل حُوصر أكثر من ربع قرن.

التهديد لم يبقَ في حدود الكلام الأيديولوجي الشرير. شرق السودان سمع من يلوّح بتحويل الموانئ إلى ساحات اشتباك دولي.
الأُبيّض سمعت لغة أقسى. زعيم مليشيا موالية للجيش، خاطب المدنيين بلهجة القاتل الواثق من الإفلات: النزوح جريمة، وعقوبته الموت. مفارقة سودانية قاتمة؛ يُقتل المواطن إن هرب من الحرب، ويُقتل إن بقي، بتهمة جاهزة اسمها «التعاون».

بورتسودان، التي تُقدَّم كعاصمة مؤقتة، تُدار بعقلية أمنية ترى العالم من ثقب بندقية. لغة تهديد، وعجز تام عن إنتاج سياسة. خطاب كهذا لا يدل على قوة، بل على خوف، ولا يكشف عن سيطرة، بل يفضح ارتباكاً وفقدان بوصلة.

السودانيون يدركون حجم الفاجعة التي تحيق بهم إنْ بقي هؤلاء الأبالسة يتقافزون بلا قيد. العالم يراقب ويتذكّر. الكونغرس الأميركي ناقش خطر التنظيم على مستقبل السودان، وأعاد تسمية العلّة باسمها: تطرفٌ أمسك بالدولة منذ 1989، وأشعل الحروب، وفتح الأبواب للإرهاب.

تحذيرات لا تُقرأ بوصفها تدخلاً، بل إنذاراً لامعاً، لأن التهديد العابر للحدود لا يبقى محلياً، ولأن التجارب السابقة علّمت الجميع كيف تتحول الكلمات إلى قنابل.

مهزلة دامية يقف أمامها هذا الوطن المنكوب: قادة يهددون شعبهم، وآخرون يلوّحون بنسف العالم كله، ومليشيات تساوم المدنيين على حياتهم، وخطاب يعيد إنتاج مضامين البطش القديم.

سؤال واحد يفرض نفسه: إلى متى يُترك هذا البلد رهينة لأصوات ترى في الموت سياسة، وفي الخوف أداة حكم؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

صبرُ السودانيين… ساحةُ حربٍ بلا سقف

يتقدّم المشهد السوداني بخطى مثقلة بالدم والرماد، حيث تتزاحم الوقائع العسكرية مع الكارثة الإنسانية، وحيث …