أحقّاً انهم انزلوا المطر في دبي؟ وهل لمثل هذا الحدث اهمية؟ .. بقلم: بول مكدوري .. تعريب: احمد المكاشفي

الشهر الماضي، وانا اقود سيارتي صوب ساحل ولاية ميسسبي الاميركية، فاجأتني عاصفة مطرية في الطريق. بدأت الحكاية بقطرات مطر قليلة متفرقة كانت تسّاقطُ على زجاج السيارة الامامي. ثم لم تلبث ابواب السماء ان انفتحت بماء منهمر. بقع الضوء والمياه المتساقطة بكثافة على الزجاج الامامي قلّصت قدرتي على الرؤية الى ابعد حد، وذلك رغم الضربات السريعة لماسحات الزجاج الامامي windshield wipers. خرجتُ من الطريق السريع ودخلت موقفاً للسيارات تغمره المياه يتبع لاحد مطاعم دنكن دونات. ركنتُ السيارة وانتظرت.
ذكّرتني تلك العاصفة المطرية العاتية بسلسلة مثيرة من مقاطع فيديو قصيرة نشرها على Instagram الشهر الماضي المركزُ الوطني للأرصاد الجوية في الإمارات العربية المتحدة. اظهر أحد تلك مقاطع سياراتٍ تنطلق بسرعة وسط أمطار غزيرة، واشجار نخيل كان جريدها يضطرب بعنف، اما وجه الشمس فكان يلوح حيناً ثم يلتحف الغيوم، ما القى على المشهد لوناً داكناً. وفي مقطع آخر نرى آثار طوفان: شوارع غمرتها المياه، سيارات متوقفة، مياه بُنّية اللون تتدفق فوق الرمال. وفي مقطع ثالث تظهر سيارات من ذوات الدفع الرباعي وهي تعبُر ما يبدو انه بحيرة عميقة.
ومرّةً اخرى انوِّه بأنّ مقاطع الفيديو التي حدّثتكم عنها تعرضُ مشاهدَ من دولة الإمارات العربية المتحدة تبدو فيها على وجه التحديد طرقها السريعة المتطورة والمُصممة بشكل يتيح لها تحمّل درجات الحرارة القصوى، والتي بفضلها يعبر السائقون الصحراء ليصلوا بأمان الى حواضر دولة الامارات مثل دبي وأبو ظبي وغيرها من المدن الحديثة. في دولة مثل الامارات يتوقع المرء ان يرى حرارة الشمس وهي تنعكس من صفحة الأسفلت، او ان تقع عيناه على اسرابٍ من السيارات المسرعة التي تثير ملاءةً من غبار رملي يلتمع في وهج الشمس. لكنه، بدلاً من ذلك، يرى مطراً غزيراً يجلُد بقوة صفحة الاسفلت الاسود ثم يتقافز مرتداً عنها. مُصوِّر الفيديو، وهو ينقل مشاهد الفيلم من الوضع الافقي الى الرأسي وبالعكس، بدأ وكأنه يحاكي شكوك المشاهدين. إذ من الصعب جداً تصديق ان هذا الغيث المِدرار يحدث في بلدٍ مُعَدّلُ هطول الأمطار فيه لا يتجاوز عادةً أربع بوصات. لقد بدا الأمر وكما لو أنه قد جرى تصوير التفاصيل أكثر من مرة حتى يبدو المشهد حقيقة دامغة لا تقبل النقاش. وستتضاعف دهشةُ المُشاهِد حين يطالع تقارير في صحف الواشنطون بوست والاندبندنت تتحدث عن أن هذه اللقطات السريالية تأتت بفضل تقنية تُعْرَف ب الاستمطار cloudseeding، وهي تقنية عكفت دولة الإمارات العربية المتحدة على تطويرها على مدى عقد من الزمان او يزيد.
هذه التقارير قد تنطوي على قدر من المبالغة. فمصطلح “الاستمطار” يشير عادةً إلى مجموعة من تقنيات تعديل الطقس التي يتم فيها حقن الغيوم بمادة معينة — مثل الملح أو ايوديد الفضة أو الجليد الجاف — لزيادة فرص تساقط المطر منها، وليس الى إنشاء السحابة نفسها. هذا الاجراء كان فيما مضى يُنفّذُ بالطائرات، لكنهم لجأوا الان الى استعمال طائرات بدون طيار لإطلاق شحنات كهربائية تُحدِث اثراً مماثلاً للأثر الذي تُحدِثه المواد آنفة الذكر. من الناحية النظرية، تتحول المواد التي تُحقنُ بها السحابة الى بؤر تتجمع حولها جزيئات الماء لتُشكِّل قطيرات أو بلورات على قدر كافٍ من الكثافة يجعلها تسقط على الأرض بدل ان تتبخر.
تهتمّ الإمارات بتطوير واستكشاف هذه التقنية لأن مناخها جاف وساخن ويزداد سخونة مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض. إذ أرْبَتْ درجات الحرارة في بعض مناطق البلاد هذا العام على 125 درجة فهرنهايت. وشيء آخر يزيد الأمور تعقيدًا وهو الزيادةُ الكبيرة في عدد سكان الإمارات، ففي الفترة من 2005 إلى 2010 تضاعف عدد السكان ليصل إلى حوالي 8.5 مليون، أما الأن فقد ارتفع عديد السكان الى 10 ملايين او يكاد. والزيادة في عدد السكان تعني طبعاً زيادةً في الطلب على المياه، يحدث هذا رغم ان الإمدادات المائية المُستفادة من مصادر متجددة في الامارات لا تزيد على ٤٪. لهذا، ولسدِّ الفجوة المائية، وللحفاظ على ما لديها من مياه، لجأت الامارات إلى تقنية تحلية المياه، وهي تقنية باهظة الثمن، بالاضافة الى تقنية الاستمطار الرخيصة نسبيًا — وعلى افتراض أن تقنية الاستمطار يمكن أن تعمل على نطاق واسع — فقد يكون لها فائدة إضافية تتمثل في تبريد الهواء ومحتوى الوسائط الاجتماعية في البلاد ولو بشكل مؤقّت.
من غير الواضح إن كانت عمليات حقن وتلقيح الغيوم عبر 14 طلعة جوية التي أجرتها الإمارات في الأسبوع السابق لتلك الأمطار الغزيرة قد اصابت السُحُب التي جادت بذلك الغيث الغزير. لكن من المؤكد أنه يتعين على الدولة أن تحقن التفاؤل في نفوس مواطنيها، وغالبًا ما ينشر المركز الوطني للأرصاد الجوية في الامارات عمليات محاكاة وإعلانات تحت وسم هاشتاغ #cloud_seeding ، تليها مقاطع فيديو لطرق تغمرها مياه الامطار. هذا الالتباس يكتنف هذه التقنية في بقية انحاء العالم. فعلى الرغم من برامج تعديل الطقس الطموحة التي تنفذها دول مثل الصين، لا يزال الشك يساور كثير من العلماء في قدرة هذه التقنية على زيادة هطول الأمطار. (هناك بعض الأدلة على أن هذه التقنية يمكن أن تزيد بشكل طفيف من تساقط الثلوج في ظروف معينة، لكن، ولأسباب معقدة، لم يكن الدليل التجريبي على سحب الطقس الدافئ قاطعًا.) وحتى لو عملت التقنية بشكل موثوق، فليس بمقدور أحد التأكد من مقدار هطول الأمطار التي يمكن أن تنتج عنها، أو إن كان ثمة خطر من أن تنجح جداً بحيث تُسَبِّبَ فيضانات خطيرة.
يختلف الخبراء أيضًا حول ما إذا كان تساقط الأمطار بواسطة هذه التقنية قد يؤدي إلى انخفاض معدلات هطولها في دول اخرى تقع وراء الدولة التي تستخدم هذه التقنية، ما يؤدي الى تصاعد الاتهامات بسرقة الأمطار. المسألة إذن معقدة: فإذا كان بلدك يعاني من الجفاف وكنت ترى الناس في بلد يقع امامك على خط سير السحاب يهللون لقدرتهم على انتزاع الماء من السحب العابرة، فقد لا تروقك فكرة الانتظار حتى يتبلور إجماع الخبراء.
محاولات استنزال المطر ليست جديدة على البشر. فمنذ آلاف السنين، كان للبشر صلوات وطقوس وممارسات غريبة موجهة لهذا الغرض، بالإضافة إلى طقوس اخرى شتى تهدف إلى عكس ذلك، اعني درء العواصف والفيضانات. للوهلة الأولى، يبدو ان مقاطع الفيديو الإماراتية تتغيّأ توثيق اللحظة التي تمكنت فيها البراعة البشرية من تنزيل التلاعب بالطقس من خانة الخيال إلى رحاب التطبيق العملي. ارادت الإمارات المطر فكان هناك مطر، واتاحت العملية فرصة جيدة لحملة علاقات عامة ممتازة. فالحكومة الإماراتية، بعد كل شيء، تُدير دولةً ملتهبة يعتمد اقتصادها على تصدير النفط الخام. ولهذه الحكومة مصلحة قوية في تقديم نفسها على أنها قوية بما يكفي لإدارة تداعيات تغير المناخ عن طريق إنزال الماء من السماء مثلاً.
مثل الكثير من حملات العلاقات العامة، فإن مقاطع الفيديو المذكورة وإن عكست شيئًا ذا إيحاءات خارقة إلا انها انتهت بإثارة القلق. فقد يتوقع المرء ان يشعر بشيء من الفخر ونشوة الانتصار وهو يواجه الأدلة على أننا قد نكون حققنا، وإن بشكل جزئي، أحد التطلعات الدائمة للبشرية، اعني التحكّم بالطقس، ذلك الأرَب الذي اعتدنا أن نكِل قضاءه الى أهواء الآلهة والطبيعة. لكن السياق العام للامور يذّكرك ان البشر قد نجحوا بالفعل ليس فقط في تعديل الطقس ولكن أيضًا في تغيير مناخ الكوكب بأكمله، وهو تغيير على قدر من الجسامة بحيث تبدو معه فكرة استخدام الطائرات بدون طيار لحلب السحب فوق رقعة صغيرة من الصحراء عملاً تافهاً وغيرَ ذي بال. ومع تتابع مقاطع الفيديو، يُدرِك المرء ان هذه الحقيقة تلوحُ في خلفية كل واحد من هذه المقاطع، وتتلبس، كالشبح، ما تحويه هذه المقاطع من صور. إن القوة التي يريدون استعراضها ستتضاءل دائمًا امام قوة أكبر منها.
قد تكون هندسة البيئة، أو تقنيات أخرى مثل احتجاز الكربون، أجزاء حيويةً من مستقبلنا على هذا الكوكب. من الرائع، على أقل تقدير، أن ننظر في إمكانيات هذه التقنيات. لكن أكثر ما يثير القلق بشأن مقاطع الفيديو هذه يتمثل في ما يطرق اسماعنا من حديث عن كيف ان هذه الاحتمالات ستتحول الى حقائق — لا كجزء من بعض الإجماع الدولي للحد من الأضرار التي لحقت وتلحق بكوكبنا– ولكن، ربما، لأنها يتم نشرها من جانب واحد من قبل الدول الغنية أو المليارديرات الملوك. وستُستخدم هذه التقنية، في النهاية، وببساطة، لتحسين الطقس في هذا البلد او ذاك، او لتبشيرالعالم، او سُكّان الانستغرام، بأنّ شخصًا ما لديه القدرة على تحويل الصحارى الى حدائق غنّاء.
لقد أسرتني مشاهد هطول الأمطار على الطرق السريعة الإماراتية، كما اثارتني التقارير الإخبارية التي تشير إلى أن للبشر يدٌ في حصول هذه الامطار. لقد قدمت مقاطع الفيديو صورةً آسرة لسطوة الإنسان، كما قدّمت شعوراً عابراً بالاندهاش والأمل. الا ان هذه اللحظة لم تلبث ان مرّت، وانقشع معها تصوّرنا غير الواقعي لقدرتنا على منع اكتساح البحر والحرّ لكثير من الاحياء على سطح كوكب الارض. لقد تقلّص شعوري بالرهبة والإجلال. لم أكن أنظر إلى عاصفة كالتي دهمتني في ولاية ميسيسيبي، بل كنت أشاهد مادة اعلامية على شبكة الانترنت.

mikashfi@outlook.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً