(1)
أعلن الفريق عبد الفتاح برهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في بيانه الأول التزام مجلسه الانتقالي بالمواثيق والعهود الدولية التي أقرها السودان وفي مقدمتها بالطبع الميثاق الدولي لحقوق الانسان للعام 1948م الذي تضمنه دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م في نصوصه واعتبره جزءً لا يتجزأ منه و من التشريعات الملزمة في السودان إلزاماً تاماً.
و لا يخفى بالطبع أن الميثاق الدولي لحقوق الانسان ـ شأنه في ذلك شأن كل المواثيق والعهود المعنية بالحقوق الأساسية ـ يحظر ويحرم إفلات أي مجرم من جريمة أرتكبها. و ما لا اختلاف عليه هو أن قادة النظام الساقط وفي مقدمتهم السفاح البشير قد ارتكبوا جرائم بشعة لا حصر لها في حق الشعب جماعات وأفراداً. ويحق لأسر ضحاياه وفقاً وبحسب مواثيق وعهود حقوق الانسان و قواعد العدالة الطبيعية المطالبة بمحاكمته، كما يحق لهم حق المطالبة بمعاقبته بالقصاص منه، في حال وجده القضاء مذنباً وانتهى إلي إدانته بالبينات وفق القانون. وعندها لا يحق لأحدٍ كائناً من كان أن يسقط أو يجحد أو ينكر حق ذوي الضحايا الأصيل في القصاص منه. وهو ليس كالقصاص الذي جاهر بأمره قادة الشرطة بتنفيذه على المتظاهرين والمحتجين في بداية ثورتهم ضده بقصد إسقاط حكمه، بل هو القصاص المنصوص عليه في آيات القرآن الكريم كما فسره المفسرون الثقات في مراجع وكتب تفاسيرهم الصحيحة، والذي يختلف عما أوله المنتحلون الطغاة المرتعدون خوفاً من ثورات شعوبهم ضدهم و (المحرفون للكلم من موضعه). (عشان البشير يشوف القصاص من النوع الما بيعرفه!!)
و ليست هذه دعوة مني للتشفي أو الانتقام أو ترويج لانتشار الفوضى وانفلات الأمن أو دعوة لوضع يأخذ فيه أي فرد القانون بيديهم بقدر ما هي دعوة للتعجيل باستعادة دولة المؤسسات وسيادة حكم القانون و المساواة أمام القانون حيث الكل سواسية دون أدنى تمييز أو تفضيل لأحد. وهي الدولة التي تكفل توفير الضمانات والحماية القانونية الكافية لكل فرد، مع ضمان حق المحاكمة العادلة أمام القضاء الطبيعي وحق الدفاع عن نفسه.
(2)
و في مؤتمره الصحفي أجاب الفريق عمر زين العابدين عضو المجس العسكري و مسئوله للحوار مع القوى السياسية على سؤال (لم نتبيَن سائله لأننا لم نر حضور المؤتمر من الصحفيين أصلاً) بقوله (و بتشديد ذكرنا بلغة البشير ذاته) بأن مجلسهم طالما كان في السلطة فإنه لن يسلم البشير لأية جهة أجنبية وفقاً (لقيم ومثل الشعب السوداني)!! ثم أردف قائلاً كالذي يناجي نفسه (وقد) نحاكمه هنا. و “قد” تفيد الاحتمال و يستنتج منها أنهم “قد” لا يحاكمونه هنا أيضاً.
(3)
غني عن الذكر أن قيم الشعب ومثله لا تقر لكائن من كان أو تبيح له ارتكاب المجازر الدموية الوحشية ضد الشعب جماعات وأفرادا استغلالاً للحكم و تسخيرا لبطش وقمع أجهزة الدولة وتشريعاتها الفاشية، كما لا تبيح قيم ومثل الشعب للمسئول أو غيره كائنا ما كان أن يؤيد الأفعال المادية لمنتهكي شرف و آدمية وكرامة ضحايا الاغتصابات من حرائر دارفور بأقواله وألفاظه التي لا تقل تسفلاً أو سقوطاً عن الجرائم الفعلية كتلك التي نسبها الدكتور الراحل الترابي للبشير. والعبارات بألفاظها (لمن يطلب الاطلاع عليها) موثقة ومحفوظة في شريط فيديو متداول على الشبكة العكنبوتية. وهي تثبت فساد “مناهج تفكير وخفايا ضمائر وعلل نفوس” كثيرة أطلق الثوار الأشاوس و الكنداكات الباسلات الترياقها المضاد المتمثل في شعار : “يا لعنصري المغرور كل البلد دارفور” كما أنها تفضح وتعري توهم بعض بني جلدتنا الذين تنتابهم وساوس وهلوسات ادعاء العروبة “واللعبثة بها” فيسرف ظانهم في توهم أنه من عرب نجد أو تهامة، متجاهلا ملامحه الافريقية التي لا تخطئها العين ولا تقبل الجدال تختلف عن تلك المميزة لغالب السودانيين. وآسف لاضطراري للانحدار إلي مثل هذا الدرك من الحديث في الأعراق ولكن ماذا نفعل مع من سماهم الدكتور منصور خالد: (هجائن السودان و مهاجينه) ولله في خلقه شئون.! شفاهم الله من علة الوهم و التوهم (غير السوي) فالإفريقية التي يفرون منها فرار السليم من الأجرب باعتبارها عاراً هي في نظر (الإفريقيين الأسوياء) شرف لا يدانيه شرف!!.
(4)
و الثابت عندنا أن علل وأسباب إحالة ملف جرائم و تجاوزات وفظائع دارفور إلي المحكمة الجنائية الدولية هي عاهة أخلاقية ومهنية أصابت أجهزة العدل الوطنية في صميم أهليتها وذلك (بحكم تمكين منتسبي الحزب الحاكم من إدارات الهيئة القضائية والنيابة العامة) وما ترتب على ذلك من تبعية تلك الإدارات المطلقة و خضوعها التام لهيمنة السلطة السياسية والتنفيذية وأجهزة دولتها القمعية، الأمر الذي أقعدها عن القيام بمهام تطبيق القانون بحياد ونزاهة واستقلال وبعدالة. و تقرر القاعدة الشرعية: (أن الأحكام تدور مع عللها وأسبابها وجوداً وعدماً) وعليه فبمقدورنا تبعاً لها، أن نقول أن تلك الإحالة للعدالة الدولية قد دارت بعد سقوط رموز وقادة تلك الدولة عدماً مع عللها وأسبابها. ولا ينال من قولنا هذا كون قضاة ونواب التمكين لا يزالوا في مواضعهم ومراكزهم على قمة إدارة المحاكم والنيابات حتى الآن. لأن ذلك لن يدوم طويلاً، في تقديرنا، طالما أن إرادة ثوار و كنداكات ثورة 19 ديسمبر 2018م تتقدَم بخطى واثقة وثابتة نحو أهدافها النهائية، وتسجل كل يوم جديد الانتصار تلو الآخر. وعليه فإن ذوي الضحايا لم يعودوا في حاجة لطالب بتسليم البشير وغيره من قادة نظامه الساقط للمحكمة الجنائية الدولية لأن مسألة تقديمهم للقضاء الوطني العادل أصبحت مسألة وقت رهينة باستكمال إجراءات تصفية آثار كوادر الظل والتمكين من أجهزة الدولة السودانية وضمنها الهيئة القضائية، ومن غير تطهيرها من رجس سدنة طاغية النظام الساقط، فلن تستعيد استقلالها وحيدتها واستقامتها!!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم