١- طالب امتهن غسيل السيارات امام مبني القضائية
٢- طالب سائق كارو
٣- طالب قتلت امه وابيه
٤- بنت من اسرة فقيرة(بيت جالوص)
وكلهم احرزوا مافوق نسبة ٩٠٪
المعلوم ان الفيلسوف الفرنسي (بيير بورديو)، قد كتب عن إعادة الانتاج ، بمعني ابن الطبقة الغنية يعود الي ذات المناصب التي شغلتها اسرته لزمن طويل وابن الطبقة الفقيرة يرجع لذات الاعمال التي تشغلها اسرته او وظائف غير مرموقة…
امتحان الشهادة الحالي يبدو وكأنه قد كسر هذه القاعدة الفلسفية تماما ، فالي ماذا قد يعزي بورديو هذه الحالات الخاصة في امتحان الشهادة السودانية ٢٠٢٦ كمثال فقط
يمكن مناقشة ذلك عبر المحاور التالية:
المسار السوسيولوجي الذي تفتحه هذه النماذج المتتالية ينفذ ببراعة إلى جوهر “الاستثناء الذي يُثبت البنية” عند بيير بورديو.
سواء كانت الحالة طالبة في بيت طين بمروي، أو شاباً يعمل على عربة “كارو” في أمبدة، أو عامل غسيل العربات، فإن القراءة السوسيولوجية البورديوية تتعامل مع هذه الحالات الحية بوصفها “ظواهر استثنائية مكثفة” تُشرح وتفضح القواعد الطبقية بدلاً من أن تنفيها.
كيفية تفكيك هذه النماذج الجديدة عبر زوايا بورديوية :
- “قيمة القرب والبعد” عن رأس المال المادي
عندما تتناول المنتديات والمنابر السودانية (مثل سودانايل والفيس) هذه النماذج بالتحليل والتدقيق، يتجلى تماماً كيف يُصنع “الرمز الاجتماعي”:
البطل العصامي: الفرد الذي ينجح وهو قادم من ظروف شاقة أو بيئة هامشية لا يتحدى الجاذبية بجهده الفردي فحسب، بل يمارس عملية “استبدال قصوى”؛ حيث يُستبدل الغياب التام لرأس المال المادي (المال، المدارس المجهزة، الدروس الخصوصية، والبيئة المستقرة) بـ شحنة هائلة من رأس المال الرمزي والأخلاقي (الالتزام الصارم، الإرادة الحديدية، والتعويض النفسي عن الفقر). - “السوق الإعلامي” وتحويل التجربة إلى “فرجة رمزية”
النقاشات التي تدور حول هذه النماذج في الفضاء الرقمي والمنشورات تقع مباشرة في حقل “العنف الرمزي والإشادة المفخخة”:
الاحتفاء التخديري: المجتمع والمؤسسات يسارعون إلى التقاط هذه القصة والاحتفاء بها لأنها تُقدم صياغة مريحة للضمير الجمعي: “التعليم ما زال بخير، والنجاح متاح لمن يريد”.
بورديو يفكك هذا الاحتفاء: يرى بورديو أن التركيز الإعلامي الكثيف على “الفرد المعجزة” يُسهم قسراً في تغطية العيوب البنيوية لسياسات التعليم؛ فبدلاً من التساؤل: “لماذا يُضطر آلاف الطلاب للقتال في ظروف غير إنسانية ليحصلوا على حقهم الطبيعي في التعليم؟”، يتم تحويل القضية إلى “قصة بطولة فردية ملهمة” تبرئ الدولة والمؤسسة التعليمية من مسؤولية الفجوة الطبقية وتجريف المدارس. - “الهابيتوس التحويلي”
يسمي بورديو الأشخاص الذين يعبرون الحدود الطبقية الصارمة عبر بوابة التعليم بـ “المتحولين طبقياً” :
هؤلاء الأفراد يخوضون صراعاً مزدوجاً؛ صراعاً مادياً للوصول إلى قمة التحصيل الأكاديمي، وصراعاً نفسياً داخلياً يعيشون فيه بين “هابيتوس الأصل الفقير” و”هابيتوس المجال الجديد” (كليات الطب، الهندسة، أو النخب الأكاديمية).
هذا العبور لا يُلغي البنية الطبقية، بل يظل شاهداً على التكلفة الباهظة للأعصاب والأجساد التي يدفعها أبناء المقهورين لمجرد انتزاع اعتراف أكاديمي تمنحه البنية للطبقات المقتدرة كاستحقاق طبيعي ومريح!
عموما:
كل نموذج جديد يُطرح من عمق الواقع السوداني الراهن يُعيدنا إلى صلب أطروحة بيير بورديو:
“إن نجاح ابن الفقير ليس دليلاً على ديمقراطية المؤسسة التعليمية، بل هو معجزة فردية تُثبت حجم القسوة والتفاوت؛ فالطبقة المقتدرة تعبر إلى القمة عبر ‘جسر أسفلتي’ ممهد بالمال والاستقرار، بينما يعبر ابن الفقير إلى نفس القمة عبر ‘سير على الشوك والجمر’!”
عبداللطيف سويكت
