يوم كان عندنا قاضي له احساس ومشاعر وضمير حي !! .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

فجعت سيدة فاضلة في فلذة كبدها الذي قتل غيلة وبصورة مأساوية والقاتل سجل اعترافا قضائيا كاملا لا يرقي إليه الشك وكان قبل أن يسلم نفسه للسلطات المختصة ومازال ملطخا بدماء الضحية قد ذهب واعترض طريق والدة القتيل وخاطبها بقسوة شديدة جعلت المسكينة تترنح من الذهول وعدم التصديق :
( ولدك العاجبك دا انا كتلتو ليك ) !!..
طبعا القضية شغلت المجتمع المحلي والكل يعرف أدق تفاصيلها لأنها كانت أبين من شمس الظهيرة .
وكان المتوقع أن تحسم في أيام معدودات فهي قضية لم يكن يلفها اي غموض ولم تحيط بها أي طلاسم خاصة والقاتل كان مشهور عنه أنه شرس ولا يرعي في أحد الا و لا ذمة .
ودخلت لعبة القط والفار المشهد وصار للمحامين من الطرفين صولة وجولة الكل يبرز عضلاته ويستعرض ملكاته والمتهم الذي اعترف بجريمته النكراء عندما أدرك مايدور من كر وفر وعرضة خارج الحلقة وربما بإيعاز من محاميه بلع أقواله وانكر اي اعتراف كان قد ادلي به فالحياة فجأة بالنسبة له أصبحت حلوة والمحامي كمان عايز يكبر كومو وهذه مأساة العدالة في بلادنا حيث ابتلينا بمحامين يترافعون في قضايا محسومة سلفا والمتهم متورط الي أذنيه وحبل المشنقة يتراقص أمام ناظريه ولكن رغم كل هذا يدوس علي ضميره ويجتهد في مخارجة موكله الاثم وكل هذا من أجل حفنة من المال الحرام ونحن نعرف أن المحامي يدافع عن الحق بالحق وهو بمثابة اللسان عن المتهمين المظلومين الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم .
المهم القضية تطاولت مثل حرب الجنوب ودخلت في متاهات يتم تأجيل الجلسات أحياناً لأسباب مضحكة واحيانا من غير سبب الي أن جاء يوم ضاقت فيه الام المكلومة ذرعا بما يجري أمامها من مباراة مملة أشبه بمباريات الدوري الممتاز السوداني أو أشبه بنشرة الأخبار الرئيسية في تلفزيون السودان واقتحمت الجلسة وتوجهت مباشرة للقاضي وارعدت وازبدت فيه بكلام أشبه بمدفع سريع الطلقات ولم يبق إلا أن ترميه بقنبلة عنقودية :
انت ياقاضي مرتشي قابض المعلوم من أهل المتهم وليس عندك ذمة ولا اخلاق … حرام عليك تحرق حشاي اكتر من كدة والقضية طالت … الكلام دا ما معقول ما معقول بالمرة ) !!..
وانخرطت في نوبة بكاء يفتت ويذيب الصخر والجبال .
رفع القاضي رأسه بعد أن سكتت ام القتيل عن النحيب وقال بكل حسم :
(لولا تقديري لظروفك كام فقدت ابنها بصورة مؤلمة لامرت بحبسك وعلي كل فإنني اتنحي من هذه القضية ) .
ورمي بالقلم وغادر القاعة وسط دهشة وذهول الحاضرين .
نهدي تصرف هذا القاضي الشجاع لقاضي محكمة مدبري إنقلاب ١٩٨٩ الذي ظل الدفاع يتلاعب به وهو مبسوط ٢٤ قيراط والزمن يمر والناس بلغت روحها الحلقوم والقضائية مثل الجامعة العربية تقف علي الحياد !!..

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
يسأل لماذا العدالة في بلادنا صارت عزيزة المنال ؟
ghamedalneil@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً