أجيال السودان وإهمال التعليم (30)
كترة المساس تفقد الإحساس… بين التكرار والتعلم
من الأمثال الشائعة في مجتمعاتنا قولهم: “كترة المساس تفقد الإحساس”، ويُقصد به أن كثرة التعرض للشيء قد تجعل الإنسان أقل انتباهًا له وأضعف تأثرًا به. فالعين قد تعتاد المنظر الجميل فلا تعود تلتفت إليه، والأذن قد تألف الصوت فلا تكاد تسمعه بعد حين.
لكن هل ينطبق هذا المثل على العملية التعليمية؟
وهل كثرة التكرار والإعادة تفقد الطالب اهتمامه بالمعرفة، أم أنها وسيلة ضرورية لترسيخ التعلم؟
الحقيقة أن الأمر يعتمد على نوع التكرار وطريقته. فالتعلم بطبيعته يحتاج إلى التكرار. فالطفل لا يتعلم الحروف من أول مرة، ولا يتقن القراءة من أول محاولة، ولا يحفظ جدول الضرب أو قواعد اللغة أو العمليات الحسابية دون مراجعة وإعادة.
وقد أدرك التربويون منذ زمن بعيد أن الذاكرة البشرية تحتاج إلى المراجعة المستمرة حتى تنتقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى. ولهذا كان التكرار أحد أهم أدوات التعلم.
لكن هناك شى مهم وهو ان المشكلة تبدأ عندما يتحول التكرار إلى عملية آلية خالية من الفهم والتجديد.
فالطالب الذي يُطلب منه حفظ النص نفسه عشرات المرات دون مناقشة أو تحليل قد يشعر بالملل والنفور. والمعلم الذي يعيد الدرس بالطريقة نفسها عامًا بعد عام قد يفقد قدرته على إثارة اهتمام طلابه. وهنا يصبح المثل الشعبي قريبًا من الواقع؛ فكثرة التكرار غير المدروس قد تفقد المتعلم الإحساس بقيمة ما يتعلمه.
أما التكرار المصحوب بالفهم فإنه يحقق نتائج مختلفة تمامًا.
فكل مراجعة ينبغي أن تضيف زاوية جديدة للفهم. وكل إعادة ينبغي أن تكشف معنى لم يكن واضحًا من قبل. ولهذا نجد أن الإنسان قد يقرأ الكتاب نفسه أكثر من مرة، وفي كل مرة يكتشف فكرة جديدة لم ينتبه إليها سابقًا.
وفي العملية التعليمية الناجحة لا تكون المراجعة مجرد استرجاع للمعلومات، بل فرصة للربط بين الأفكار واكتشاف العلاقات بينها وتثبيت المفاهيم الأساسية.
ولذلك فإن الفرق كبير بين الحفظ والتعلم.
فالحفظ يعتمد غالبًا على التكرار المجرد، بينما يعتمد التعلم الحقيقي على الفهم ثم المراجعة ثم التطبيق.
ومن هنا تأتي أهمية التنويع في أساليب التدريس. فبدل أن يعاد الدرس بالطريقة نفسها، يمكن استخدام النقاش، والأنشطة العملية، والأمثلة الحياتية، والعمل الجماعي، وحل المشكلات. عندها يصبح التكرار وسيلة للتثبيت لا سببًا للملل.
ولعل من المشكلات التي عانت منها بعض مدارسنا أن التركيز انصب على إعادة المعلومات أكثر من بناء الفهم. فأصبح الطالب يحفظ للإمتحان ثم ينسى بعده بفترة قصيرة، لأن المعرفة لم تتحول إلى تجربة عقلية حقيقية.
إن المراجعة ضرورة تربوية لا غنى عنها، لكنها تكون أكثر فاعلية عندما تقترن بالفهم والتفكير والتطبيق. فالتكرار وحده قد يصنع حافظًا للمعلومات، أما التكرار المصحوب بالفهم فيصنع متعلمًا قادرًا على الاستفادة مما تعلمه في حياته.
وخلاصة القول إن مقولة “كترة المساس تفقد الإحساس” قد تصدق عندما يتحول التعليم إلى إعادة مملة لا روح فيها، لكنها لا تنطبق على التعلم الحقيقي؛ لأن المعرفة كلما تعمق الإنسان فيها ازداد إدراكًا لقيمتها، واكتشف فيها معاني جديدة لم يكن يراها من قبل..
osmanyousif1@icloud.com
