آفة الأخبار.. وزيارة نافع إلى لندن .. بقلم: إمام محمد إمام

صاحبت زيارة الدكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني للشؤون التنظيمية والحزبية إلى لندن خلال الأسبوع الماضي، ضجة كبرى وروايات متباينة، لما حدث في اللقاء التنويري الذي نظمته السفارة السودانية في لندن يوم الأربعاء السادس من يوليو الحالي في مبنى السفارة بوسط لندن عن الأوضاع السياسية الراهنة في السودان، لا سيما وأنّ انفصال الجنوب عن الشمال رسمياً، كان قد تبقت له ثلاثة أيام، من رمي أحدهم لكرسي تجاه الدكتور نافع، مما تسبب في أذى طفيف أعلى الحاجب الأيسر للدكتور نافع، ثمّ حدوث حالة من الشغب وفوضى نتيجة لهتاف وصياح بعض الحاضرين ضد الحكومة السودانية، أراد السفير عبد الله الأزرق إلغاء هذا اللقاء التنويري لو لا إصرار الدكتور نافع على الاستمرار، وواصل حديثه دون حتى الانتظار لتلقي أي قدر من الاسعافات الأولية لأنّ حاجبه الأيسر كان ينزف دماً من ذلك الجُرح الطفيف. وما زالت الأحاديث تترى والأخبار تُروى، تأييداً من بعضهم لما لحق بالدكتور نافع من أذى حتى وإن كان طفيفاً، واستنكاراً من البعض الآخر لمسلك العنف الذي لم يعتده السودانيون في مثل هذه اللقاءات التنويرية سواء داخل السودان أم خارجه. وأحسب أنّ اللافت في هذه الأخبار تضاربها مع الحقيقة، وتجافيها للواقع، باعتبار أنّ أكثرها سماعية، تستند على السماع أكثر من المشاهدة! والمعلوم أنّ آفة الأخبار رواتها، وفي ذلك قال الشاعر:
همو نقلوا عني الذي لم أفه به      وما آفة الأخبار إلا رواتها
وفي رأيي الخاص أنه من الضروري أن نبسط القول عن هذا الحادث، كشاهد عيان، فالواجب المهني يحتم علينا قول الحق، ومن قبل ذلك الواجب الديني، وأن نكون شهداء بالحق ولو على أنفسنا، تنزيلاً لقول الله تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ”.
ولا حظت أنّ الكثير من الأخبار والتعليقات التي تناقلتها بعض المواقع الإلكترونية السودانية، كانت سماعية، واتسمت بقدر كبير من المبالغة التي تقدح في صدقيتها، لأنها اعتمدت على السماع المرسل دون التحقق من ماهية الحدث، وكيفية حدوثه، وأضافت عليه أقوالاً لم يقل بها أحد، وزادت عليه أحداثاً لم يشاهدها حاضر. كما أنها في سماعها هذا ابتعدت حتى عن منهج بشار بن برد في تقديم الأُذن على العين في بعض الأحايين، لأنها تماثل العين في إدراك ما يمكن إدراكه بالعين من باب المماثلة لحقيقة وقائع بعض الأشياء، وفي ذلك قال الشاعر بشار بن برد:
يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة      والأُذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذى فقلت لهم       الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
تأتي زيارة الدكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني للشؤون التنظيمية والحزبية، ويرافقه فيها كل من الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل مستشار رئيس الجمهورية وأمين أمانة العلاقات الخارجية في المؤتمر الوطني والدكتور زيدان عبده زيدان مسؤول أمانة العالم الغربي (أوروبا والأميركتين) في أمانة العلاقات الخارجية في المؤتمر الوطني، بدعوة من وزارة الخارجية البريطانية، وهي زيارة سياسية رسمية، وفي ذلك قال الدكتور نافع: “تأتي هذه الزيارة بدعوة من وزارة الخارجية البريطانية، وهي زيارة سياسية، وقد كان لنا حوار من قبل مع البريطانيين، بتنسيق مع اللورد مارك مالوك براون وزير الدولة للشؤون الخارجية وشؤون إفريقيا البريطاني في حكومة العمال السابقة، والآن نحن نحاول استدراك هذا الحوار، ونواصل عملية التحاور بين المؤتمر الوطني وحكومة المحافظين”. والمعروف أنّ حكومة المحافظين البريطانية أعلنت عن نظرة جديدة في علاقاتها مع السودان، حيث شرعت في اتخاذ بعض الخطوات لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. ويحاول السودان أن تساعده بريطانيا من خلال نفوذها في المجتمع الدولي على حلحلة قضية الديون. ومن أهداف هذه الزيارة العمل على تحسين العلاقات الثنائية بين السودان وبريطانيا، وتطويرها في المجالات الاقتصادية والتجارية. وقد قال الدكتور نافع في حواره مع صحيفة “الشرق الأوسط” يوم الأربعاء 6 يوليو الحالي عن موضوع الحوار الذي أجراه مع المسؤولين البريطانيين، إن “الأساس الذي يقوم عليه هذا الحوار هو العلاقات الثنائية بين السودان وبريطانيا، وضرورة أن تستقيم على الفهم الصحيح لحقيقة الوضع، وضرورة ألا تتأثر هذه العلاقات بالموضوعات العالقة بالسودان، بل على العكس التفاهم الثنائي الصحيح هو الذي يجعل النظرة إلى القضايا في داخل السودان نظرة مستقيمة، وتتطلب نظرة موضوعية، نحن نعتقد أن أغلب العلاقات الخارجية من واقع علاقاتها مع المؤتمر الوطني في السودان تعكس التحليل السياسي لمواقف الدول من جانب واحد، وهي قائمة من واقع الرؤية الخاصة للوضع، وهذا ما يعقد المواقف من قضايا السودان وليس العكس. ونود من خلال هذا التحاور تصحيح الموقف”. وتضمنت هذه الزيارة إلى جانب اللقاءات في وزارة الخارجية، لقاءات مع بعض أعضاء مجلس اللوردات، وكذلك بعض نواب البرلمان البريطاني، حيث تركزت المباحثات في كل هذه اللقاءات على سبل دعم العلاقات الثنائية بين البلدين وتطويرها، خاصة في المجالات الافتصادية والتجارية.
وفي مساء يوم الأربعاء قبل الماضي، نظمت السفارة السودانية في لندن لقاءً تنويرياً في مبنى السفارة بوسط لندن مع السودانيين في بريطانيا. وأدار اللقاء السفير عبد الله الأزرق، الذي أوضح أن هذا اللقاء سيكون لقاءً قصيراً، ولساعة واحدة فقط، لأنّ المتحدثين مرهقين بعد يوم عمل طويل، وأنهما مرتبطان بلقاء آخر بعد هذا اللقاء، وطلب من الحضور إغلاق الموبايلات والامتناع عن التصوير والتسجيل، ومن ثمّ قدّم للحضور، كل من الدكتور نافع علي نافع والدكتور مصطفلى عثمان، وبعد أن تحدث الدكتور مصطفى لبضع دقائق عن الزيارة وأهدافها، وما تم التوصل إليه مع المسؤولين البريطانيين. ولما قام الدكتور نافع متحدثاً، قال إنّه من الأفضل أن نسمع إليكم من خلال الأسئلة والمداخلات، ومن ثم أُجيب وأعلق على أحاديثكم. واستحسن الحضور منه ذلك، فأُتيحت لي أول فرصة للحديث، فاستهللت حديثي بالسؤال عن الاتفاق الإطاري الذي وقعه في أديس أبابا الدكتور نافع علي نافع عن المؤتمر الوطني ومالك عقار عن الحركة الشعبية في الشمال، وأثار الكثير من الجدل في أوساط المؤتمر الوطني والصحف السودانية، مما استدعى تدخل الرئيس عمر البشير لحسم هذا الجدل. فقلت للدكتور نافع أليس كان من الأوفق والأصوب لو أنك فور عودتك من أديس أبابا وقبل سفرك إلى لندن، عقدت مؤتمراً صحافياً شرحت فيه أن ما جاء في الاتفاق الإطاري ما هو إلا أجندات لاجتماع آخر وأنّها غير ملزمة للطرفين، فعملت بذلك على عدم إثارة الجدل الذي استدعى تدخل الرئيس عمر البشير، ولم تثر جدلاً آخر عن قانونية الحركة الشعبية في الشمال، التي تحدث عنها البعض، ومن بينهم الأخ أحمد إبراهيم الطاهر رئيس المجلس الوطني (البرلمان)،  وعن ضرورة تسجيلها عند مسجل الأحزاب بشرائط قانون تسجيل الأحزاب الذي يمنع أي حزب من أن تكون له قوات أو مليشيات عسكرية كحال الحركة الشعبية في ولايتيّ النيل الأزرق وجنوب كردفان. وطرح آخر سؤال عن حقيقة الخلافات والصراعات داخل الحزب الحاكم في السودان على خلفية الاتفاق الإطاري. وانحصرت الأسئلة والتعليقات في الفرص الأولى على الاتفاق الإطاري وتداعياته، وأهداف الزيارة ومآلاتها. وسأل أحدهم عن المعتقلين السياسيين في السودان، وعن حرية الصحافة، وعن الصحفي أباذر الأمين، وتحدثت إحداهن عن ضرورة الفصل بين معارضة النظام وخيانة الوطن، وغير ذلك من الأسئلة والتعليقات. فبدأ الدكتور نافع في الإجابة عن الأسئلة، فأجاب عن الاتفاق الإطاري وتداعياته، بأنه كان يحسب بأنّ ما أدلى به كل من الدكتور مطرف صديق وسيد الخطيب للصحافيين، في ما يتعلق بالاتفاق الإطاري كافياً، فلذلك لم يرَ ضرورة عقد مؤتمر صحافي لتبيان وشرح ما جاء في الاتفاق الإطاري. وقال أود أن أوضح أن الاتفاق الإطاري لم يتضمن اتفاقا على وقف العمليات العسكرية للقوات المسلحة في ولاية جنوب كردفان. ولم يصدر قرار للجيش السوداني بوقف عملياته التي تهدف إلى إخراج المتمردين من المواقع التي احتلوها هناك. الاتفاق الإطاري، هو محاولة للوصول إلى اتفاق بخصوص ما تبقى من جيش الحركة الشعبية من أبناء ولايتيّ النيل الأزرق وجنوب كردفان، وكيفية دمج بعضهم في القوات المسلحة وتسريح البعض الآخر، وفق الترتيبات الأمنية. ونفى وجود صراعات داخل المؤتمر الوطني على خلفية الاتفاق الإطاري، لكنه في الوقت نفسه، أكد وجود اختلاف موضوعي داخل الحزب الحاكم تجاه الاتفاق الإطاري، لأنّ البعض يرى أن الاتفاق كان يجب أن يكون مقصوراً بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في قضيتين لهما علاقة مباشرة باتفاقية السلام الشامل، هما المشورة الشعبية ودمج القوات، يبقى النقاش السياسي الحزبي في الشمال مستقلاً. ولما بدأ الدكتور نافع الإجابة عن سؤال حول المعتقلين السياسيين في السودان، سأل الدكتور نافع السائل مستنكراً، كم عدد المعتقلين في بريطانيا وغوانتانامو والسجون السرية في أوروبا، في إشارة إلى قلة عدد المعتقلين في السودان، فتداخل السائل معه مرة أخرى قائلاً: ماذا عن شهداء رمضان؟ فأجابه ماذا عنهم؟ فقال لماذا قتلتموهم؟ فهنا يبدو أن الدكتور نافع قد استجاب لاستفزاز سائله، فبدت نبرات الغضب تظهر جلية على صوته، فقال: مَنْ يسر في طريق 28 رمضان سنقتله أيضاً، والذي يريد عمل انقلاب فمرحباً به، فإذا نجح فليقتلنا، وإذا فشل سنقتله، والطريق مفتوح لمن يريد أن يجرب، والذي يريد أن يأخذها (السلطة) بالقوة، نحن نقتله ثانٍ. وعندها علا صوت بعضهم محتجاً، فما كان من قاسم الطيب الذي يجلس خلفي إلا أن سارع برمي كرسي تجاه الدكتور نافع، وكان في إمكان الدكتور نافع تفادي ما حدث له من إصابة طفيفة في حاجبه الأيسر، إن حاول تفادي الكرسي المقذوف، على طريقة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عندما تفادى الحذاء الذي قذفه به أحد العراقيين في بغداد، ولكن الدكتور نافع أمسك بالكرسي فأصابه أحد قوائم الكرسي في حاجبه الأيسر، مع ذلك رفض الدكتور نافع إلغاء اللقاء التنويري، وأصر على مواصلة الإجابة على الأسئلة حتى دون تلقي أي اسعافات أولية لإيقاف النزيف، إلى أن وضعت لاصقة على الجُرح، واستطاع أن يكسب تعاطف الحاضرين حتى المعارضين الذين تحدثوا من بعد ذلك، كانوا أكثر هدوءاً. ومن ثم استمر اللقاء حتى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً. وتدخل بعض أفراد الحراسة الخاصة للقبض على المعتدي قاسم الطيب، واستدعيت الشرطة البريطانية وأخذته إلى مركز الشرطة في هولبورون بوسط لندن. وطلب الدكتور نافع من المسؤولين في السفارة إبلاغ الشرطة أنه يصفح عن حقه من هذا الشاب. وعندما حضر الإسعاف، رأت الممرضتان أنّ الحالة لا تستدعي نقله بسيارة الإسعاف إلى المستشفى، وكان هناك عدد من الأطباء السودانيين الذين رأوا ذات الرأي، فغادر الوفد السفارة إلى الفندق. وفي اليوم التالي غادر الوفد لندن عائداً إلى السودان.
أخلص إلى أن بعض الحاضرين استنكروا هذا الأسلوب غير الحضاري، وهذا المسلك الذي لا يشبه السودانيين، خاصة في المهاجر. وأحسب أنه من الضروري أن نبين الحقائق ونسرد الوقائع كشاهد عيان، لأن الأمر التبس على الكثيرين، ممن اعتمدوا على رواة الأخبار، وما آفة الأخبار إلا رواتها، كما أننا ديناً ومهنةً مأمورين بشهادة الحق ولو على أنفسنا، بعيداً عن التدليس والتضليل. لأنّ الأصل في شهادة المسلم – وهي مطلب شرعي- أن يقول الحق ولو على نفسه. وأظن، وليس كل الظن إثم، أنّ الدكتور نافع استجاب لاستفزاز سائله، فاستفزهم بغليظ القول، وشديد الوعيد، ناسياً أنّ من بينهم أهل معارضة وأصحاب مرارات. وكان لا بد أن يراعي أن الحديث في الخرطوم غيره في لندن. وأحسب أيضاً أنّ بعضهم أعطى الموضوع أكبر من قدره، رغم أن تداعياته، بلا شك غطت على ما دونه من أحداث الزيارة ونتائجها، حاضراً ومستقبلاً.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ”.
وقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة             يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه      يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله            على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه          إلى مطمئن البر لا يتجمجم
Imam Imam [imam@asharqalawsat.com]

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً