بقلم: السر جميل
في خضمّ الحياة المتسارعة، يغفل الإنسان عن أعظم معجزةٍ تحيط به وتستقر بين جنبيه؛ معجزة خلقه وتكوينه. إن جسم الإنسان ليس مجرد صرح أحيائي بيولوجي، بل هو كون مصغر يفيض بالتناسق، وتشهد كل خلية من خلاياه بدقة الصانع وعظمة الخالق، محققة قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
يتألف هذا الهيكل البشري العجيب من ترليونات الخلايا التي تعمل في تناغمٍ مطلق لا يختل، حيث يقدر عدد خلايا الجسم بنحو 37 ترليون خلية، تتغذى عبر شبكةٍ دموية شاهقة الإتقان تضم آلاف الكيلومترات من الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية، لو صفت لدارت حول الأرض أكثر من مرتين.
وفي قلب هذا البناء، تعمل كليتا الإنسان كمحطة تنقية عملاقة دون توقف، حيث تقوم الكلية بفلترة الدم وغسيله ناهزت 36 مرة يوميا ! وهذا يعني أنها تغسل الدم قرابة 1080 مرة في الشهر، وما يزيد عن 13,000 مرة في السنة الواحدة. كل ذلك يتم في صمت تام ودون ألم، بخلاف الرعاية الشاقة والآلام التي يكابدها مريض الفشل الكلوي أثناء جلسات الغسيل الاصطناعي الواحدة فقط.
كما تصل حرارة المعدة إلى نحو 37 درجة مئوية، وتبلغ حموضتها حدا قادرا على إذابة بعض المعادن، ومع ذلك لا تلتهم المعدة نفسها بفضل الغشاء المخاطي المتقن الذي يجدد نفسه باستمرار. وتبدأ بعد ذلك ملحمة فصل الفضلات والتغذية، حيث يعزل الماء والمغذيات عن الفضلات بدقةٍ متناهية، فيُساق كل عنصر إلى هدفه ليتغذى الجسم وتستقيم الحياة، في عملية معقدة تجري بغير علم منا ولا شعور، مستورة بسياج اللطف الإلهي.
حين يقرر الإنسان أن يخطو خطوة واحدة، تتضافر نحو 200 عضلة ويتحرك أكثر من 30 مفصلا في تناسق أوتوماتيكي ليتحقق الاتزان البشري المبهر. ولكي ندرك عظمة هذه الخطوة، نذكر أن علماء إحدى أشهر الجامعات الألمانية أمضوا سنواتٍ طوالا وصمموا أبحاثا نالوا عليها درجة الدكتوراه لمجرد برمجة رجلٍ آلي (روبوت) ليخطو خطوة واحدة متزنة دون أن يسقط ! خطوة نخطوها نحن ملايين المرات في اليوم دون أدنى تفكير، تتجلى فيها حكمة القادر المقتدر.
أما عملية الإبصار، فهي إعجاز بصري ومركزي لا تضاهيه أعتى كاميرات العالم، تنعكس الضوء على الشبكية، فترسل ملايين الإشارات العصبية عبر العصب البصري إلى الدماغ، ليقوم معالجتها وتمييز الألوان والظلال بدقة فائقة. ولا يتوقف الإعجاز هنا، بل يستحضر العقل فورا من أرفف الذاكرة معلومات هذا المضيء أو ذاك الوجه، لتتعرف عليه في أقل من جزءٍ من الثانية، في ربط مدهش بين الحواس والوعي.
وحين يتكلم الإنسان، تتداخل حركة اللسان والشفاه والأوتار الصوتية ورئتي النفس، لتضبط مخارج الحروف بنطق سلس ولغة مفهومة، دون أن نشعر بالمعادلات الفيزيائية والميكانيكية التي تجري داخل الفم. وتتصل هذه العملية اتصالا وثيقا بحاسة السمع لنستوعب ما يقال ونرد عليه، وبحاسة البصر لنسبر غور الوجوه والمواقف، وبالحركة لنعبر ونصف، في منظومة تواصل متكاملة تجعل من الإنسان كائنا متفردا.
ويكتمل هذا الخلق العجيب بجلد الإنسان، ذلك الدرع الحيوية المتجدد الذي يحمي الجسد من الميكروبات الدقيقة، ويضبط درجة حرارته صيفا وشتاء عبر العرق والمسام. وحتى فتحات الجسم كالأنف والأذن والفم، لم تترك سدى، بل زودت بآليات حماية ذاتية، من شعيرات ومواد شمعية ومخاطية وإنزيمات قاتلة للبكتيريا، لترد العاديات قبل أن تتسلل إلى الداخل.
إن تأمل أجهزة الجسم وحواسه، ودقة ضبطه وتكامله، يورث القلب خضوعا ويملأ العقل يقينا بأن هذا الخلق لم يكن سدى ولا مصادفة، بل هو صنع الله الذي أتقن كل شيء، وتبقى كل خلية فينا تنادي بلسان الحال سبحانك ما أعظمك !
نواصل الجزء الثاني …
elsir90@hotmail.com
