العوبا يانديما .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
كان نقاش الهوية الذي أمسك بخناقنا لعقود لغطاً. ولم يكن ذلك النقاش هرجاً لأنه كلام “مثقفاتية” كما في اعتقاد الكثيرين. الحقيقة أن الهرج داخله من جهة أنه جرى بمعزل عن الثقافة. حديد لاقا حديد. فغاب عن النقاش بشكل استثنائي دور اللغة في تكوين الهوية (وأعنى هوية عرب السودان هنا). فخاض الخائضون في أمر الهوية بدلائل الشلوخ والصليب على الجبهة وهلمجرا واستدبروا شاهد اللغة. ومتى التفتوا إليه لم تزد وظيفة اللغة عن كونها أداة تواصل لا حافرة في الهوية وصانعة لها بصورة لا منافس لها فيها. وتمكنت اللغة من الهوية هذا التمكين منذ ما عرف في أوربا ب”الانعطافة اللغوية” في العلوم النفسية والإنسانية والاجتماعية خلال العقود الأخيرة منذ السبعينات. واكتسبت اللغة بهذه الانعطافة أهمية مركزية في تفسير الحياة الاجتماعية وانعقدت بها، بالنتيجة، هوية الناس. فسعي المنظرون في هذه الحقول من المعرفة في أثر عالم اللغة السويسري دي سويسير، ومتأثرين باللغويات التركيبية، لفحص العلائق المعقدة بين اللغة وإنتاج الحياة الاجتماعية، بل واتحادها بالإنسان، في قول العالم النفساني الفرنسي جاك لاكان: “فبعد أن تصير الكلمة قولاً لن يعد المتحدثان بعد القول كما كانا قبله”. فعالم الكلام عنده هو الذي يخلق عالم الأشياء السابقة لوجودنا بصفة عشوائية. فليس هناك إذاً غير الكلام لإعطاء معنى متكاملا للأشياء. فلا وجود لأي شيء بدون الكلام. فلاكان لا يكتفي بالقول إن الذات الطفلة لا تصبح كذلك باكتساب اللغة حين تلج عالم الرموز فحسب، بل تتركب هي نفسها في الأثناء كلغة. وعليه فنفسانيات الذات نفسها تعمل بنفس طرائق اللغة بوسيط المجاز.
لا توجد تعليقات
