وصل قطار ( المحلي ) محطة الخرطوم ونزلنا علي عجل الي موقف التاكسي ذلك الاصفر الرنان الفاقع لونه التي تسر رؤيته العيون . وتهادي بنا في خفة ورشاقة في الشوارع النظيفة الملساء ويخيل لك أن المركبة تنزلق مثل الرياضي الذي يمارس التزحلق في بلاد الثلوج .
السائق لا يتحدث كثيرا مع الركاب وإذا نطق تحسبه من كبار العلماء والادباء ودائما هندامه يلفت النظر فهو إما في كامل أناقته الافرنجية أو يبدو لك كسلطان زمانه بالزي القومي .
كان ينبعث من مسجل العربة صوت شجي كأنه العسل المصفي يخرج من حنجرة المطربة مني الخير في ذاك الليل الهادي من ليالي العاصمة وحلق بنا هذا التطريب العالي في فضاءات ساحرة انستنا أنفسنا الي حين وصولنا الي المحطة الوسطي بأمدرمان ومن هنالك توجه كل منا الي تاكسي اخر ( طلب ) ليصل به الي وجهته في ام در العاصمة الوطنية .
كان العميري في الصف الثالث بمدرسة الأبيض الأهلية الوسطي وصار هذا الصف نهاية المرحلة الوسطي بعد تطبيق سلم محي الدين صابر الجديد الذي بدأ معه تدهور التعليم في بلادنا وصار المنهج ضعيفا من ناحية المحتوي وطباعته في مصر كانت كارثة لأنهم اختاروا لها اردا الورق وأسوأ الأحبار فكانت تصل ممزقة الأوصال .
جئت للمدرسة معلما مستجدا محرم عليه تدريس الفصل النهائي والفصل الاول وكلاهما يحتاج لمعلم مدرب خريج بخت الرضا .
لم اتشرف بتدريس دفعة العميري مباشرة لكني لاحظت من اول وهلة أن الدفعة عموما والعميري خصوصا كانوا من ذوي المواهب المتعددة وخاصة في المسرح والغناء وفي الكوميديا الراقية المترعة بالفن التي تجبر علي الضحك من أعمق الاعماق .
في أواخر التسعينات كنت بالرياض في السعودية وبعد غزو الكويت وقبل احتلال العراق سافرت الي جدة واذكر في يوم السفر ذاك حملتنا طائرة جامبو قادمة من جنوب شرق اسيا وكان يجلس بجانبي بنغلاديشي مصاب بنزلة برد كانت من الحدة بمكان حيث تتضاءل معها الكورونا وبنت عمها اوميكرون وسلمني هذه الأمانة الراشحة المحشوة بالبرد والحمي والصداع العنيف فحملتها معى الي جدة ومن هنالك الي السودان وقلت لهم شوفوا النزلة الماخمج واوعي تاني تقولوا النزلة مرض عافيه !!..
تناولت صحيفة عكاظ السعودية وانا بين طيات السحاب في جوف الجامبو والبنغلاديشي يمطرني بوابل من العطسات والسعال المتواصل ورحت اتصفحها واحيانا اغطي بها وجهي من الآثار العدوانية لهذا البنقلاديشي الذي تحرك من بلاده للعمل في السعودية حاملا معه كمية مهولة من جراثيم النزلة الآسيوية المشهود لها بالجودة العالية في الفتك ببني البشر !!..
توقفت في تصحفي المتعجل عند الصفحة الفنية وقرأت منها عنوانا بارزا أوردته الصحيفة علي لسان الشاعر المصري المعروف الابنودي حيث قال :
( كان العميري اول من يستقبلني وآخر من يودعني عندما ازور السودان الشقيق . رحم الله سبحانه وتعالى صديقي العميري وامطر علي قبره الرحمة والرضوان ) .
هنا فقط ومن صحيفة عكاظ وانا في الجو علي الطائر الضخم عرفت أن العميري الفنان الممثل الراقي والكوميدي نسيج وحده صاحب الأعمال المسرحية من طراز السهل الممتنع قد رحل عن دنيانا الفانية !!..
ورجعت بذاكرتي مباشرة لعربة التاكسي والصوت الرخيم المنبعث من مسجلها يشنف الاذان بالأغنية الرائعة لمني الخير ياعيون المها ياعيون والتي التقطها العميري واضاف إليها من صوته العميق الدافيء الحنون مما جعلها راسخة في النفوس تزداد القا مع مرور الزمن وتبعث في القلوب ذكري ايام مضت لن ننساها !!..
حمدالنيل فصل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
ghamedalneil@gmail.com
/////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم