أرياف السودان وضحايا الحروب والانتهاكات .. في بؤرة العناية! .. بقلم: مرتضى الغالي
17 فبراير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
73 زيارة
حكاية العناية بأمر الريف.. وضحايا الحروب والانتهاكات حكاية آسرة منعشة عظيمة الوقع تمثل (عودة الروح) وتجديد التمازج بين مكوّنات السودان والإقرار بتعدديته البهية ولحمته الواشجة التي ينبغي متى ما أصابها طارق في أي جانب منها أن يتداعى لها سائر جسد الوطن بالسهر والحمى..!
لقد أعادها وعي الشباب إلى (بؤرة الاهتمام) عبر تخصيص يوم للريف وآخر لضحايا الحروب والانتهاكات والتهميش.. فتزيّنت ساحات الشوارع والأثير بالشعارات والرسومات التي تبشّر بالتماسك الوجداني بين كل أطراف البلاد عبر شعار (كل البلد دارفور) هزيمة للتهميش والعنصرية والجهوية البغيضة، ورمزاً لكل مناطق الوطن المنكوبة بالحروب والانتهاكات؛ في جبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها.. وفي معسكرات النزوح وما يعايشه أهلها من مظالم وأهوال ومن فقدان لأدنى مقومات الحياة.. إنها العودة للريف مصدر حياة السودان..!
لقد كان ذلك أمراً بديعاً يعني الاهتمام بالريف السوداني وساكنيه.. ويعيد موقعه في وجدان الوطن.. لقد رأينا التعبيرات والأشعار والصور والرسوم التي جعلها الشباب شعاراً للاحتفاء بأهل الريف وهي تصوّر بيئتهم الطبيعية وممارسات حياتهم اليومية بين القرى الشعثاء المندثرة والمحترقة وتلك التي تقاوم البقاء.. وانتشرت ابداعات الشباب عبر تصوير الرواكيب والمزارع والحقول والزراعات والجبراكات والكرانق والقطاطي والرواكيب والبيوت الطينية والعشبية والدانقات والقاطوعات والصرايف وجلسات الضرا.. وازدانت الوسائط الاتصالية بملامح أهل الريف وصبرهم وسماحتهم وهم يغالبون الحياة، وصوّرت سعيتهم التي تحوم حولهم وألعاب أطفالهم والآلات البيئية الخاصة بأداء العمل والترفيه مثل الملودات والحشاشات والمحاريث والوازا والربابة وأم كيكي والزمباره والطار والنقارة.. ونقلت إلى العيون والقلوب الريف بكل تمثلاته في شرق الوطن وغربه وشماله وجنوبه، وأهله بأزيائهم وزينتهم ومفردات حياتهم.. في إشارة بأن الخرطوم ليست هي السودان، وأن السودان ليس في هذه العمائر المشوّهة الشائهة الطبقية الجاهلة والأندية المليارية وغيرها من المظاهر الناشزة التي تمثل حكمة (بئر معطلة وقصر مشيد) تمثيلاً صادقاً لأول مرة ربما في التاريخ وبمطابقة كاملة مع الواقع (الكمده بالرمده)..!
هذا ما شاهده الناس على امتداد السنوات الإقصائية التي قضت بإعدام الريف وأهملت حياة الناس وتنمية الموارد، في حين شيدت الدور والقصور الخاصة وغير الخاصة.. فيمكن أن ترى بعض أبنية المؤسسات العاطلة وكأنها (عرش بلقيس) وصروح الجن والمردة.. ولكنك لا ترى ما يكفى من ماكينات غسيل الكلى ولا سيارات الإسعاف أو نقالات الموتى.!
لقد تناسوا الريف مصدر ثراء الوطن ومنبع ثرواته، وبعد ذلك لم يرحموا أهله من الدانات والقصف والموت والتهجير.. فالناس في شغل عن إدارة شؤون الدولة بريفها وحضرها من أجل الاغتناء الشخصي والتسلط الغبي، ولهذا أظلم الريف وتعطلت الحياة فيه وتراجعت مدنه وتهرأت بواديه ودساكره وقراه وظلت أطرافه المنسية تعاني فقدان الغذاء والماء وأبسط مقومات الحياة.. والمسؤولون الرساليون عن كل هذا (في شغل فاكهون)!
ما أبهي هؤلاء الشباب الذين أعادوا ريف السودان إلى بؤرة الاهتمام.. وما أبهى هذه الإشارة البليغة والوقفة المُستحقة.. فحقاً (كل البلد دارفور).. ويجب أن يهتم الناس بما يجري في حق المجموعات السكانية في مواقع النزوح وما يتعرضون له من انتهاكات جسيمة واغتصابات وحشية في (معسكر زمزم) وغيره، حتى لا يغفل الناس عما يكابده مواطنو الريف وأهل المعسكرات الذين نشأت أجيال من أطفالهم وصباياهم وصبياتهم بعيداً عن المدارس.. بل بعيداً عن الحياة، وهذه الإلتفاتة القوية من الشباب ومناصريهم في كل مكان هي الأمل الذي يعيد السودان إلي منصة التكوين والتأسيس والتجديد.. هذا البلد العظيم في موارده وفي إنسانه، الذي ساقته المصادفات (غير السعيدة) إلى هذا التيه، سيعود بمشيئة الله قريباً إلي دروب الخير والانعتاق والنماء والعدالة الاجتماعية التي تجعل مواطن الريف في بؤرة العناية والاعتبار.. بعد زوال هذه الدمامل والبثور البشرية..!!