أبيي: الطريق الشائك نحو الغاية ! .. بقلم: شوكير ياد
20 سبتمبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
42 زيارة
ظلت قضية أبيي من القضايا الشائكة والمتشعبة منذ عقود بعيدة، حيث عاشت المنطقة مختلف الأزمات بشكل متواصل دون أن يجد انسانه الإستقرار المنشود. ولا يتخيل المرء حجم المعاناة التي صبر فيها هذا الشعب المسالم لهذه العهود الطويلة دون انقطاع. وربما من سؤ حظ شعب أبيي، ان تكون أبيي المنطقة المنسية طول الوقت ، بسبب الأزمات الكبيرة التي مرت بها الدولة الجنوسودانية عبر مختلف الفترات،بدءأ بمفاوضات نيفاشا والتي كادت ان تفشل بسبب ملف أبيي، مروراً بإستفتاء جنوب السودان الشهير،ثم إستفتاء عشائر نقوك التسعة والذي تزامن مع بدايات وإرهاصات أزمة ديسمبر 2013،والتي خيمت بظلالها على البلاد. وتظل أبيي بعيدة كل البعد عن المُخيلة السياسية الجنوبية بقصدٍ،او دون قصد احياناً بسبب تلك الظروف التي دائماً ما تحيط بالقضية. ونذكر انه من خلال مفاوضات نيفاشا رفض الراحل جون قرنق الوصول الى سلام نهائي بدون حل قضية أبيي،الأمر الذي أدى الى تضمين ملف أبيي في بروتوكول خاص حتى لا يعرقل عملية السلام، ثم جاءت التضحية الأولى التي قدمها شعب أبيي في إستفتاء جنوب السودان والذي نال به إستقلاله عن الشمال. فقد كان من المفترض ان يقام الإستفتاءان ” جنوب السودان/ ابيي” في آن واحد. الا ان القيادة السياسية لحزب المؤتمر الوطني في الخرطوم رفضت الأمر،بل وهددت بتأخير او تأجيل الإستفتاء اذا ما اصرت الحركة الشعبية على اقامة استفتاء ابيي بالتزامن مع استفتاء الكبير”استفتاء جنوب السودان”. وقد تم التضحية بأبيي من اجل تمرير ونجاح الإستفتاء المصيري. وبالفعل تحقق ما كان يصبو له الجميع وهو نيل الاستقلال. ولكن هيهات فقد أدار لها الجميع الظهور بعد الإستقلال،بسبب البرنامج السياسي للدولة الوليدة والذي ادى الى تغيير الأسبقيات والأولويات،حيث لاحت في الأفق بوادر الخلاف وسط قيادات الحركة الشعبية،بسبب صراعات السلطة والتي ساهمت بطبيعة الحال في عدم تحريك ملف ابيي.
ويلاحظ أيضاً ان قضية أبيي مرت بمراحل عديدة في طريق أيجاد الحل النهائي لها،غير انها في كل مرة تأخذ شكل ديناميات مختلفة بسبب الظروف السياسية التي احاطت بكل فترة . الا ان عشائر نقوك التسعة أخذت بزمام المبادرة من اجل محاولة جادة لكسر الصمت والتجاهل الحكومي تجاه القضية؛ وذلك من خلال الاستفتاء الداخلي الذي اقامته تلك العشائر في اكتوبر2013 بأبيي. وقد حظى هذا الحراك المدني والسياسي لعشائر نقوك بالدعم السياسي والمادي من جانب الحكومة آنذاك،الأمر الذي ساهم في تحقيق نتائج ايجابية لصالح البقاء مع جنوب السودان كوضع طبيعي لا جدال عليه. غير ان التعاطي مع نتيجة الإستفتاء وتوظيفها سياسياً جاءت مخيبة لآمال الجميع ،خاصة عشائر نقوك ابيي،بسبب الغموض الذي اكتنف مصير نتيجة الاستفتاء وعدم المصادقة عليها في الهيئتين،التشريعية والتنفيذية على مستوى البرلمان والحكومة. وعلى الرغم من الجدل الذي دار حول مدى قانونية الإستفتاء في حد ذاته، الا أنها عكست في حقيقة الأمر مدى توافق إرادات هذه العشائر في إنتمائهم الأزلي والتاريخي لجنوب السودان.
وقد اتيحت لي فرصة العمل بوزارة الخارجية لفترة قصيرة جداً بعد استفتاء ابيي،حيث سنحت لي فرصة الاضطلاع على مكتوب رسمي(note verbal) من خلال القسم الذي كنت اعمل فيه ، يفيد بأنه بموجب الإتفاق الذي تم بين الرئيسين،بخصوص الادارة المشتركة لمنطقة ابيي ،تم اختيار وتكليف رئيس جديد للادارة المشتركة من قبل الخرطوم،وعليه ترجو من الحكومة في جوبا القيام باختيار ممثلها ايضاً لرئاسة الادارية…انتهى
ويلاحظ في هذا الصدد ان الخرطوم قامت بتلك الخطوة،كرد فعل مباشر على إستفتاء عشائر ابيي من أجل تفويت الأمر،مستغلةً ظروف الحرب التي مرت بها البلاد 2013؛ وذلك باللعب على التناقضات التي أفرزتها لصالح عدم تصعيد وتدويل قضية أبيي في ذلك الوقت. وهذا ما تحقق بالفعل عندما انفصل قادة البلاد سريعاً عن الحقائق في ضوء القمة الشهيرة التي جرت بجوبا ،والتي يرجح انه جرت مياه كثيرة من تحت الجسر أوجدت ديناميات جديدة فرضت نفسها كمحددات لإدارة أبيي. فقد اتضح جلياً ان الخرطوم ارادت ان تجر جوبا الى حل الإدارية المشتركة للمنطقة كحل رضائي وتوافقي دون اللجؤ الى وساطة الاتحاد الافريقي. وهو ما تحقق من خلال الأمر الرئاسي رقم (3) لسنة 2015م. بالرغم من عدم اقتناع السيد امبيكي نفسه بعدم جدوى فكرة الادارية المشتركة لمنطقة ابيي.(مبيكي”أبيي لا تحتاج الى إدارة مشتركة” 29/7/2013).
وهكذا سارت الأمور على النحو الذي يجري حالياً،من ادارة مشتركة للمنطقة،دون أن تجد أبيي طريقها للحل النهائي، ولم نعد نسمع عن قضية أبيي الا في مناسبات عابرة.
اين تكمن العقبة..؟!
أكد معظم المسؤولين عن ملف أبيي في فاتحة تدشين اعمال شبكة قانوني ابيي من اجل الحل النهائي لقضية أبيي والتي اقيمت مؤخراً،بأن القضية مكتملة من جميع النواحي لصالح شعب أبيي ، ولا يحتاج الأمر سوى تحريك الملف من خلال الخطاب الذي أرسله الرئيس كير في 9/10/2013 لمجلس السلم والأمن الأفريقي، والذي عبر فيه عن وصوله لطريق مسدود مع الرئيس البشير في قضية ابيي؛وذلك للدفع بالأمر الى مجلس الأمن الدولي. ولكن يبدو أن المناخ السياسي في الوقت الحاضر غير مهيأ لذلك من واقع التعقيدات والتي تمثل تحدياً كبيراً في سبيل توحيد القرار السياسي واعلان الموقف الرسمي للدولة بشكل واضح وصريح.
وقد جاء الوقت لتضافر الجهود وتوحيد الصف الجنوبي حول قضية أبيي من أجل ايجاد الحل النهائي،والعادل لعشائر نقوك التي عانت كثيراً دون ان تجد الإستقرار.
وما أود الإشارة اليه في هذا الصدد، هو تباين المنظورات الفكرية لدى الشارع الجنوبي حول قضية أبيي……
فمنهم من يصور الأمر وكأنه شأن خاص بعشائر نقوك أبيي،ولذلك يرون بأنهم غير معنيين بالقضية البتة،وهي الحقيقة التي أشار اليها ضمنياً السيد دينق الور وزير الخارجية، في حفل تدشين شبكة قانوني أبيي من أجل الحل النهائي،والذي صرح بأن هناك بعض الجنوبيون يحتاجون للتعريف والتعليم بقضية أبيي، وحتى في داخل الحكومة. ومنهم من يفهم أيضاً القضية بكل أبعادها،ويقر بأنها شأن جنوبي خالص يتطلب تضافر كل الجهود للخروج من ذلك المأزق التاريخي.
غير ان اللائمة في احد جزئياتها تقع على أبناء المنطقة انفسهم بسبب الصمت المريب إزاء التعاطي مع القضية،والتي طالت القيادات السياسية للمنطقة،والتي فشلت في تسويق القضية من خلال الدوائر الحكومية.
ومن المهم جداً أن يسعى أبناء أبيي الى إعادة ترتيب بيتهم الداخلي لأجل الدفع بالقضية للأمام،الأمر الذي ينقسم حوله الكثير من الجنوبيين،بسبب مسألة التمثيل السياسي المزدوج هنا وهناك،والتي تمثل احد الثغرات التي تُستغَل في عدم توحيد الرؤية حول القضية.
وقد جاءت شبكة قانوني أبيي من أجل الحل النهائي لقضية أبيي في وقتها، لتكون القطرة التي تأتي في اول الغيث؛وذلك في اتجاه توحيد كل الجهود لأجل تلك القضية العادلة.
ونحسب انها خطوة موفقة في اتجاه التعريف بالقضية في الفضاءات المختلفة،الدولية والإقليمية والمحلية.
ونأمل أن تظهر بصماتها “الشبكة” خلال القمة الإفريقية القادمة في يناير القادم،من خلال التسويق للقضية بشكل يدفع في اتجاه لفت انتباه المجتمع الدولي لدفعه للتعاطي مع القضية بصورة أكثر جدية،خاصة وان أمريكا من اكثر المتعاطفين مع شعب أبيي وقضيته.
كل التوفيق لشبكة قانوني أبيي من أجل الحل النهائي لقضية أبيي
ky05062015@gmail.com